الأحد، 29 مارس، 2015

ما بعد داعش/ كفاح محمود كريم

     يتحدث الكثير من الخبراء والمحللين عن الأزمة الإنسانية التي تسببت فيها منظمة داعش الإرهابية، ونزوح ملايين البشر من مدنهم وقراهم إلى شتى أنحاء المعمورة، وبالذات إلى الأماكن الأكثر أمنا في دول الإقليم مثل كوردستان والأردن وتركيا، إضافة إلى الآلاف الذين هاجروا إلى أوربا وأمريكا وإضعافهم الذين ينتظرون، ورغم مأساة حال النازحين على الأقل هنا في كوردستان والأردن وتركيا، إلا إن موضوعا أكثر أهمية وتعقيدا ينتظر الجميع خاصة إذا ما علمنا إن داعش كقوة عسكرية زائلة بالمطلق، ولا يمكن أن تكون وضعا مقبولا أو مستمرا في أي زاوية من العالم مهما امتلكت من قوة وأساليب في إرهاب وترعيب البشر، فهي مرفوضة في عقيدة أغلبية البشرية مهما ادعت أنها تمثل دينا أو مذهبا، فهي بالتالي خارج الزمن والحضارة والأخلاق والطبيعة البشرية.
     المشكلة الأكثر تعقيدا وربما مأساة وكارثية التي ستواجهنا هي ماذا سيحصل بعد عودة السكان إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم، بعد أن خربت داعش بنيتها التحتية بالكامل على مستوى الخدمات العامة وعلى مستوى بيوت الأفراد، حيث تم تدمير أو تفخيخ أكثر من 90% من تلك البيوت والأسواق والدوائر الحكومية أو المباني المملوكة للكورد والشيعة أو المسيحيين والايزيديين، والصورة أكثر مأساوية في المناطق المختلطة قوميا وعرقيا أو المتاخمة لبعضها، فقد تم تمزيق النسيج الذي كان يربطها قبل دخول داعش، ومساهمة العديد من أبناء تلك القرى والبلدات والمدن بالجرائم التي اقترفتها داعش في عمليات القتل على الهوية الدينية كما حصل للكورد الايزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان الشيعة في كل من سنجار وتلعفر وسهل نينوى، حيث تم هدر دماء الايزيديين والشيعة واستباحة اموالهم ونسائهم واطفالهم، وسبيت الاف النساء الكورديات الايزيديات وتم تزويجهم قسرا لعناصر داعش وامرائها، بل انهم اقاموا اسواقا لبيع النساء كجواري في كل من تلعفر والبعاج والموصل والرقة.
     وأكثر الاسئلة كارثية ومأساة هي كيف سيتعامل آباء البنات المسبيات وإخوانهن وأزواج النساء وأبنائهن ممن تم تطليقهن من قبل داعش واغصباهن على اعتناق الإسلام وتزويجهن قسرا أو بيعهن كجواري أو عبيد، كيف سيتعاملون أو يواجهون ذوي أولئك الذين سبوهم وقتلوا رجالهم وتسببوا في الكارثة، خاصة وان زواج أي ايزيدية من رجل مغاير لدينها يعتبر مخلا بالشرف الشخصي للعائلة وللعشيرة، والمشكلة المعقدة ان هذه البلدات والقرى اما انها مختلطة او متاخمة لبعضها، سواء هنا في مدن وبلدات وقرى حدود كردستان أو غيرها في بقية العراق وسوريا؟
     حقا أنها كارثة اكبر من كارثة احتلال داعش لتلك المدن والقرى التي تتميز معظمها بالمحافظة والعشائرية وبعلاقات الصداقة والأخوة التي انهارت فجأة تحت تأثير الإيديولوجية الدينية المنحرفة، التي مارستها داعش ومن والاها في كل من سنجار مع الكورد الايزيديين والشيعة وفي سهل نينوى أيضا مع الكورد الشيعة والايزيديين ومع المسيحيين.
     لقد تسببت تلك الجرائم في تنمية روح الانتقام لدى كل المكونات الدينية الايزيدية والمسيحية والشيعة بسبب التعرض للشرف الشخصي للأسرة في المنطقة من خلال خطف النساء واغتصابهن تحت ذرائع دينية منحرفة، مما سيؤدي لا سامح الله لو لم يلتفت العقلاء الى تدارك الأمور قبل وقوعها فان مذابح أخرى ستحصل ربما ستكون اكبر بكثير مما حصل.
     لقد نبهتُ إلى ذلك في الملتقى الذي أقامه مركز الدراسات الإستراتيجية العراقي في بيروت مطلع هذا العام 2015م، وشرحت مخاطر المستقبل وكوارثة ما لم نضع في حسباننا ان ما فعلته داعش سيدفع ثمنه اخرين ربما لا علاقة لهم بالاحداث بسبب الشد القبلي والعادات والتقاليد المعروفة في هذه المناطق، وعليه اضع اليوم مجموعة مقترحات واليات ربما تنأى المنطقة عن كوارث لاحقة:
1- تشكيل هيئة دولية من الانتربول ومنظمات حقوق الانسان والمرأة والرموز العشائرية والدينية في معظم الدول التي تم اختطاف الاف النساء اليها وتزويجهم قسرا والعمل على اعادتهم.
2- تبني مشروع اممي يضع اقليم كوردستان برمته تحت الحماية الدولية كونه ملاذا امنا لكل المكونات العرقية والدينية والمذهبية، خاصة وقد نجحت حكومة الاقليم بادارة معسكرات النازحين الذين تجاوزت اعدادهم المليونين وكانت محط اعجاب الامم المتحدة والاتحاد الاوربي والولايات المتحدة والفاتيكان وكل من زار الاقليم خلال هذه الفترة.
3- إن إصدار قرار من مجلس الأمن يعتبر فيها ما جرى لهذه المكونات الدينية والمذهبية والعرقية ابادة جماعية سيعزز الثقة بالامم المتحدة ويمنح هذه المكونات املا بالعيش بامان وسلام.
4- اعتبار هذه المناطق منكوبة تماما والعمل من اجل مشروع دولي تساهم فيه كل الدول الغنية من اجل إعادة الحياة لهذه المناطق على غرار مشروع ماريشال الذي أعاد بناء المانيا وغيرها، وتعويض الأهالي عما خسروه نتيجة احتلال داعش لمدنهم وقراهم ربما سيساهم في تعويضهم وعلاج جروحهم ومأساتهم.

