عصافير الحب/ ايمان حجازى


فى عيد الحب الماضى جاءنى صديق بزوج من عصافير الحب راجيا ان تؤنس وحدتى, تشجينى بزقزقتها الجميلة المبدعة ... وربما كان يرجو أن تشجعنى على إنتهاج طريقتها فى الحياة ... على إتباع منهج القلب والمشاعر والأحاسيس بعيدا عن عالم المنطق والعقل ولم أنكر أن عصافير الحب قد وقعا فى قلبى فإرتبطت بهما كثيرا وكنت إذا خرجت سرعان ما أعود لأجلس بالقرب منهما وأسمع حديثهما ... فلهما جمال غير عادى ... هى خضراء بلون المروج النقية ... وكانت هادئة لا تتكلم كثيرا ... تنظر على إستحياء وكأنها تخفى شيئا أو تخشى شيئا ... أما هو فأصفر اللون زاهى مشع ... يوحى للناظر إليه بأنه الحياة كثير الشدو متنوع العزف معتد بذاته فخور بكيانه... فوجوده يمتع النفس , يسر العين وما أجملها من أمسيات قضيتها فى صحبة هذين الملكين ... وما أروعها من صباحات أقوم فيها على صوت صداح يشفى الجراح ... وكنت كثيرة الإمتنان الى من وهبنى هذه الجنة

يوما من الأيام ... أقيظنى صوت فظيع ... كأنها صرخة مكتومة ... أرعبتنى ... فأسرعت إليهما معتقدتا أن سوءا قد حدث لهما ...
ولكن لم أجد شىء ... أو هذا ما بدى لى ...تفحصت الأكل و غيرت الماء وتركتهما ... لكن ما إن دخلت للسرير حتى سمعت الصوت مرة أخرى ... فقلقت جدا و إعتقدت أن بأحدهما مرض ما ... وبسرعة إتصلت بصديقى وأعلمته ... فإذا به يسألنى سؤال أضحكنى كثيرا فى البداية ... سألنى هل مازالا إتنين ؟؟؟ ... ولم يكن صديقى يعنى أن أحدهما قد ذهب ... ولكنه كان يقصد السؤال عن الأبناء ...
فقلت بلى... فأجاب وكأنه خبير حقيقى ... ربما يكون هذا السبب ... وضحكت من أعماق قلبى ... ولكن صديقى طلب أخذ الموقف
بجدية أكثر ... و محاولة إمتاعهم بشىء من الخصوصية .... ايه ؟؟؟؟؟؟؟؟ ... ههههههه

وتركتهما ... ولم أعد أزورهما إلا لوضع الأكل وتغيير الماء وتنظيف القفص .... ومرت مدة طويلة ... وكنت أسمع خلالها أصوات
ليست زقزقة وليست عزف وإنما هى كصوت مكتوم مؤلم مخنوق ... لا أدرى ... وقلت لنفسى لعله يكون الحب ... وعلى الرغم من طول المدة لم تظهر الأولاد ... ولم تختفى الأصوات ... فشكوت إلى صديقى حال الجنة وسكانها ... فقرر عمل جلسات مراقبة علاجية ...
نرى فيها ما يحدث عن قرب حتى نقرر العلاج بعد معرفة المشكلة

وقد كان ... كنا نجلس عصر كل يوم فى الشرفة وكأننا نتحدث ولا نعيرهما أى إهتمام ... غير أننا كنا نختلس النظرات لهما ونتابعهما
بكل دقة ... فوجدناه عاشق متيم معذب فى غرامها ... يشكو للعالم كم تجهل حبه ... وكم تتعمد هجره ... وكم يقتله تجاهلها ورفضها ... مثلما أعلن من قبل عن غرامه و هيامه ... وهو لم ييأس ... فى كل مرة يعقد العزم ... يضع إبتسامته على شفتيه و يظهر لها الود محاولا التقرب منها ولمس رأسها بمنقاره ... فلا يكون منها غير تحاشى النظر اليه ... بل وتتعمد النظر الى الجانب الآخر ... يقترب فتبتعد...
يتحدث فلا تسمع ... يهمس فلا تحس ولا تجيب ...فهى عاندة رافضة لا مبالية قاس قلبها