السبت، 28 مارس، 2015

قصص قصيرة جدا 89/ يوسف فضل

كسر الدائرة
نتأت الفكرة المتأزمة كتله حمراء في الصحراء. لم يدر ما يفعل بها. ماجت معه كلما مالت مركبته في الانعطاف. لا خيارات لديه . فلم ينظر في المرآة الخلفية. الماضي أمامه يرى من خلاله مستقبله . آلى الإضمار للقاري ليكتب القفله عن متلازمة الأمل والخيبة.

بداية عاجزة
جلس على كرسيه أمام كتل اللحم التعيسة . الفساد يحميهم . وضع رأسه بين يديه مفكرا في التاريخ الآسن الذي يحرك ذاته.
-      ماذا يقلقك؟
-      أريد حلا سحريا لإتمام المصالحة الوطنية .
-      شكل وفد رسمي كبير للتعازي يضم كافة أطياف المجتمع .

وطأة الهاجس
من الفجر يذهب ويفترش مقعده في المقبرة. يستدفأ بحرارة الشمس. لكن حرارة القتلى  أقوى احتجاجا . ينتظر دوره في نقل عرى لحمه لتغذية القادم الجديد من أديم الأرض.

"يرد إلى أرذل العمر"
أحسن في تنشئته وتربيته رجلا في طاعة الله . كان  ابنه خير مربي له في طفولة شيخوخته.

هُدوء اللّيل
لبس منامته . صدحت أصوات يومه المزعجة في أذنيه. تمدد على السرير .قرأ.  حَسَلَ بضغينته.

لفافة قماش
كثرة المال شوهت إدراكه البشري .قالوا عنه انه مهووس بأدق التفاصيل ناشدا المثالية . وقالوا انه يمارس لعبة تبرير الغباء . لم ينته بعد وهو يعدل ويضيف في بناء بيته دون أن ينتبه إلى هدر الوقت.فجأة تحسروا عليه أن دعوه بالفقيد .

علامة فارقة
انتهت الحرب الكونية بين الرجل والمرأة. كل حمل انتصاره اللذيذ معه. التقيا تحت سقف واحد. مارسا الإثارة والملل مرة أخرى. جاءت ذريتهما تسلي نفسها بدروس من الحماقات المبررة.

الجمعة، 27 مارس، 2015

حلمٌ معقوف العطرِ/ كريم عبدالله

 تلمّستُ طيفكِ العذبَ يغمرُ أطلالَ شفاهي .../ أتنسّمكِ ( جعفريّاً )* يتخلخلُ أغطيتي الملطّخةِ بــ الذكرياتِ ..../ بعدَ هذا الليل تفكّهينهُ وحدكِ مدّاً يغسلُ ثيابي الفاقعة ....../ و بــ خمرةِ العيونِ الغجريّةِ تعتّقينَ صبابةً لجوجةً ..............
.../ وتسرّبي في سرابي فراتاً يغدقُ مشيمةَ هذا الأنتظار .../ كــ شلاّل ضوءٍ ثملٍ  يتغلغلُ في مواسمي المرتبكةِ ..../ وطيّبي العيونَ القاحلةِ بــ هباتكِ المنتظرةِ بعدِ إستغاثاتٍ هرمة
ســ يبقى طيفكِ يضاجعُ أحلامَ ليلي يُشتّتُ مخاوفي .../ يُهاتفُ بردَ الكلماتِ ويُرضعُ أجزائي مغفرةً ......../ يُدهنُ صباحاتي المجعّدةِ فــ تنبضُ عرائشي المخرّمةِ لاهجةً ............................:
مرحى وأنتِ تعجنينَ الصبرَ بــ كحلِ مفاتنكِ ..../ وتغرسينُ في قفصِ الصدرِ شتلاتكِ تعطّرينَ الشغافَ ..../ فــ تعودُ السنونوات تفصلُ  أحلامها عنْ أضغاثي ............................/
تطبعينَ على أبوابي المحنّطةِ رفيفَ أجنحتكِ ........: آآآآآآآآآآآآهٍ يا لذّةَ ظلّكِ !...............................
ورّثتكِ أرغفةً مبتلّةً بــ رائحةِ جوعٍ ينهشني .../ فــ أغرفي بــ دلائكِ ما تبقى مِنْ تلعثم آباري المتطيرة ..../ وتخطّي أعالي الحزنِ الشاحبَ وتخطّي المخاوفَ ..............: تنشدين .....
تعالّي وتكدّسي في قصائدي المتخمةِ بــ أنفاسكِ ....
........../ كفيفةً كانتْ أجنحتي متصلبةً تجهلُ الأتجاهات ..../  يومَ تركتِ مجراتي تسقطُ يهشّمها الطَلْق ....../ ومهدومةً حدقاتِ الصباحِ تجترُّ رحيقَ إنتشائكِ ..........: وأنهاري يغمرها الفَقْدَ فــ تنمو فيها جثةَ الناسك

الجعفريّ : نوع من الأزهار الموسميّة تمتلك عطرا زاكيا .



بغداد ــ العراق

الخميس، 26 مارس، 2015

عَـنْ بَـذاخـَةِ إزْهِـرَار الصَّـوْلـَة الشِّعْـريَّة ومَـنـَاسِـكِ هَـطـْـلـَةِ القـَصِـيـد الرَّسُـول فِي دَهْـشَـة كـَوْن الشَّاعِـرَة التـُّونـسـيَّة رَجَـاء مُحَـمَّـد زَرُّوقِـي / مـحـيـي الـديـن الشـارني


كـتـَابَاتٌ عَـجْـلـَى عَـنْ شَاعِـرَة
تـَفـْتـَتِحُ بَـيَاضَ اللـُّغـَة ... فـَجْأة ...

*   *   *

ويَـنـْـسَــــلُ حُـبـِّـــــــي / قـَصِـيـدَة للشَّاعِـرَة التـُّونـسـيَّة
رَجَـاء مُحَـمَّـد زَرُّوقِـي ـ


حِـينَ أذكـُرُكَ :
تـَشْـتـَهي الرِّيحُ
التـَّـمَـشـِّي بجَـسَـدِي
وإشْـعَالَ.. دَمي ..
يَـشْـتـَهي المَـسَاءُ خَـلـْعَ ظـلــِّي
حَـتى يَـدْخـُـلـُـنِي اللـَّـيْـلُ
فـَـيُـسْـكـِـتُ فِيَّ
الصَّـحْـوَ والنـَّـهَارْ..
أشْـتـَهي أنْ  أنـَامَ بصَـدْركَ
حَـدَّ الإنـْـصِـهَارْ ..


حِـينَ أ ُنـَادِيكَ :
أتـَكـَلـَّمُ بالصَّـمْـتْ ..
أ ُعَـرْبـدُ بالصَّـمْـتْ ..
حَـتى أفـْـتـَـقِـد صَـوتِي ..
وأ ُرْسِـلـنِي .. إلـَيْـكَ..
فـَـتـَمْـنـَحُـنِي مَـفـَاتِـيحَ لـُغـَـتِي
ونـَحْـتـَـفِـلُ مَـعًا بـتـَـنـَاسُـل الكـَلام
بـمَـديـنـَة نـَامَ .. بـهَا الجَـمِـيـعْ ..
نـَامَ الرَّصِـيـفُ .. ونِـمْـنـَا ..
ومَا نـَامَ الحَـريـقْ ..


حِـينَ يَجيءُ اللـَّيْـل :
تـُـثـْـقِـلـُـنِي أشْـيَائِي .. الحُـبْـلـَى ..
يُـثـْـقِـلـُـنِي سَـلـْـسَـبـيـلُ الحُـلـْم ..
والطـِّـفـْـلُ المَخـْـمُـورُ بـسُـكـْـر
الوسَادَة ..
يَـرقــُبُ المَخـَاضْ
فـَصَـيْـحَـة ... الولادَة ..


حِـينَ ألـْـقـَاكَ :
أغـْـفـُو عِـنـْـدَ صَـلاتـنـَا
وتـَرتِـيـلـنـَا لأغـْـنِـيَّاتٍ تـَـقـْـتـُـلـُـنـَا
القـَـتـْـلَ الجَـمِـيـل ..
فـَـيَحْـضُـنـُـنـَا المَـوْتُ اللـَّـذِيـذ بالتـَّـقـْـبـيـل
ونـَـنـْـسَى أنَّ عُـمـرَ الحُـبِّ وإنْ
طـَالَ .. قـَـلِـيــــــــلْ ..


حِـينَ أ ُحِـبُّـكَ :
أتـَجَـرَّدُ مِـنــِّي ..
أخـْـلـَعُـنِي مِـنْ إسْـمِي
مِـنْ هَـويَّـتِي
أخـْـلـَعُـنِي حَـدَّ العَـرَاء
لِـكـَيّْ أ ُحِـبُّـكَ ..
 لِـوَحْـدِكَ ..
دُونَ أشْـيَائِي ..دُونَ .. أنـَا .. 
... / ...  
هَـذهِ قـَصـيـدَة مِـن التـِّسْـعِـينات ذاتَ مَـبْـسَـم طـُـفـُولـَة حَالِـمَة / وذاتَ سَـريـرَة بطـُـقـُوس مَـنـَاخـَات قـَصْـدَل دَيْـمُـومَة الحَـرف عَالِـمَة /
( صحـيفة الصَّـدى التـُّونـسـيَّة ـ 11 / 05 / 1991 )


***

" وَيَـنـْسَـلُ حُـبِّي "
أوْ
مَا يُـمْـكِـنُ تـَسْـمِـيَّـتـهُ بـ ...
" صَـلاةِ المَـحْـو الـتي لا تـَجـيءُ " ...

***

 ( إلـَيْـهَا ... )  


* حِـينَ أذكـُرُكَ ...
( مَـعَاطِـفٌ مِـنْ زَعْـفـَـرَانْ ) :
( تـَشْـتـَهي الـرِّيحُ
الـتـَّـمَـشـِّي بـجَـسَـدِي ..
وإشْـعَالَ .. دَمِي ..
يَـشْـتـَهي المَـسَاءُ خـَلـْعَ ظـلـِّي ..
حَـتى يَـدْخـُـلـُـنِي اللـِّيْـلُ
فـَـيُـسْـكِـتُ فِـيَّ
الصَّـحْـوَ والنـَّهَارْ ..
أشْـتـَهي أنْ أنـَامْ ... ) *( 1 )
* * * كـَيّ أنـَامْ ...
لـَوْ تـَلـْـبَـسُ مِـعْـطـَـفـَـكَ الآنَ ..
لـَوْ تـَـقــُـدُّ تـُرَابَ نـَجْـمِـكَ
حَـقـيـبَـة غـَنـَج لِـحُـلـْـم " أولـيـس " ...
آهِ ...
لـَوْ تـَسْـمَـح لِلـْحُـزْن بالـتــَّـمَـشـِّي
خـَارجَ زَهْـرَة الـرُّوح ..
آهِ .. لـَوْ تـُـضِـيـفِـي ( مَـلاكـًا )
لِـفـَوْضَى الفـُـؤادِ ..!!!
* حِـينَ أ ُنـَاديـكَ ..
( أوْ مُـحَاولـَة لِـسَـلـْـبِ " بـرومـيـثـيـوس "
مَـفـَاتِـيحَ القِـيَادة .. )
( أتـَكـَلـَّمُ بالصَّـمْـتْ ..!!
أ ُعَـرْبـدُ بالصَّـمْـتْ ..!!
حَـتى أفـْـتـَـقِـد صَـوتي ..
وأ ُرْسِـلـنِي .. إلـَيْـكَ !!  
فـَـتـَمْـنـَحُـني مَـفـَاتِـيحَ لـُغـَـتِي ..
ونـَحْـتـَـفِـلُ مَـعًا بـتـَـنـَاسُـل الكـَلامْ ..
بـمَـديــنـَة نـَامَ .. بـهَا الجَـمـيـعْ ..
نـَامَ الـرَّصِـيـفُ .. ونِـمْـنـَا ..
ومَا نـَامَ الحَـريـقْ .. ) *( 2 )
* * * مَـسَاءاتٌ لِلـْـفـَـضَاء
البَـعِـيـدِ ..
مَـسَاءاتٌ لِلنــَّخـْـلـَة المُـتـَوَاضِـعَـةِ /
أسَـفـًا ..
آهِ .. يَا أسَـفـًا ..
هُـوَ البَـحْـرُ يَـصْـمُـتُ
والـرَّجُـلُ والمَـكـَانْ ..
هُـوَ البَـحْـرُ طـَائـر " حَـوْم "
خـُطـُوَاتـهُ بُـرتـُـقـَالٌ ..
ونـَـشِـيـدهُ صَاحـبٌ
" لِلـْـبَـيْـضَاءْ " ..
( هُـوَ البَـحْـرُ يُـحَاولُ إيـقـَافَ
الطـِّـفـْـلـَة عَـن التــَّـمَـشـِّي
تـَحْـتَ عَـبَّـاد الشَّـمْـسْ ..!! )
* حِـينَ يَجـيءُ اللـَّيْـلْ ..
( طـَـرَدِيَّـة شَاعِـرَة .. )
( .. تـُـثـْـقِـلـُـنِي أشْـيَائِي .. الحُـبْـلـَى ..
يُـثـْـقِـلـُـنِي سَـلـْـسَـبـيـلُ الحُـلـْم !!
والطـِّـفـْـلُ المَخـْـمُـور بـسُـكـْـر
الوسَادَة !!
يَـرقــُبُ المَخـَاضْ .. ) *( 3 )
........................!!
* * * شُـقــُوقٌ أعْـلـَى
الكـَـلِـمَاتْ ..
شُـقــُوقٌ تـُخَـلـِّـصُ الوَرْدَة مِـنْ
طـَوقِـهَا .. ومِـنْ خَـزَفِ مَـنْ
تـُحِـبْ ..
مَاذا لـَوْ كـَانَ الضَّـوْءُ الفـَـسِـيـحُ
لِـسَانـًا لِلـْـوَقـْـتِ ..
وبَـرْزَخـًا لِـشَـرَابِ الأغـْـنِـيَّاتْ ..
مَاذا ..
( مَاذا لـَوْ كـَانَ سِـجْـنُ العُـمْـر
شَـفـَـقـًا فِي أكـُـفِّ الآخَـريـنَ .. )
تـَذكـَّرْتُ ..
حِـيـنَ نِـمْـتُ .. تـَذكـَّرْتُ ..
آهِ .. حِـيـنَ نِـمْـتُ ..
تـَذكـَّرْتُ .. حِـيـنَ نِـمْـتُ ..
نـَسِـيـتُ بَابَ قـَـلـْـبي مَـفـْـتـُوحًا ..
نـَسِـيـتُ المَاءَ عَـلـَى طـَرَفِ السَّـريـر ..
( وثـَمَّـة أشْـيَاءٌ تـُعَـنـْونُ الـرَّمْـلَ
بإسْـتِـغـْـفـَار إلهِ المَـكـَانْ ... )
ثـَمَّـة أشْـيَاءٌ تـُمَـشِّـط شَـعْـرَ
وزْرهَا لِـسَـيِّـدةِ القـَنـْص الوَاقِـفـَة
قـُدَّامَ مَـرَج القـَـلـْـبِ ..
* ... حِـينَ ألـْـقـَاكَ ...
( عَـنـْـدَلاتٌ أصْـلـُهَا قِـيـعَانٌ جَـمـيـلـَة .. )
( أغـْـفـُو عِـنـْـدَ صَـلاتِـنـَا ..
وتـَرتـيـلـنـَا : لأغـْـنِـيَّاتٍ تـَـقـْـتـُـلـُـنـَا
القـَـتـْـلَ الجَـمـيـل ..
فـَـيَـحْـضُـنـُـنـَا المَـوْتُ اللـَّـذيـذ
بالتــَّـقـْـبـيـل ..
ونـَـنـْـسَى أنْ عُـمـرَ الحُـبِّ إنْ
طـَالَ ... ) *( 4 )
* * * ... يَـطـُولُ ...
لِـفِـضَّـةِ المَـوْتِ الـتي لا
تـَشْـتـَـهـيـنِي ..
لِـعُـنـُـق الأرْض الـتي تـَخـْـتـَـصِـرُ
بَـوْحَـهَا ونـَجْـمَـهَا
وتـُـلـَـمِّـعُ بَاقِي الأيـَّام القـَـديـمَـة ..
لِـحَـبَـق المُـشَاهَـدَاتِ المُـتـَـبَـقِـيَّـة ..
أسْـئِـلـَة عَـجْـلـَى .. تـُـشْـبـهُ بـسَاط
البَـحْـثِ
عَـنْ قـَـصِـيـدةٍ تـَأتي مِـنْ أقـْـصَى
القـَـلـْـبِ ..
... قـَـصِـيـدة تـَأتي بـحَـجْـم القـَـطـَا
النــَّافِـذ لِـحـنـْـطـَة الـرُّوح ..
( ... قـَـصِـيـدة ...
تـَكـُونُ بـحَـجْـم القـَـصِـيـدة ْ... )

***

هُـوَ الشِّـعْـرُ صَـديـقِي ... والكـَـلِـمَاتُ تـُـسِـرُّ إلـَيَّ
بـبَـعْـض الفـَـسِـيـح مِـنْ تـُـرَابِ العَـذابِ ..
... هِيَّ الكـَـلِـمَاتُ تـُحَـدِّثــُـنِي عَـنْ أصْـدِقـَاء المَـلاك
وتـَعُـدُّ أصَابـعَ .. الحُـزْن فِي قـَـصَائِـدكِ ..
وفِي كـَـفــِّي ..
لا فـَاصِـلَ بَـيْـنَ المَاء والمَاء ..
لا فـَاصِـلَ بَـيْـنَ هِـجْـرةٍ لِلـْجَـنـُوبِ .. وَ .. هِـجْـرةٍ
لِلـْجَـنـُوبِ ...
إنـَّهَا مُـشَاهَـداتٌ حَـمِـيـمِـيَّـة المُـفـَاضـلـَة ..
إنـَّهَا مُـشَاهَـدَاتٌ تـُحَاولُ إقـْـتِـنـَاصَ الهَـوَاءَ الـذي
يُطـَاردُ العَـصَافِـيـرَ المُـسَـيَّـجَة بالعِـشْـق ..
إنـَّهَا مُـشَاهَـدَاتٌ لِـكـَـسَّار الحَـصَى
أوْ لأهْـزُوجَة " الأبْـنـُوس " الجَالِـسَـة عَـلـَى نـَوَافِـذِ
الشُّــبَّاكْ ..
إنـَّهَا مُـشَاهَـدَاتٌ حَـمِـيـمِـيَّـة المُـفـَاضَـلـَة ..
.... والشَّاعِـرَة فِـيـكِ نـَرْجَـسَـة تـُسَاوي الأرْضَ كـُـلـّهَا ..
تـُسَاوي مَا فـَاضَ مِـنَ القـَـلـْـبِ ... وَمَا هَالَ مَـمْـشَى
العَابـريـنَ ..
الشَّاعِـرَة فِـيـكِ تـُسَاوي أسْـفـَارَ الإنـْعِـتـَاق .. لِـرحْـلـَةِ
العُـمُـر اللـَّـذيـذِ ..
كـُـلُّ اللـُّغـَاتِ مَـوْجُـودَة بإسْـتِـثـْـنـَاء طـَوْطـَمِـيَّـة الذهَابِ
إلـَى ذاكِـرَةِ الوَقـْـتِ ..
كـُـلُّ اللـُّغـَاتِ مَـوْجُودَة بإسْـتِـثـْـنـَاء طـَوْطـَمِـيَّـة الذهَابِ
إلـَى وَبَـر الشـَّطـْح ..
... كـُـلُّ اللـُّـغـَاتِ إمْـرَأة بحَـجْـم طـُـقــُوس الهَـجْـس ..
كـُـلُّ اللـُّـغـَاتِ إمْـرَأة بحَـجْـم طـُـقــُوس المَـرَايَا .. عَـلـَى
المَـرَايَا ...
كـُـلُّ اللـُّـغـَاتِ تـَرْمِي أحْـجَارًا فِي بـئـْـر .. المَـسَاءَاتِ
الحَـزيـنـَة .. وتـُسَـلـِّـمُ ..
رَجَاءُ ..
إنَّ الشَّاعِـرَة فِـيـكِ تـُشْـبـهُ الحَـسْـنـَاء ذاتَ الكـَمَان .. 
فـَهيَ لا تـَكـْـتـُبُ .. بَـلْ تـَرْسُـمُ ..
وَهيَ لا تـَضْـحَـكُ .. بَـلْ تـُضيءُ ...
رَجَاءُ ..
إنَّ الشَّاعِـرَة فِـيـكِ أيْـقــُونـَة .. بَـيْـلـَسَانـَة لِـمَـرَايَا
الحُـلـْم المُـتـَوَّج بألـَق التـَّوَاصُـل ..
إنَّ الشَّاعِـرَة فِـيـكِ تـُشْـبـهُ الحَـسْـنـَاء ذاتَ الكـَمَان ..
والقـَصِـيـدَة فِـيـكِ تـَبْـحَـثُ عَـمَّـنْ يُـسَـلـِّـمـنـَا أسْـرَارَهُ
ويَـفـْـتـَحُ لـَنـَا قـُـبَّـة النـَّرْجـيـلـَة الـتي تـَحْـلـُمُ دَائِـمًا
بـصُـبَّار الفِـرْدَوْس الجَالِـس عَـلـَى أغْـصَان
الأمْـطـَار المُـوَرَّدَة بالأمْـنِـيَّاتِ ..
رَجَاءُ ...
وَقـْـتٌ لإزْرقـَاق الوَقـْـتِ ..
وَقـْـتٌ لِلـْمَاء الـذي يَهْـبـط مِـنْ طـَرَفِ السَّـريـر ..
ويَـضْـحَـكُ .. وقـَدَاسَة لِغـَريـبِ التـَّأمُّـلاتِ المَائِـيَّة ...
( قـَدَاسَة لأرْكـيُولـُوجـيا الذاتْ .. )
قـَدَاسَة عَـلـَى وَشَـكِ إسْـتِـيلام الصَّـبَاحَات الفـَريـدة ..
قـَدَاسَة عَـلـَى وَشَـكِ الهُـبُـوطِ إلـَى نـَخْـلـَةِ العُـمْـر ..
أوْ إلـَى سَـفـَرْجَـلـَةِ المَكـَانْ ..
هَكـَذا تـَبْـقـَى الشَّاعِـرَة فِـيـكِ دَوْمًا مُعْـجـزَة
الأسْـئِـلـَة المُـتـَبَـقِـيَّة
أوْ مُعْـجـزَة الأسْـئِـلـَة السَّائِـرَة نـَحْـوَ المُغـَايَـرَة ..
حَـتى يَكـْـتـَمِـلَ قـُرُنـْـفـُـلُ
القـَصِـيـدَة .. ( القـَـسْـطـَرَة .. ) ..
أوْ هَكـَذا تـَعْـتـَذرُ الشَّاعِـرَة فِـيـكِ عَـنْ غِـيَابِ
مَا هُـوَ آتْ
دَلائِـلٌ لأزْهَار تـَكـُونُ جـسْـرًا
بَـيْـنَ ذرَّاتِ القـَـلـْـبِ اللاَّمُـتـَـنـَاهِـيَّـة ..!!!
                                     ... / ... 
........................................................................


*** هامش ودليـل :

*( 1 ) ، ( 2 ) ، ( 3 ) و ( 4 ) ، مَـقـَاطِـع مِـنْ قـَصـيـدة " ويَـنـْـسَـلُ حُـبِّـي " للشَّاعِـرة التـُّونـسـيَّة " رَجَـاء مُحَـمَّـد زَرُّوقِـي " . 
( صحـيفة الصَّـدى التـُّونـسـيَّة ـ 24 / 09 / 1991 )

أحلام سرمدية/ يسرية سلامة

    وقف "الهرم العظيم" راسخ ثابت في وجه الرياح على مر السنين، ومر عليه عام مظلم كئيب طاعن في التخلف والتعنت سمته التعذيب، لصعوده من قبل "جماعة الحرابي" المتلونة التي تصلي الصبح في الشروق وتتنصر مع الغروب، مارست الحرابي الأعاجيب نزعت وجهها الخارجي فظهرت الأقذار والشوائب المتراكمة التي تكدست عبر السنون، ضجت الطيور المختلفة _التي تسكن "الهرم العظيم" ويسكن هو روحها_من حرابي الجحور، فجاءت صقور ذهبية سبكتها تجارب السنين لتنقذ أهلها الطيورالطيبين_هذه الصقور النبيلة  ليس لها جفون دائمًا تسكن الأعالي ولا تهاجم الفريسة إلا وهي طائرة لتعطيها فرصة للنجاة.
فقالت تلك الصقور الذهبية : يا معشر الحرابي " إن أمورنا وأمور تلك الطيور النقية التي تعشق "الهرم العظيم"  معكم لا تستقيم، أنتم شربتم من ماء الحياة تشبثًا بها لتحافظون على أرواحكم فقط دونما باقي الطيور، أما نحن فسنظل نبذل روحنا وننثر الحب على أهلنا في كل العصور، فلا نستطيع الحياة بلا أحبة فنحن صقور منهم  وهم منا طيور لكن حولتنا تجارب الدهر إلى ذهب وأحيانًا أسود.
تفرقت الحرابي خوفًا وذعرًا وأقسمت على إفكها بالطلاق وأخرجت ما في جعبتها من بنادق ومفرقعات، وغيرت جلدها عدة مرات ومرات، ثم رجعت جحورها لكن مع اللعنات، وفي بؤونة رقصت الطيور وفوضت كبير الصقور واختارته لها رئيسًا في كل الأمور، ولعبقرية جغرافيا وطن الطيور وإطلاله على أهم البحور، طرح كبير الصقور مشروع عظيم لقناة ملاحية بعد عام سيرى النور، ابتهجت الطيور وطارت في أسرابها بمدخرات السنين ووضعتها في خزانة المشروع وبنت في أحلامها القصور وادخرت لأفراخها الصغار آمال سرمدية على مر العصور.


           

الثلاثاء، 24 مارس، 2015

ثقافة الشباب العربي/ عبد القادر كعبان

لا يزال شباب المجتمع العربي بعيدا عن المعنى الروحي للإسلام وهذا ما نلمسه من خلال البرامج التلفزيونية المشجعة لهذه الشريحة للتشبه بالغرب كآراب آيدول و إكس فاكتور و نجم الشعب و غيرها التي تخلو من روح دين سيد الخلق صلى الله عليه و سلم  و هذا يدفعنا لنذكر مثالا عن الإمام الشافعي الذي كان يجلس في الجامع و يلتف حوله تلامذته، كلهم يسألون و كان يجيب، إلا واحدا ظل صامتا طول الوقت، و في كل مرة يحاول الإمام الشافعي أن يريح رجله التي اتكأ عليها فيتحرج من هذا الرجل الوقور الذي ينظر إليه و لا يسأل. و أخيرا تكلم الرجل الوقور و كان كلامه سخيفا، فقال الشافعي: لقد آن للشافعي أن يمد رجله! 
و العبرة من هذا المثال هو سخافة ما يشاهده شبابنا اليوم و الذي ينعكس على ثقافتهم السطحية الساذجة من خلال أقوالهم و أفعالهم، و المثقف الحق هو من يملك رؤية نقدية و إصلاحية خاصة ووعيا خاصا بمجتمعه و العالم من حوله كإمامنا الشافعي رحمه الله. 
صارت القنوات الفضائية تروج للموضة و المكياج و الأحذية و السيارات بتكنيك بارع و أخاذ و تناست الترويج للأخلاقيات التي رسم ملامحها سيدنا و شفيعنا محمد صلى الله عليه و سلم بل و جعلت أصوات بعض الدعاة تغرق آذان المستمعين في ضجيج إعلامي مبني على خلفية سياسية بعيدة كل البعد عن الرسالة المحمدية لقوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ظل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين (125)" (النحل).
إن نوعية ثقافة الشباب العربي هي مفتاح التغيير في شتى المجالات مما ينعكس على سلوكيات المجتمع و اختياراته و مساراته دون استبعاد احتكاكه بالغرب حسب نظام إسلامي بحت حتى لا يقع في فخاخ التقهقر و الغفلة و الأفكار الفاسدة و المنحرفة. 
تساهم عملية التبادل الثقافي في اكتشاف ما نحن بحاجة إليه للإبقاء على بريق ثقافتنا الإسلامية و جاذبيتها و هذا ما سيدفع بطرح تلك العادات و السلوكيات التي لم تعد تتفق مع نسقها العام و بنيتها العميقة، و هذا لا يستبعد أهمية إكتسابها لمفاهيم جديدة تواكب التطور العلمي و الحضاري.
للأسف الشديد ثقافتنا اليوم تمر بحالة مرضية طارئة لما يشهده الوطن العربي من أزمات كجسد عليل انخفضت مناعته خصوصا أن فئة الشباب تعاني من ريح موجة غربية ساندتها للأسف الشديد بعض البرامج العربية للترويج لثقافة الوهم و الفن الذي يفنى مهما طال الزمن على خلاف العلم الذي يظل وجوده فوق المعمورة لينتفع به الناس إلى أن يرث الله الأرض و من عليها لقوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات (11)"  (المجادلة).
هناك من شبابنا العربي من سافر لطلب العلم في الدول الغربية لكنه لم يستطع بسهولة الحفاظ على روح ثقافته الإسلامية بل هناك من وجد صعوبة في نقل أفكاره الأصلية و تأثر بسهولة بسلوكات الغربيين و كأنه ركب سيارة من طراز فاخر و لم يستطع استخدام حزام الأمان ليتفادى موجة الأخطار الموجودة عندهم لقول الله تعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة و يرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9)" (الزمر).
* كاتب من الجزائر.

الأحد، 22 مارس، 2015

عربي عواد ملفحٌ بالبرد والصقيع مات/ د. مصطفى يوسف اللداوي

قد يستغرب البعض مني أن أكتب رثاءً في شيوعيٍ قديم، حمل الماركسية وآمن بها، واعتقد بالشيوعية وعمل في ظلها، ونادى بأفكارها وبشر بها، وبقي رافعاً رايتها وحاملاً لواءها وقد تخلى عنها آباؤها وروادها، وأصحابها الأولون ومنظروها الأصليون، وأنا الإسلامي الفكر والمنهج، والإيمان والعقيدة، الرافض للشيوعية، والمحارب للماركسية، والمنكر لمبادئها، والمعارض لأفكارها، ومع ذلك أجد نفسي راضياً وأنا أكتب عنه، ولا أشعر بالضيق وأنا أرثيه للقراء العرب، ولا يخالجني شكٌ في أن له علينا حقاً يجب الوفاء به، وعنده من المواقف ما تجعلنا نذكره بعد مماته، ونحفظها له بعد رحيله، ونذكَّر بها غيره، رغم أنني أعلم أن البعض لن يروق لهم ذلك، ولن يعجبهم ما أقول، وسيرون فيما أكتب نشوزاً غريباً، وكلاماً غير مستساغ، وموقفاً لا يحمد عليه كاتبه، ولا يشكر بسببه قائله، وقد الامُ عليه وأُنتقد.
لكن عربي عواد الفلسطيني المناضل، المتمسك بالحقوق، والمحافظ على الثوابت، والذي بقي حتى آخر أيامه يحلم بالقدس ويتمنى العودة إليها، ويفكر في فلسطين التاريخية ويتمسك بها، ويدعو إلى الوحدة ويعمل من أجلها، وينادي بالمقاومة والحفاظ على نهجها وإن قصر باعه، وضعف ذراعه وضاقت به السبل، وتآمرت عليه الأمم، إلا أنه كان يرى في المقاومين عوضاً، وفي المجاهدين بدلاً، وفي الأجيال الطالعة أملاً، يمدحهم ويشيد بهم، ويشجعهم ويدافع عنهم، ويتمسك بحقهم ويصر على ضرورة استمرارهم، ووجوب نصرتهم والوقوف معهم، ليستحق منا هذا الرجل وبهذه المواقف أن نذكره ونشيد به، وأن ندعو الله له بالرحمة والمغفرة، وأن يقبل منه توبته وأوبته، وأن يغفر له ذنبه وحوبته.
عربي عواد، لا ننكر شيوعيته، ولا ندافع عن أفكاره، ولا نقبل بمعتقداته، ولكنه مات ولا نعلم ما بينه وبين الله عز وجل غير أنه زار بيته الحرام معتمراً، وسعى بين الصفا والمروة متعبداً، ولبس إزار الإحرام معتقداً، وزار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم متشوقاً، ووقف إلى جواره وبالقرب منه، وطرح عليه السلام والتحية، وعاد من الحج يستقبل الزوار والمهنئين، يقولون له، حجٌ مبرورٌ، وسعيٌ مشكور، وذنبٌ مغفور، فلا نملك إلا أن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها منه توبةً مقبولة، وعودةً صادقة، فيغفر له ويرحمه، وما ذلك على الله بعزيز، فهو غفارٌ لكل ذنب، وقابلٌ لكل توبة.
لأبي الفهد الحق في أن نكتب عنه وهو والد شهيدٍ، كغيره من أبناء الشعب الفلسطيني الذين قدموا فلذات أكبادهم، وضحوا بزهرات عمرهم، ولم يبخلوا على وطنهم بأغلى ما يملكون، وأنفس ما يقتنون، وأعز ما كان عندهم من ولدٍ، فقد قدم عربي عواد ابنه البكر فهد الذي به يكنى، فكان والداً لشهيدٍ سبق، قدم وضحى ولقي الله شهيداً دفاعاً عن شعبه، وإيماناً بحقوق أهله، واصراراً على استعادتها والعودة إليها، فرفع به والده رأسه، وصبر على وجعه، واحتسبه شهيداً به يفخر ويباهي، ويقول للآخرين أنني عليكم مقدم، فأنا والد الشهيد المقدم، فإكراماً للشهداء نذكر والد الشهيد، وحفظاً لقدرهم نشيد بوالده، فما الشهيد إلا شافعٌ لأهله، وسابقٌ لهم إلى جنان الخلد، ينتظرهم ويأخذ بأيديهم.
يحق لأبي الفهد الأسير الفلسطيني الذي قضى في السجون الإسرائيلية اثنا عشر عاماً من عمره، أن نكتب عنه وفاءً للأسرى، وتقديراً للمعتقلين، وحفظاً لتضحياتهم ومعاناتهم وهو أحدهم، وقد لقي على أيدي سلطات الاحتلال صنوفاً من العذاب شتى، وقد كانت السجون الإسرائيلية قديماً أسوأ بكثيرٍ مما هي عليه الآن، رغم سوئها وقسوتها هذه الأيام، فقد كانت وسائل التعذيب الجسدية وحشية وقاسية، ومفرطة في العنف والأذى، وكان له منها نصيبٌ كبير، كحال اخوانه ورفاقه في السجون الإسرائيلية، الذين عبدوا الطريق بتضحياتهم لآلافٍ جاؤوا من بعدهم، فعاشوا على تضحيات السابقين، واستفادوا الكثير من صمودهم ونضالهم. 
يحق لنا أن نكتب عن المبعد الفلسطيني عن أرض وطنه، وعن المطرود من مدينته، والمرحل على أيدي سلطات الاحتلال بعيداً عن شعبه، فقد أُبعد عربي عواد قسراً عن فلسطين، وانتزع قهراً من أرض وطنه، وقذف به بالقوة رغماً عنه إلى الأردن، ولكنه بقي يتوق إلى الوطن، ويتطلع إليه، ويبذل أقصى ما يستطيع لأن يعود إليه هو وبنوه، فلا تكون فلسطين إلا وطناً لنا نسكنها وتسكننا، نعيش فوق ترابها، وندفن في ثراها.
عربي عواد المسكون بالقدس والمبعد منها، العاشق لها والمتيم بها، وقد عاش فيها سنين من عمره، وتلقى فيها علومه الدراسية، كان يصر على أنها مدينةٌ فلسطينية، واحدةٌ موحدة، عاصمةٌ سياسية، ومدينةٌ دينية، ليس لليهود فيها حق، ولا ينازع الفلسطينيين فيها أحد، تعلق فيها، وتمسك بالعودة إليها، وعانى كثيراً بسبب ما تلاقيه من عنتٍ وضيقٍ على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الذين لا يألون جهداً في تهويدها وجعلها يهودية الهوية، وإسرائيلية الوجه، ولكنه كان يرفض حتى أيامه الأخيرة أن تكون القدس لغير الفلسطينيين وطناً وعاصمةً وأقصى ومسرىً ومدينة، أياً كانت قوة العدو وقدراته، ومهما بلغ العرب في ضعفهم وانكسارهم، فإن فلسطين بقيت في قلبه حرة، والقدس عاشت في ضميره عاصمةً مطهرة.
ليس غريباً أن نكتب عن فلسطينيٍ مناضل، تزينه الأسمال العربية، وتجمله المفاهيم الوطنية، وتسكنه الثوابت العروبية، وريث شيوخ سلفيت، وابن أحد علمائها القدامى، الذين كان لهم فضلٌ في التأسيس، وأساسٌ في البناء، فلا عيب أن نرثيه بأجمل الكلمات وأصدق العبارات، بل إن العيب أن ننساه ونهمله، وأن نتجاوز وفاته ولا نهتم برحيله، فهذا رجلٌ قد كانت لفلسطين في قلبه مكانةٌ، وللوطن في حياته قيمة، وللقدس في قاموسه ألف معنى ومغزى، قد رحل عنا في زمهريرٍ يودع الشتاء برداً، ويغادر العواصف صقيعاً، ويشكو الحاجة فقراً، في وقتٍ تعصف بفلسطين أنواءٌ، وتتهددها صعابٌ ومخاطر، عل الله يرحمه، ويغفر له ويقبله، إنه على ما يشاء قديرٌ، وبالاجابة جديرٌ.

كيف تكتب تعليقك