وظل الوضع هكذا كثيرا ... حتى ذاب و إنفطر قلبه ...وذبل جسده ... وخبى بريق عينيه ... وإنكسر صوته ... فأصبح لا يغرد ولا ينشد ...
بل يئن ... وعزفه أصبح أشبه بالإستجداء ... مرض وكاد أن يموت ... إنكمش فى ركن من القفص ... ولا يأتى بحركة ...
بكيت عليه كثيرا وكم كرهتها حتى إنى حادثتها ... لم كل هذه القسوة ... لم الرفض ... الحب نعمة ... ومقابلة من يهوانا الى
درجة الموت حال إنعدام وجودنا ضرب من الخيال من الجنون مستحيل فى عالم البشر .... بكيت كثيرا على هذا العاشق الملتاع ...
وحقدت كثيرا على هذه الغبية القاسية القلب المتعالية

ولكن لأن الحب دنيا لا تخضع لمنطق ولا عقل ... وليس له مسببات ولا مبررات ... ذات صباح ذهبت أطمئن عليه ... فوجدت ...
ويالعجب ما وجدت ... وجدتها بجواره وقد أخذت رأسه بين جناحيها ... ووضعت عليه رأسها ... كانت تحتضنه ... وتعزف له بصوت
خافت قيثارة همس عاشق ... فقلت فة نفسى سبحانك ربى من تزرع الحب فى البوار ... من تروى بالشفقة ظمأ العطاشى... من تذيب باللين جليد الإنتظار ... وعدت أدراجى كى لا أشعرها بالخجل ... وتابعهما متابعات دورية ... وكنت أقف أنظر إليهما وأبتسم فرحة بهما ... وسرعان ماتم شفاؤه

إستيقظت يوما على لحن أعرفه تماما وعلى صوت غاب عن أذنى كثيرا ... إشتقت إليه ... فجريت أحييه تحية الصباح ...
ووجدتهما يقفان بجوار بعضيهما وكأنها نوبة حب صباحية ... تعلن للعالم أنه يحيى الحب وصباح الحب ودنيا الحب الوردية

ولكن دوام الحال من المحال ... بعد مدة ليست بالطويلة ... قمت من نومى على صوت نحيب بكاء يفطر القلوب ... إتجهت فورا
إليهما فوجدتها تبكى دونما إكتراث منه ... عجبا فقد كانت تقترب منه فيبتعد ... ويطير بعيدا ...ولا يريد لا التحدث معها ولا رؤيتها ...
يعاملها بقسوة ببرود ...كيف ذلك !!!... ولإحساسها بكرامتها وعزتها ... ربما لخجلها منى ... ذهبت بعيدا عنه ولسان حالها ينعى حبها
... ويتحسر على ما كان

فسألت نفسى ماذا حدث ... ولما تبدلت الأحوال هكذا ... فى الماضى القريب كاد يموت عليها ... كادت أن تنتهى حياته بسبب
هجرها ... وبعودتها إليه عاد للدنيا ... حنت عليه وإليه ... أسعدته وسعدت به ومعه ... كيف تكون هذه هى النهاية؟؟؟؟

وتعجبت كثيرا ... وقلت فى نفسى لما الحيرة ... وهذا حال البشر أيضا ... ربما يكون هذا ما يحدث فى جميع العوالم ... من يدرى ...
فقد يحدث فى عالم الطير والحيوان وربما النبات ... أن يظل الممنوع مرغوب ... ومتى تم الحصول عليه زهدته النفس وعفت عنه
... ربما ملت منه وهجرته

وفى النهاية خاب ظنك صديقى ... فلم تغير تفكيرى هديتك ...ولم تبعدنى كثيرا عن الواقع ... فما زال كما هو ... ليس به كثيرا من الأمان

سبحان مؤلف القلوب ... سبحانه من يغير ولا يتغير



CONVERSATION

0 comments: