الخميس، 5 مارس، 2015

مستر بالدوين والوهابية 5/ محمود شباط

الحلقة الخامسة
دبيبُ الليل يمضي بطيئاً كناعورةٍ ناعسةٍ على نهرٍ ضحلِ المياه ناعس الانسياب. المؤرخ والأستاذ الجامعي الدكتور شايع الطويعمي وابناه مشعل وثْـنَـيَّـان والمهندس عبد الرحمن يؤدون صلاة العشاء في خيمة مزرعة الدكتور في واحة يبرين على الطرف الشمالي من الربع الخالي، المستر جون بالدوين يتمشى في محيط الخيمة في عتمةٍ أليفةٍ دافئةٍ تخترقها حزم ضوئية جميلة منبعثة من مصابيح تستمد طاقتها من مولد كهرباء وُضِعَ في مكانٍ بعيد نسبياً لتجنب ضوضائه وضجيجه. 
نفث مستر بالدوين نفساً طويلاً لائماً نفسه نادماً على طرحه سؤالاً اعتبره حساساً، وربما محرجاً لمضيفه حسب اعتقاده، اقشعرَّ بدنُه قلقاً لتطفله باستفسار عن علاقة المملكة بالحركات الاسلامية المتشددة، وموقف المملكة من الإرهاب. تمنى أن يكون الدكتور نسي ذينك السؤالين اللذين طرحما بالدوين قبل صلاة العشاء، وبالدوين نفسه ، لن يذكرهما أو يتطرق إليهما ثانيةً إلا إذا استأنس صفاء مزاج الدكتور حيال ذلك.
هديرُ المولد الكهربائي الضخم يشرخ ملاءة سكون الليل، فرك جون بالدوين يديه ونظر إلى أعلى كمن يستمد العون من شحوب القمر وماسية نجمة المساء. جفل لسماع صوت ثْـنَـيَّـان يناديه للدخول، وما إن جلس الكهل البريطاني مرتبكاً ممتقع المحيَّا جراء مأزقه حتى كان الدكتور قد بدأ الترحيب مجدَّداً بضيفيه وطلب لهما المزيد من القهوة العربية والتمر الحساوي ثم التفت نحو مستر بالدوين واستانف رده حول التشابه في التوجه والعقيدة بين حركة الأخوان الوهابية وحركة الأخوان المسلمين وما تلاها:  
- الفكر الوهابي الأصولي يا عزيزي جون هو النهر والباقي جداول. منه انطلقت حركة الأخوان المسلمين التي أسسها الشيخ حسن البنا في مصر عام 1928، أي قبل هزيمة الإخوان بعام واحد في معركة السبلة، أسامة بن لادن والخليفة البغدادي عضوان سابقان في حركة الأخوان المسلمين، وكذلك عبدالله عزام والعولقي والزرقاوي وغيرهم ممن تركوا حركة الأخوان المسلمين إلى أخواتها وبناتها، أفتوا باجتهادات قيل الكثير عن كونها خارج إطار مفاهيم الإسلام المعتدل ووسطيته وعدالته ورسالة الرحمة والتسامح وعدم الإكراه التي بشر بها، حاولوا وما زالوا فرض معتقداتهم بالقوة والترهيب وإقامة أنفسهم أوصياء على خلق الله ومرشدين لهم غصباً عنهم. 
وللتدليل على بعد نهج المتشددين عن الشريعة السمحاء تلا الدكتور الآية 15 من سورة الإسراء: "مَـنِ اهْـتَـدى فَـإنَّـمَـا يَـهْـتَـدِي لِـنَـفْـسِـهِ وَمَـنْ ضَـلَّ فَـإِنَّـمَـا يَـضِـلُّ عَـلَـيْـهَـا وَلا تَـزِرُ وَازِرَةً وِزْرَ أُخْـرَى وَمَـا كُـنَّـا مُـعَـذَّبِـيْـنَ حَـتَّـى نَـبْـعَـثَ رَسُـولا". ثم ترجمها وأكمل شارحاً رأي أهل العلم:" مَن اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفسٌ مذنبةٌ إثمَ نفسٍ مذنبةٍ أخرى ، ولا يعاقب الله أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب." 
استطرد الدكتور شارحاً رأيه الشخصي من تلك الآية: "طالما أن الخالق القدير وهبنا نعمة العقل الذي به نميز طريق الخير من طريق الشر، ونعلم بأن الخير يوصلنا إلى الجنة والشر يوصلنا إلى النار. فمن يصر على أخذ نفسه إلى النار، إذا كان هذا خياره ؟ دعه يلقَ مصيره وإلى بئس المصير ! وليتحمل هو عواقب قراره . وما بعث الرسول الكريم إلا للهداية. هذا ما فهمته ونقلته لك. ثم أبدى رأيه حيال مكافأة المجتهد: "نُـقِـلَ عن عمرو بن العاص حديثاً أنه سمع الرسول (ص) يقول : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر".
عربة قطار السمر التاريخي تعبر دغلاً موغلاً في القدم إلى دغل أقدم في ذلك الليل الصحراوي المدلهم. الدكتور شايع يروي وسط صمت وإصغاء بالدوين والحضور الآخرين، ولم ينكسر صمت بالدوين إلا حين وصل الدكتور في سرده إلى عبارة "التحية-القنبلة" فتدخَّل بالدوين معقباً مبتسماً في آنٍ لغرابة التسمية :
- "التحية القنبلة ؟!!"
- ردَّ الدكتور : لم أجد لها تسمية أنسب، وقد يضمحل استغرابك بعد ما سوف تسمعه عن تشدد الأخوان الذين يحجمون عن إلقاء التحية على من هو ليس على طريقتهم، كونهم يعتقدون بأنه لا يستحق تحية "السلام عليكم"،ولا يردون عليه كما ينبغي "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
- أنا مصغٍ سيدي وأتوق لسماع تفاصيل أكثر حولها. إن لم يكن لديك مانع.
- رشف الدكتور قهوته وبدأ يروي: بينما كانت قوات حركة الإخوان مستنفرة مقابل قوات الملك عبد العزيز في روضة السبلة، شمال شرق مدينة الزلفي في السعودية، أرسل الأخوان بالشيخ ماجد بن خثيلة كي يتفاوض مع الملك عبد العزيز في محاولة لإيجاد حل يجنب الطرفين سفك الدماء،  وبما أنهم صاروا يعتبرون الملك عبد العزيز ليس منهم، دخل الشيخ ماجد ابن خثيلة خيمة الملك ولم يلق التحية عليه فاشتعل الملك غضباً وقال له : " عد إلى ابن بجاد وقل له بأن لديه خيار من اثنين : إما أن يسلم نفسه ومن معه كي يحاكم حسب الشرع أو فليستعد للقتال صباح غد".    
- "لم أسمع برسول سلام يبخل بالتحية" ، قال بالدوين.
- رد الدكتور: ولا الإسلام يقرُّ ذلك. ثم تلا الآية 86 من سورة النساء بالعربية: "وإِذا حُـيِّـيْـتُـم بِـتَـحِـيِّـةٍ فَـحَـيُّـوا بِـأَحْـسَنَ مِـنْـهَـا أَوْ رُدُّوهَـا إِنَّ اللهَ كَـانَ عَـلَـى كُـلِّ شَـيءٍ حَـسِـيْـبا". ترجمها للمستر بالدوين ثم أخبره بشرح أهل العلم لها: " وإذا سلَّم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم لفظاً وبشاشة، أو ردوا عليه بمثل ما سلَّم، ولكل ثوابه وجزاؤه، إن الله تعالى كان على كل شيء مجازيا".
في محاولة لإبعاد انتباه الدكتور عن السؤال المتعلق بموقف المملكة من الإرهاب علَّه يكون قد نسيه قال بالدوين: "سمعت بأن تشدد الأخوان طاول الموسيقى والغناء" . 
- رد الدكتور بإخبار بالدوين عن حادثة "الموسيقى" التي كادت تشعل حرباً بين مصر والسعودية في عشرينات القرن الماضي بسبب استنكار وتحريم الأخوان للموسيقى قائلاً : "حصل ذلك في ما سمي بحادثة المحمل التي أدت إلى توتر بين البلدين وقطع العلاقات الديبلوماسية بينهما لمدة عشر سنين، يوم اعترض الأخوان على استخدام الأبواق الموسيقية من قبل الفرقة المصرية التي ترافق المحمل السنوي. هَوَسُهُم بتطبيق مذهبهم المتشدد بحرفيته دفعهم لاقتحام خيمة الجنود المصريين فوقع على أثرها إطلاق نار وسقوط قتلى وحدوث إصابات. تولى الأمير فيصل في حينه أمر ملف القضية ولكن جمرها بقي كامناً تحت الرماد".
 أكمل الدكتور: "بما يختص بعلاقة المملكة بحركات الإسلام السياسي ينبغي استنطاق تاريخ الروابط والأحداث بين الأطراف المعنية، بداية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، علينا العودة تاريخياً عدة عقود إلى الخلف كي نرى بداية الشقاق بين الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وحركة الأخوان الوهابية قبل وخلال وبعد معركة السبلة في عام 1929 التي بشرت بنهايتهم كقوة عسكرية فاعلة، ومعرفة أسباب الخلاف والإختلاف بدءاً من اعتراض المتشددين على إستخدام اللاسلكي والهاتف والسيارة ومناهضة التعاون مع "المسيحيين البريطانيين الكفار" واعتراض الأخوان على ترسيم الحدود مع "كـفَّـار" مسلمي العراق والكويت والأردن ما حال دون السماح لهم بالإستمرار بغزو أولئك "الكفَّار".
- سأل بالدوين : وماذا حل بالإخوان بعد معركة السبلة ؟ هل خرجوا من المشهد السياسي والعسكري كلياً؟.
- رد الدكتور: انتهوا كقوة واحدة موحدة منظمة تشكل خطراً على حكم عبد العزيز، ويمكننا القول بأنهم كأفراد وكفكر لم يخرجوا كلياً من كيان الدولة، جرى محاكمة وسجن زعماء الحركة فيصل الدويش وسلطان بن بجاد ونايف بن حثلين (قريب ضيدان بن حثلين الذي قُـتِـلَ قبيل انتهاء الحركة وحلَّ قريبه نايف مكانه في زعامة قبيلة العجمان، ولذلك قصة سوف نرويها لك لاحقاً)، وكذلك كانت حال بضع عشرات كان لهم دور بارز في التمرد. عدد من مسؤولي الصف الثاني أتيح لهم تولي مناصب حكومية كماجد بن خثيلة نفسه، أما البقية من رتباء وأفراد في الحركة فظلوا ينعمون بالأمن والأمان وباستلام رواتبهم في هجراتهم.
-سأل بالدوين : فهمت من شرحك نقيض ما تُردِّده بعض وسائل الإعلام، استنتجت بأنكم حاربتم وتحاربون التطرف وتنتهجون الوسطية والإعتدال وتعانون من التطرف والإرهاب؟ صحيح ؟ وكيف ترون أنجع السبل لمعالجته؟
- رد الدكتور: بموازاة خط المعالجات الأمنية انتهجنا سبيل المناصحة الذي فشل مع أقلية وأتى ثماره مع أكثرية التائبين عن درب الإرهاب. سارت الجهات المختصة بذلك المنحى نتيجة لاقتناعها بأن الإرهاب أشبه بمخلوق أسطوري كلما قطعت رأسه نبتت له رؤوس جديدة. وكنتيجة للخلط بين الشريعة والتشريع وفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، تنبهت الجهات المختصة لتطوير مناهج التربية المتقادمة العهد التي كان لولبها مدرسون عرب من الأخوان المسلمين المتطرفين بمعظمهم. جَـنَـيْـنَـا منها ثماراً مرة في تنشئة الأجيال وما نزال. ولكننا نأمل بأن يخف تيار التطرف لدى الأجيال القادمة.
- ثم قال الدكتور لبالدوين: "سألتني قبل الصلاة عن علاقة  المملكة بالإرهاب فقاطعه بالدوين منتفضاً بوجل: "لم أقصد الإساءة أو الاتهام".
- ابتسم الدكتور ولم يستهجن لهجة الهلع في تعليق بالدوين ثم بدأ بردِّهِ:
بما يتعلق بموقف المملكة من الإرهاب، أقول لك رأيي كمؤرخ ومتابع للأحداث، وليس كمواطن سعودي، بأن أول من دعا لتأسيس مركزٍ مناهض للإرهاب هو الملك عبدالله بن عبد العزيز عام 1995، وأول من ساهم مالياً بدعم ذلك المركز هو المملكة العربية السعودية. وبأننا عانينا وما نزال نعاني من الإرهاب. أترك لك الاستنتاج والحكم. لدينا حكمة تقول: "إذا خُـيِّرتَ بين المنقول والمعقول فاتبع المعقول".
هز جون بالدوين رأسه عدة مرات باطمئنان وثقة ثم قال : حسبما أعلم بأن الأصوليين يعتقدون بأن التجديد بدعة وشرك وبأنهم في تشددهم يخدمون دينهم، ولكن ...    
- رد الدكتور: لبُّ المشكلة يكمن في تلك الـ "ولكن" . واقع الحال يشي بأن محاربة التجديد تعتبر بمثابة محاربة للإسلام والمسلمين. خير برهانٍ على ما ذكرته لك هو ما ورد في الحديث الشريف:"إنِّ اللهَ يَـبْـعَـثُ عَـلَى رَأسِ كُـلِّ مَـائـةِ عامٍ مَـنْ يُـصْـلِـحُ لِـهَـذِهِ الأُمَّـةِ أَمْـرَ دِيْـنِـهَـا" والمقصود بالتجديد، حسبما أعلم، هو وقف الانحرافات والبدع. البعض خالف التجديد خشية تأثيره على جوهر الدين الحنيف، آخرون جزموا بأن لا خوف من التجديد اعتماداً على قوله تعالى:" إنَّـا نَـحْـنُ نَـزَّلْـنَـا الـذِّكْـرَ وَإنَّـا لَـهُ لَـحَـافِـظُـونْ" .
- سأل بالدوين: أليس بين أولئك المتشددين من يدرك بأنَّ ممارساتهم المشينة الغريبة تسيء إلى الإسلام وتُنفِّر الرأي العام الغربي والأقليات الدينية والعرقية منهم ومن العرب والإسلام ؟
- صحيح يا عزيزي جون. ينبغي على صاحب القضية والمدافع عنها أن يُقدِّمَ أفضل ما لديه، لا أن يشوهها ويبعد الناس منها ويساعد عدوَّه بحسن أو بسوء نية. لا ندري كم رصدت الجهات المعادية للعرب والإسلام من ميزانيات لنشر كتب ومقالات وأفلام سينمائية لتشويه صورة الإسلام بعامة والعرب بشكل خاص، وإظهارهم بصورة مصاصي الدماء و الرجل الشرير المتخلف المولع بالقتل للقتل. ذلك ما يخطر في بالي عند كل ظهور لشخص متشدد يقيم في الغرب ويسمي نفسه "داعية" على شاشات التلفزة، يده المنتهية بخطاف حديدي تبعث الرعب في النفوس، وأجزم بأن تلك الصورة، وما شابهها من ممارسات، تسيء إلى العرب والإسلام أكثر من مائة فيلم مغرض. 
أكمل الدكتور شايع: محور المشكلة هو معاداة المتشددين للعلم، الله تعالى وهبنا جسداً وروحاً، الجسد يحمل الروح ويتغذى منها، ولكن الروح، حسبما أرى، سوف تكون عبئا على ذاتها وعلى الجسد إن لم تكن هي بدورها تتغذى بنسغ العلم تيمنا ومباركة بالحديث الشريف: "أطلبوا العلم ولو في الصين". أليس من المؤسف أن يضعنا جهل وعنت أحد "الدعاة" المعادين للعلم وتطور سنن الحياة رغماً عَـنـّا في صف عدونا المؤمن بالعلم. الداعية العتيد موضوع حديثنا أنكر في محاضرة له في الشارقة دوران الأرض ووصول الإنسان إلى القمر، في الجهة المقابلة لذلك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، مناحيم بيغن رد بشكل مغاير حين سئل عن معادلة الإيمان والعلم فقال بأنه "يؤمن بالتوراة ويثق بالفانتوم".
أنهى الدكتور كلامه قائلاً:"فلنأمل باستعجال بزوغ فجر ثقة شعوبنا بالعلم، وبالإيمان بحاجتنا العميقة الماسة لإنجازاته واللحاق بعربات قطاره السائرة دائماً إلى الأمام، ودون توقف". 
في صباح اليوم التالي أكمل بالدوين وعبد الرحمن طريقهما إلى حقل شيبة النفطي في الربع الخالي بعد أن وعدهما الدكتور الذي عاد إلى الدمام بلقائهما في مزرعته في يبرين يوم الخميس القادم. 
 الخبر في :05/03/2015
الحلقة القادمة يوم الخميس في 12/03/2015. 

الأربعاء، 4 مارس، 2015

مساحاتُ الغياب/ محمد رفعت الدومي

كانت أكثر من مجرد صدي للألم ضحكاتُ "عصام" في ليلنا عقب عودته من رحلته العلاجية الأولي إلي القاهرة، حكي لنا الكثير، بروح ما زالت تحتفظ بلياقتها السطحية عن الذين يشبهونه في العجز من المرضي، لقد كان الكثيرون منهم، بحماية ادعاءاته هو، يواجهون المرض باللامبالاة، ويتزاحم الكثيرون أيضاً حول تبرعات الأنقياء غير المشروطة لـ "معهد الأورام" إلي درجة الشجار معاً، ومعاً ومع الموظفين ، ومعاً ومع الموظفين والأطباء، وقد يصل الشجار أحياناً إلي حدِّ التماسك بالأيدي والأسنان، وتترهل الحكايا ، لا تخشي ضغط الزمن ، وكأنها بلا قيمة!

    وكان لابدَّ، لأنه "عصام" الذي لا أرتاب في أنه يفعلها، أن تنزلق الحكايات في شرخ المبالغة! 

    حكي لنا عن شريك ٍ له في الورم من "الشرقية"، أجري له الأطباء ثلاثين عملية جراحية، ليس هذا موطن الطرافة في ترجمته لذلك المريض المسكين، إنما ادعاؤه بأنه يعيش بغير كليتين، فكان لابد أن يواجه التعبير عنه سؤال من هنا أو هناك: 

- كيف يا "عصام" يعيش إنسانٌ بغير كليتين؟ 

أجاب "عصام" جاداً:

 !بالبركة -

    إنه اليقين يقوم مقام الرغبة لا أكثر..

    طالت الحكايا الممرضات أيضاً، حكي لنا عنهن الكثير، هنّ، بحماية ادعائاته أيضاً، يعاملن مريض السرطان معاملة أيِّ ممرضة لأيِّ مريض بالأنفلونزا، ولا أعتقد أن هذا الأمر ينطوي علي شئ من الغرابة، فمن غير المعقول أن تتفاعل الممرضة مع مرض كلِّ مريض، أو تشعر نحوه حتي بالقليل من التعاطف، وإلا تحولت إلي أطلال، إنها تؤدي عملاً، ثم إنها بالإسراف في اختبارات الموت اليوميِّ، لمست العمق الأليف للموت في إطاره، وأصبح بالنسبة إليها، علي الأقل، مجرد طقس مسرف في التكرار!

    أجد هذا تعبيراً حقيقياً عن حكاية قرأتها، عن رجل ٍاستوطن بيتاً بالقرب من مدبغةٍ للجلود، وظلت الرائحة الكريهة، كعالمنا، لسلةٍ من الأيام الأولي، تثير غثيانه، وخاصم صاحب المدبغة إلي السلطات، فتلكأ دهاء صاحب المدبغة عن الذهاب أسبوعاً، ومضي الأسبوع، وماتت الشكوي!

    لقد اكتسب الساكن الجديد بمعايشة الرائحة وعياً جديداً بإحساس الألفة!

    قال لنا أنه اشتبك ذات صباح مع ممرضة في فاصل من السخرية ، فقالت له من بين ضحكاتها:

   يبتليك بـ" محسن"!  - 

    وهذا الـ "محسن" بحماية ادعاءه هو "حلاق" المعهد، وذهاب مريض السرطان إلي الحلاق يعني أحد البروتوكولات الطليعية لإعداده لجراحة نتيجتها المؤجلة، والفريدة، حتي أنها الوحيدة هي الموت، هي تعني ببساطة:

    يا رب تموت! - 

    نضحك حتي تدمع أعيننا، يظلُّ الألم باقياً، لكنه يصبح خافتاً، أو هو في الحقيقة لم يكن ضحكاً بقدر ما كان محاولة للفرار من مجرد استشراف الغيب بطريقة ركيكة!

الطبيب أيضاً، ليس من المعقول أن يكون صديقاً، أو رقيقاً إلي هذا الحد! 

عقب سلة من الرحلات بين الدومة والقاهرة، صدمه الطبيب صدمة فاحشة، طالت بتصرفات منخفضة صهره "أبوالوفا" أيضاً، لقد انخفض سريعاً حماسُ المتحمسين لمرافقة ورمه إلي القاهرة، وواظب فقط أصهاره علي حراسة حماسهم حتي النهاية، لقد أعلنه الطبيبُ بتبني الأطباء المعالجين قراراً باللجوء إلي الكيماوي كممرٍّ وحيد نحو شفائه، أدركت من الشوك في كلامه لحظتها أن الورم كان قد ترهل إلي حد أصبحت معه السيطرة عليه مستحيلة، وأن الجراحة تتحد تماماً بالقتل المُيسَّر، وربما استوعب "عصام" أيضاً أطراف الكلمات الحادة، فلقد أخبرني صهرُه وهو يزيف ابتسامته، أنه قال للطبيب، وعيناه توقِّعان دمعهما:

  استحْمده اللِّي جات فـ الطوَّاطة! -  

    عبارة ليس من السهل تفسيرها، أو حتي إلقائها علي أطراف جملة تستدعي عمل الذهن في مقاربة مرضية لتفسيرها، هي لابدَّ بعض التكلسات المكدسة في جيوب ذاكرته المشتتة حالاً، طفت، فجأة، بعشوائية، والتحمت بعشوائية، فجأة أيضاً، فشكلت تلك الأخلاط اللغوية.. 

    من الآن، وحتي ابتلعه المنحني الحاسم، ظلَّ "عصام" محتفظاً بروحه المتهكمة، هذا أضفي عليه مظهر المستهين بالموت بشجاعةٍ صلبة، غير أنَّ شجاعته الزائفة لم تنطلي عليَّ أبداً، ولم يكن بالطبع من اللياقة اختبارها، كنت أصغي لما لا يقوله، لا ما يقوله، هكذا تعوَّدت، ثمَّ تحت السطح، كأنني كنت أصغي إلي داخله المكتظ بالأصوات تماماً!

    قبل انهياره، بلا مبالاة، بأسبوع وبعض الأسبوع، كنا نجلس منفردين في بيتنا، نشاهد فيلماً من الأفلام التي استعارت عالم الأستاذ نجيب محفوظ بإسراف، حتي انزلقت في الجرح الذي لابدَّ لها منه، التكرار، وعدم معرفة المشاهد بالحقيقيِّ، وبالمطليِّ بظلٍّ شاحبٍ من اللاشئ، وانساب مشهدٌ لست أدري ماذا لمس بالضبط في جيوب ذاكرته، كان المشهد يجمع بين الأستاذين "صلاح قابيل" و"محمود ياسين" وآخرين، أتذكر الحوار علي نحو واضح، لقد تساءل الفنان "محمود ياسين" من ردهة شلله الواضح، بصوت يلائم العاجزين:

  - من إمتا كلابها عوت علي ديابها يا نوح يا غراب؟

    خفض "عصام" رأسه، وقوَّس كتفيه أماماً، وأطلق صوتاً هائماً وفريداً، كأنه يفتش عن إدانة غامضة لشئ ما، ثم انخرط في بكاء حاد، مذعور، حتي أنه نبَّه علي بعد غابة من الخطوات "أُمِّي"، تنبه ذهني مبكراً إلي سخافة أيِّ محاولة مني لتهدئة قلبه، بل لأحرضه علي استئناف البكاء، شاركتُه بنصيب وافر من الدموع الحقيقية، لقد دَرَجْتُ عليه يضحكنا فيريحنا، فلماذا، ليرتاح، لا أتركه يدين الوجود بإيماءته الوحيدة المتاحة، عينيه!

 إنَّ ساخراً أصبح، فجأة، مركز دائرة السخرية، خليقٌ بأن يقوم مقام الدليل الذي لا مراء فيه علي عبثية الحياة، وبساطتها أيضاً، هل فوق حياة

    استعاد هدوئه بعد دقائق من البكاء المتدرج صعوداً وانحداراً، ثم اشتعل عزمُهُ فجأة علي الفرار، لقد لمست بوضوح أكثر مما ينبغي، خجله الشديد من عراء انزعاجاته الداخلية أمامي!

    لماذا؟، إنني أخوك في العجز، وخوابي الألم المشتركة!

    طالبتني "أمِّي"، بعد أن ابتلعه الشارع الخالي من العصافير، بتفسير لجنازتنا القليلة الماضية، يا "أمِّي" الطيبة، إنَّ هكذا سؤالاً، سؤالٌ يجري في يقين السخافة، إنَّ شاباً تترنح الحياة في قامته بينما تتماسك عيناه هو السؤال المتطلب، وتمسكتُ بالصمت الجارح، لقد ردَّني الخجلُ أن أُحدِّثَ "أمي" عن   "نوح الغراب"!

    كانت هذه هي آخر مرة أري فيها "عصام"، ولقد انخفضت بفضلها زرقة قلبي كثيراً، حتي أنني وضعت مأساته عن عمدٍ في جيب مهملٍ من جيوب اهتماماتي، كنتُ فقط لا أتسع لها، وكان قلبي ليس به موطأٌ لخسارة إضافية، وباهظة..

    علمتُ فيما بعد، أنه، وهو في طريقه الأخير إلي "القاهرة"، هاجمه، علي مشارف "الدومة" وقلبي، نزيفٌ حاد، أعاق رحلته الأخيرة من رحلات الدوران في الفشل، وعاد، عاد مستنداً علي ظلال الآخرين، بملامح وجهه القادم!

    استيقظتُ مذعوراً، ذات صباح لا مراء في غربانه، علي ضجةٍ أكيدة، نظرت من النافذة القريبة، فرأيت الخالة "جليلة" تندفع مهرولة من باب بيتها إلي الشارع السائل، والخالي إلا من الغربان، يتبعها عصبة من النساء المتشحات بسواد الحداد تتزاحمن علي تهدئة قلبها، غرسَت عينيها في لحم السماء، وصاحت في تحفز حقيقيٍّ، ومروع:

 يا ظُلْمكْ ، يا ظُلْمكْ! - 

    كانت بحماية أكبر خسائرها علي الإطلاق معذورة، لقد دخل "عصامُ"، وحيدُها، موتَهُ الذي اكتمل عند غروب ذلك اليوم تحديداً، وتحوَّل "عصامُ" إلي حزمةٍ من مكعبات الثلج، ثم .. ذاب في مساحات السفر الواسعة!

الغروب..

جزيرةٌ حقيقيةٌ من الجمال الخاطف،

لكن ذاك الوجه المتغضن....  

علي الرماد! 

**
 * من "اسهار بعد اسهار"

الثلاثاء، 3 مارس، 2015

الجهاد الإسلامي.. حاضرة في الأزمات/ راسم عبيدات

حركة الجهاد الإسلامي واحدة من المكونات الرئيسية في المشهد الفلسطيني سياساً،عسكرياً وجماهيرياً،وهي تحظى بالثقة والإحترام العالي في اوساط الشعب الفلسطيني،حيث ان قيادتها خطت لنفسها طريقاً ونهجاً سارت عليه،ومبادىء تمسكت بها،وهي لم تغلب مصالحها الخاصة على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني،ولم تكن طرفاً في الصراعات والخلافات والمحاور بين المركبات السياسية الفلسطينية،وهذا لا يعني أنها ليست صاحبة موقف من أوسلو والمفاوضات والنهج السياسي لهذا الطرف أو ذاك،فموقفها من اوسلو كان يمتاز بالوضوح وبُعد النظر أكثر من أي فصيل فلسطيني آخر،فهي رفضت هذا الإتفاق،ولم تنغمس او تساهم في أية سلطة او مؤسسات نتاج لهذا الإتفاق،وأختارت أن تعمل بين الجماهير،دون أن "تنغمس" أو تاخذ موقف اللا موقف،أو موقف المشارك واللا مشارك في السلطات التشريعية أو التنفيذية أو القضائية المنبثقة عن اوسلو.
وحركة الجهاد الإسلامي كانت حاضرة بالفعل العسكري والعمل النوعي في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني،وبالذات في الانتفاضة الثانية،وقد لعبت دوراً فاعلاً في التصدي لكافة الإعتداءات التي شنها الإحتلال على شعبنا واهلنا ومقاومتنا في قطاع غزة (2008 -2009) و(2012) و(2014)،بل كانت متميزة على غيرها من فصائل العمل الوطني والإسلامي،من حيث قدرتها على توجيه ضربات نوعية في العمق "الإسرائيلي"،وموقف الجهاد تميز هنا وبالتحديد في الحرب العدوانية الأخيرة عن موقف حماس،التي كانت تدور ضمن محور وفلك الإخوان- قطر - تركيا،حيث انها كانت لا تريد بأن تتولى مصر مسؤولية الإشراف على الهدنة بين فصائل المقاومة والعدو "الإسرائيلي"،فالجهاد أكدت على محورية مصر في هذا الجانب،مغلبة مصلحة شعبنا واهلنا على الأجندات الخارجية.

وكذلك عندما توقف العدوان بشكله العسكري على قطاع غزة،فإن حركة الجهاد الإسلامي لم تتنكر لكل من وقف وساند ودعم المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة،وبالذات محور طهران- دمشق – الضاحية الجنوبية،بعكس حماس التي كانت توجه شكرها لمحور خاضت بعض أطرافه مؤامرات على الشعب الفلسطيني،وكان دعمها في الإطار اللفظي والشعاري فقط.

والجهاد الإسلامي حينما تكشفت لحركة حماس حقيقة المحور الذي ضللها وخدعها وحملها على الإنتقال من المحور الذي إحتضنها وساندها وقدم لها كل أشكال الدعم،إلى محور كان يريد أن يطوعها لكي تنغمس في المشاريع السياسية لتصفية القضية الفلسطينية،ولذلك وجدنا حركة الجهاد الإسلامي ،قد لعبت دوراً فاعلاً في التقريب في وجهات النظر وترميم العلاقات بين حماس ومحور طهران الضاحية الجنوبية،وإن كانت القضية السورية قد بقيت خلافية بين حماس وذلك المحور،فسوريا ترى بأن الطعنة التي وجهتها لها حماس كبيرة جداً،ولا تنم عن وفاء او الحفاظ على العهود والثبات على المبادىء،حيث إختارت حماس أن تغلب مصالحها على مصالح المحور الذي إحتضنها وأستقبلها،في وقت رفض أقرب المقربين لها سياسياً وفكرياً إستقبالها،عندما فرض عليها الحصار بعد فوزها في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية في كانون ثاني/2006،خوفاً من العقوبات والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية الغربية.

بادرت حركة الجهاد لترطيب وتلطيف الأجواء وتعبيد الطريق نحو إعادة العلاقات تدريجياً بين حماس وذلك المحور،وقد أثمرت وساطة حركة الجهاد الإسلامي،عن زيارة لوفد قيادي حمساوي برئاسة موسى أبو مرزوق إلى طهران،والتي على أثرها إستئنافت ايران دعمها المالي لحماس،وبالمقابل وجهت قيادة حماس على لسان قائدها العسكري محمد ضيف،الرجل القوي في حركة حماس،رسالة شكر الى ايران على دعمها لحماس وفصائل المقاومة في القطاع،وظهرت يافطات في قطاع غزة توجه الشركة الى حزب الله وايران،في وقت سابق صدرت تصريحات عن العديد من قادة حماس، تتحدث عن فارسية ومجوسية طهران وتخلي سماحة السيد حسن نصرالله عن المقاومة،ونعت بأوصاف قاسية من قبل قياديين في حماس.

حركة الجهاد الإسلامي كثفت من جهودها ووساطتها،لكي تكون هناك زيارة ناجحة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الى طهران،ولكن واضح بأن محور قطر – تركيا والإخوان المسلمين وحتى السعودية يمارسون ضغوط كبيرة على حماس لمنع قيادتها من العودة مجدداً الى محور طهران – دمشق الضاحية الجنوبية.

مع تصاعدت حدة الخلافات بين حركة حماس والنظام المصري على خلفية إتهامات مصر لحركة حماس بالتدخل في الشأن الداخلي المصري،من خلال التحريض عبر وسائل الإعلام والتصريحات للعديد من قيادة حركة حماس ضد النظام المصري،والمتهمة له بالتواطؤ والتآمر على حركة حماس وقطاع غزة،وكذلك مواصلة دعمها ومساندتها لحركة الإخوان المسلمين هناك،والإتهامات من قبل النظام المصري لحركة حماس بالمشاركة والتورط  مع جماعة انصار بيت المقدس الإرهابية في سيناء،في قتل عدد من الجنود المصريين،وكذلك التعدي على مراكز الشرطة والجيش هناك،بالإضافة الى تسهيل دخول وخروج الجماعات الإرهابية من قطاع غزة الى سيناء وبالعكس،وتوثيق علاقتها مع محور قطر – تركيا المعادي للنظام المصري،كل ذلك دفع بالنظام المصري،وبعد ان قامت الجماعات الإرهابية في سيناء بشن هجمات واسعة ومتزامنة على عدد من مقرات ومراكز الجيش المصري في سيناء،موقعة عشرات القتلى وما يفوق  هذا الرقم بكثير من الجرحى،الى ردات فعل متسرعة وغير مدروسة بإعلان محكمة الأمور المستعجلة المصرية، كتائب القسام الذراع العسكري لحماس حركة إرهابية،وهذا دلل على تخبط وتسرع من شأنه أن يسيء الى النظام المصري،والى مصر كدولة ينظر اليها بثقة واحترام فلسطينياً وفي العالم العربي على طريق إستعادة دورها القيادي والقومي والعروبي للأمة العربية،وكذلك هذا من شأنه ان يفتح ويمهد الطريق أمام الدوائر المعادية وبالذات اسرائيل وامريكا والغرب الإستعماري لوسم النضال الفلسطيني برمته وليس كتائب القسام ب"الإرهاب"،فكتائب القسام وغيرها من الأجنحة العسكرية الفلسطينية،كانت وما زالت أجنحة توجه سلاحها ضد الإحتلال وتستخدمه في الدفاع عن شعبنا وحمايته،ولذلك هي فصائل مقاومة وليس إرهاب،والأمور لم تقف عند هذا الحد،بل مع تصاعد إرهاب الجماعات الإرهابية في سيناء وفي أكثر من مدينة في مصر،وإستمرار دعم حماس،وعدم تظهيرها ومراجعتها لموقفها من حركة الإخوان المسلمين هناك،خطى النظام المصري خطوة أخرى على طريق الإيغال في المعالجات الخاطئة بإعلان حركة حماس من قبل محكمة الأمور المستعجلة كحركة إرهابية،وهذا بحد ذاته شكل ربحاً صافياً للإحتلال الذي أشاد بهذا الموقف المصري،وتحدث عن اصطفاف عربي – اسرائيلي لمحاربة ما يسمى بالإرهاب الفلسطيني،في حين تقوم دولة الإحتلال بممارسة إرهاب الدولة بكل أشكاله ضد شعبنا الفلسطيني.

 تصاعد حدة الخلاف والتطورات الخطيرة بين النظام المصري وحركة حماس،دفعت حركة الجهاد الإسلامي لترتيب زيارة بقيادة امينها العام الدكتور رمضان شلح "أبو عبدالله" الى مصر،من أجل إحتواء الأزمة المتصاعدة بين الجانبين،ودعوة النظام المصري الى مراجعة مواقفه من حركة حماس وكتائب القسام،وكذلك دعوة حماس الى مراجعة موقفها ودعمها لحركة الإخوان المسلمين ضد النظام المصري،وأيضاً التباحث مع النظام المصري من اجل الوصول الى ترتيبات وآليات بشأن تخفيف الحصار المفروض على شعبنا وفتح معبر رفح.

حركة الجهاد الإسلامي في كل المواقف والمحطات غلبت مواقفها الوطنية على المواقف الفئوية وعلى الأجندات الخارجية،وكانت في كل الأزمات التي تعصف بالصف الفلسطيني،تلعب دور الجامع والموحد وليس الطامح لمنفعة او مصلحة أو مكاسب فئوية وحزبية،وهذا أكسبها ثقة وإحترام شعبنا وشارعنا الفلسطيني .

الاثنين، 2 مارس، 2015

تغييب اللاجئين عن الدورة 28 لأعمال مجلس حقوق الإنسان/ علي هويدي

ينعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في العاصمة السويسرية / جنيف في دورته 28 وتستمر أعماله على مدى أربعة أسابيع تبدأ من يوم الإثنين 2/3/2015، وتنتهي في 27 من آذار/مارس، وفي كل سنة يبحث المجلس في ملفات إنتهاكات حقوق الإنسان في العالم مستنداً إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 1948 في مواده الثلاثين، إلا أن الملفت في جدول أعمال المجلس لهذا العام تغييب أوضاع انتهاكات حقوق الإنسان للاجئين في العالم، لاسيما أوضاع أكثر من 8 ملايين لاجئ فلسطيني في مناطق عمليات "الأونروا" الخمسة، الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا ولبنان والأردن وفي الشتات، وبشكل خاص انتهاكات حقوق أكثر من 320 ألف فلسطيني مهجر داخل فلسطين المحتلة عام 1948، إذ وعلى الرغم من مرور حوالي 67 سنة على النكبة فلا يزال الإحتلال الإسرائيلي يمنعهم من استعادة ممتلكاتهم والعودة الى قراهم المهجرة. 
وحسب جدول الأعمال لهذه الدورة يبحث المجلس في حوالي 100 قضية مختلفة لها ارتباط بحقوق الانسان، مثل دعم وحماية المنظمات غير الحكومية، وعقوبة الإعدام، وحقوق الأطفال، والمعاقين، وقضايا التعذيب، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والحقوق الثقافية، والعنف الجنسي، وحرية الدين والضمير، والإبادة الجماعية، والبيئة، وينظر أيضا في التقارير التي ستقدمها لجان التحقيق وتقصى الحقائق الدولية وأهمها لجنة التحقيق المكلفة بتقصي الإنتهاكات في سوريا وقطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي عام 2014.. كما يناقش المجلس خلال دورته السياسات الوطنية لحقوق الإنسان والتعاون الفني، إضافة إلى أوضاع حقوق الإنسان في عدد من الدول، والأراضي الفلسطينية المحتلة.
على أهمية الملفات التي سيبحث فيها المجلس خلال شهر كامل، إلا أن هناك ما هو طارئ ومستعجل ولا يحتمل التأجيل أو التأخير أو التسويف، ويحتاج تدخل عاجل من المجلس والضغط على صانع القرار المعني بالأزمة، نتحدث هنا عن أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني سوري يُنتهك حقهم في الحياة يومياً مع غياب كامل لمفهوم الحماية الجسدية سواءً في سوريا أو في لبنان أو الأردن ناهيك عن أوضاع حوالي نصف مليون لاجئ فلسطيني في لبنان محرومين من حقوقهم الإقتصادية والإجتماعية منذ عقود لا سيما حقي العمل والتملك والإستشفاء والتعليم، أو اللاجئين في قطاع غزة المحاصرين منذ حوالي ثمانية سنوات ومعاناتهم.. أو الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المخيمات وعلى اللاجئين في مخيمات الضفة الغربية لا سيما مخيمي قلنديا وشعفاط..
بعد ان قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة رفع مكانة فلسطين إلى دولة غير عضو في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 وتوقيع الرئيس أبو مازن في الأول من نيسان/ إبريل 2014 مواثيق الإنضمام الى 15 معاهدة وإتفاقية دولية من بينها اتفاقيات جنيف، بقي أن يدفع مندوب دولة فلسطين في مجلس حقوق الإنسان السيد ابراهيم خريشة وهو والذي يشارك في جلسات المجلس، باتجاه أن تناقش انتهاكات حقوق الإنسان للاجئ الفلسطيني، لا سيما تطبيق المادة الثالثة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على أن "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه"، والفقرتين من المادة الثالثة عشر الأولى بأن "لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة"، والثانية بأن "يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليها"، والمادة 17 التي تنص بفقرتيها الأولى والثانية بأن "لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً، وأن يؤخذ ما يلزم من إجراءات لا سيما على المستوى القانوني والإنساني والإقتصادي والإجتماعي والسياسي، تحفظ كرامة اللاجئ وتعيد له ولو شيئ من حقوقه المسلوبة، وإلا ستبقى المنظمة الدولية أسيرة نفوذ القوى، وهذا يتعارض ويتناقض مع المفاهيم والمبادئ والأسس التي انطلق المجلس لأجلها..!

الأحد، 1 مارس، 2015

هذه خاطرة أرسلتها لزوجتي: لك يا امرأة/ المختار لعروسي البوعبدلي الجزائري

حينما تكتبني امرأة في مسافات العمر سكينة روح من نقاء القلب الذي تحمل...
تسترخي مجالات العمر في انتقالها عبر مسامات الشوق التليد...
اشتاقك يا امرأة منذ البدء إلى نهاية الخُلد ....
فارسميني لوحتان من طهر الحياتين ...
واكتبيني في سجل العمر نبراس نقاء ...
واسقني من رحيق عناق الحرفين زينة رسالة السماء ...
واعقدي كل حروف الكون آية تماهي في العالمين ...
سطري كلي عبر نفحات الحُسن فيك
فالحسن فيك يطغى على الفكرة ليذهب العقل حد الروية في العمر...
وارويني من وجد الوجود تارة
واحمليني قلبا على كف العفة 
في انتقال عبر حضارة الله في الكلمة ...
يا امرأة 
كلما ذكرتك في صفحات العمر
يورق العمر أثرا من طيب ريح يحمله نغم ترتله الملائكة في نداء البقاء ...
يا امرأة
تأسرني سنة بها الرؤيا تحقيق وظيفة الوجود منك وفيك تزدان بكل ألوان التبتل ...
يا خطاب الورد للندى بين عطر يهمس للحياة أنتِ على قرب ولو من بُعد 
فلا بُعد منك إلاّ كبُعد اليراع بالورق يخط الرسالة ...
لأني أحبك فقط وبكل بساطة القول أحبك ...

الجمعة، 27 فبراير، 2015

روايات المدلسين في ذبح الاقباط/ لطيف شاكر

شاهدنا منذ ايام ذبح 21 قبطيا منهم واحد من افريقيا بالصوت والصورة ولم يهتز العالم  امام هذا المشهد المؤلم ولم يحرك ساكنا ..
شباب قبطي لم يجد مايسد رمقه واحتياجات عائلاتهم في  الوطن,  ولم يجدوا فيه فرصة عمل شريف  فأبواب العمل موصدة امامهم , فشقوا طريق الغربة  المضنية الي ليبيا ,ولم تكن ليبيا بالبلد الآمن  والعيش الرغد   لكن ماباليد  حيلة فهم يكدون ويتعبون من اجل لقمة عيش لهم ولعائلاتهم المعدمة
كانوا  يرسلون لذويهم كل  مايدخروه من مال وهم يتحملون شظف العيش ويعيشون علي الكفاف  لتغطية الاحتياجات  الضرورية  والملحة  لعائلاتهم  المعدمين   , حتي لياليهم لم يهنأوا بها فكانوا يتكدسون   في حجرات غير آدمية ليوفروا مايستطيع  ان  يوفروه من اجل ابنائهم وزوجاتهم ووالديهم 
وفي طريق عودتهم  الي مصر وقلوبهم  تتهلل بحلم  دفء الاسرة بعد غياب طويل , وكان الامل يحدوهم  ويستعجلون الساعات والدقائق  للقاء المرتقب , وحتي يستريحوا مؤقتا من عناء الغربة  والعمل الشاق  حيث احضان  العائلة  المتشغفة لرؤيتهم ,واذ بالشيطان  المتربص بهم والكائن في افراد الدولة الاسلامية داعش  تخطف فرحتهم  وتعكر صفوهم  وتكدر حياتهم  وتنغص قلوب عائلاتهم ,و في فرز ديني  مقيت  وتعصب مرير يمسكون بهم    ليذيقوهم اشد  انواع  العذاب  بعد ان قيدوا اياديهم خلف ظهورهم  تمهيدا لجز الرقاب .
كان  كل يوم يموتون رعبا  وهم ينتظرون الموت  , فانتظار الموت اصعب من لحظات الموت . ورؤساء العالم  وحقوق الانسان في غيبة او غيبوبة , ولم يحرك احدا  ساكنا  لانقاذ هؤلاء المساكين.. يا للخزي والعار.
ورغم مابذله  رئيس مصر السيسي  جهدا  مشكورا  من اجل  انقاذ حياة المصريين الاقباط   من ايدي  الشياطين  لكن  دون جدوي لان عصابة  الدولة الاسلامية  خلت  قلوبهم  من  الانسانية والضمير والاخلاق ,فكيف يتم الاتفاق مع كائنات غير آدمية .
ذبحوهم  امام الكاميرات بالصوت والصورة ليكونوا شهداء البشرية كلها , وكل غاية  الاشرار ان ينزلوا الرعب في القلوب  ليذعن  لهم  العالم  ويستسلم   رعبا امام سيوفهم الجبانة  , لكن تحول هذا المشهد  الي  الضد  فعرف العالم حقيقة الاسلام ويناصبوه  اليوم العداء وفتح أعين العالم  الي وحشية الاسلام  وخطورة عقيدتهم .
يقول الكتاب  عنهم :أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ   (يو 44:8)
ووسط الحصي والاحجار توجد لالئ ثمينة فقد آثار شجاعة  هؤلاء الشهداء وقوة ايمانهم حديث  شعوب العالم  كله  واهتز لهم الضمير الجمعي  باندهاش وتساءلوا  كيف لايخور هؤلاء الاقباط  امام سيوف الذابحين المشهر علي رقابهم , وكيف لم يضعفوا امام  القتلة  الذين غطوا وجههم خوفا ورعبا  لما يقترفوه من اعمال مشينة  وافعال  شيطانية  يندي له الجبين  .
ياللهول يُذبح الانسان البرئ كالابقار والاغنام  تنفيذ لتعاليم الشريعة السمحاء  امام انظار العالم كله في  زماننا الحاضر و شهده الكبار والصغار دون اهتمام  او احساس  من  الدول  الكبيرة القادرة علي هدم حصون الاشرار  وابادتهم في ايام   ان لم يكن ساعات ,  ويخلصوا العالم من  شرورهم وفجورهم وجرائمهم الشنعاء  ومذابحهم النكراء ..
اندهش الجميع  من رباطة جأش الضحايا   وثباتهم  علي ايمانهم ورفضوا  الافلات  من الذبح حالة انكار ايمانهم  واعتناقهم  الاسلام   وينضم  الي صفوف السفاحين فيكون له الفوز الكبير بالنجاة , وقد يكون لهم الاعذار , الا أن ايمانهم بالمسيح الحي  أبوا  ان ينكروا  الايمان مفضلين الموت ذبحا عن ان ينكروا  مسيحهم . ّمهما كانت العواقب حتي لو ادي الي الذبح
 ومع بولس الرسول  يهتفون : من سيفصلنا عن محبة المسيح.أشدّة ام ضيق ام اضطهاد ام جوع ام عري ام خطر ام سيف كما هو مكتوب من أجلك نمات .. ( رو: 35:8)
لقد ظن اتباع الشيطان  انه  يمكن شراء ايمان المسيحي  الحقيقي  بالسيف او المال, وهم لايعلمون ان سيدهم اجتاز نفس الالام  من اجل خلاص العالم  واخلي نفسه  آخذا صورة عبد وهو الذي في يده مصائر العالم
لقد صار شهداء اليوم ايقونة الايمان و اعجوبة الزمان , وشهد العالم  بقوة ايمانهم وشجاعتهم  فكانوا مثلا يحتذي بهم وقدوة  للمؤمنين  وقوة للضعفاء وثباتا  للمتراخيين انهم صورة المسيح المصلوب  واختبارا حقيقيا ودرس لنتمثل بايمانهم .
لقد أدركوا سر الحياه الحقيقيه فهتفوا مع القديس بولس "لى الحياه هى المسيح والموت هو ربح" لى أشتهاء ان أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدا.ً.
 الكل يسأل باندهاش واستغراب : ماذا كانوا ينظرون حتي لم يجزعوا من سكين الذابحين وهم ينحرون رقابهم   لقد  رأوا ماهو اقوي من الموت  :
نري هذا في سفر اعمال الرسل اصحاح 7
فلما سمع المجلِسِ كلامَ إستِفانوسَ مَلأَ الغيظُ قُلوبَهُم وصَرَفوا علَيهِ بأسنانِهِم. فنَظَرَ إلى السَّماءِ، وهوَ مُمتلئٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، فرَأى مَجدَ الله ويَسوعَ واقِفًا عَنْ يَمينِ الله فقالَ: "أرى السَّماءَ مَفتوحَةً واَبنَ الإنسانِ واقِفًا عَنْ يَمينِ الله" فصاحوا بأعلى أصواتِهِم، وسَدُّوا آذانَهُم، وهَجَمُوا علَيهِ كُلُّهُم دَفعةً واحِدةً، ...وأخَذوا يَرجُمونَ إستِفانوسَ وهوَ يَدعو، فَيقولُ: «أيُّها الرَّبُّ يَسوعُ، تَقبَّلْ رُوحي!  وسجد وصاحَ بأعلى صوتِهِ: "يا رَبُّ، لا تَحسُبْ علَيهِم هذِهِ الخطيئَةَ "!  .
كانوا يُذبحون وهم يطلبون الرحمة من الرب يسوع ويرنمون نرنيمة الانتصار والغلبة . كانوا اقوي من الذابحين المدججين باسلحة الشيطان واعوانه , وشهد بايمانهم كل العالم .

والمثير للدهشة ان الكثير تبادلوا اطراف الحديث عن  صمودهم وعدم اهتزازهم  وهم يذبحون كيف تنحر رقابهم  وهم  غير خائفين  او مرتعبين من الذبح , حتي  ظن  انهم مخدرون للاسف  لم يقرأوا التاريخ المسيحي الملطخ بالدماء في كل العصور الرومانية والعربية والاسلامية , ولم يعرفوا ماهو الايمان المسيحي وكم قتلوا كم ذبحوا وكم تحملوا من عذابات .
لقد ضحكت ولكن ضحك كالبكاء كيف يخدرونهم  والشريعة الاسلامية تأمرهم بقطع الايادي والاقدام وجز الرقاب وسمل العيون و أسوأ العذاب  وكلما كان العذاب اكثر واشد كان الوعد لهم بالجنات والنعيم اكثر وازيد.
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (التوبة14)
اما  هذا أوذاك  الذي او التي  اخذوا يهزوا  في الفضائيات  ان سر سكينة الشهداء الاقباط امام سكين الذابحين لانهم اتلوا الشهادتين ورددوا القرآن الذين لايعرفونه .
ياسادة  القرآن هو الذي حرض علي الذبح وقطع الرقاب  فكيف يتلونه ...كفي ترديد  الكلام علي عواهنه  بجهل.   

سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاق وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان (انفال 12)

ياسادة  كيف يتلون شهادات الذابحين لهم ويرتلون قرآانهم ...

هم صرخوا بالشهادة المسيحية : "ياربي يسوع المسيح اقبل روحي وارحمني "

الم تروا  الكثير من المسلمين ذبحوا وكانت ترتعد فرائصهم واهتزوا امام سكين الذابحين المسلمين  وكانوا يصرخون من هول الذبح مع انهم كانوا يرددون  كل ايات القرأن المحفوظة  فاين سكينتهم وهم اعلنوا الشهادتين قبللا.
كنت اظن انكم قرأتم تاريخ الاستشهاد في المسيحية وكم استشهد من  المسيحيين  الاقباط  بالملايين من اجل ايمانهم حتي شربت الارض بدمائهم وظل احفادهم باقون حتي تاريخه وهذه معجزة الدهور .
يجب ان تفتخروا  بأجدادكم الاقباط الذين تمسكوا بالايمان حتي النفس الاخير
الا تعقلون ..الا تفهمون ...

الخميس، 26 فبراير، 2015

هاجس التمرد في رواية "أدين بكل شيء للنسيان" للروائية مليكة مقدم/ عبد القادر كعبان

لقد اقتحمت المرأة العربية عالم الكتابة من أجل فرض ذاتها كأنثى لها الحق في ممارسة حريتها مثلها مثل الرجل و استعادة موقعها من اللغة للتعبير عن مواقفها داخل مجتمع عربي لا يزال يتخبط في الفوضى السياسية و الدينية و الاقتصادية و الثقافية الى يومنا هذا. 
من هذا المنطلق تستوقفنا روايات الجزائرية مليكة مقدم عموما التي تقدم إجمالا تلك التأثيرات السلبية على أفراد المجتمع من خلال جملة شخصياتها التي تحاول الخروج عن صمتها لتبحث عن هويتها المفتقدة بحرية مطلقة، و هو ما عبرت عنه البطلة "سلمى مفيد" في رواية "أدين بكل شيء للنسيان" بوسيلة يصعب تجاوزها أو استبعادها للعودة إلى الماضي البعيد ألا و هي النسيان. 
كلنا يفهم معنى النسيان كونه أمرا لم نعد نذكره أو نذكر صورته على عكس بطلة رواية مليكة مقدم التي بات النسيان يعاندها، لتبقى سجينة لذكريات الماضي الأليم و مشاهد من مرحلة الطفولة مليئة بالأسى و القهر لم تستطع تجاوزها حتى بعدما أصبحت مغتربة في فرنسا.
إن سعي البطلة "سلمى" إلى إعتاق نفسها من تلك الذكريات بفعل السرد الروائي، يعد خطوة جديرة بالتقدير تتجلى فيها صورة المرأة المسكونة بهاجس التمرد شأن المبدعة مليكة مقدم حيث صنف النقاد روايتها "أدين بكل شيء للنسيان" في خانة السير الذاتية. لكن هناك من يرى بأن الرواية هي الأصل كجنس أدبي و السيرة الذاتية فرع لا يكاد ينفصل عنه، حتى أن بعض النقاد يعتبرها مقاربة ينصهر فيها الواقع الإجتماعي العام بتجارب حياة الأديب الذاتية لتصبح منظومة سردية تلتقي في معمارها الفني بالرواية.
و بناء على ذلك نجد مليكة مقدم لا تولي أهمية للحواجز الفاصلة بين الذاكرة و الحياة، فكل ما عبرت عنه في عملها الأدبي "أدين بكل شيء للنسيان" له أوثق الروابط بالذاكرة على نقيض قصدية العنوان حيث يكاد ينتفي المتخيل الذي يشتغل بهدف إعادة كتابة الحياة كتابة مجردة عن الذات.
إن وجود شخصية الطبيبة "سلمى مفيد" في هذه الرواية ليس اعتباطيا و إنما استخدمتها الروائية مقدم كوعاء لحمل أفكار معينة تريد إيصالها بذكاء الى القراء و أكبر مثال على ذلك هو تلك الحادثة الفظيعة التي بقيت ملتصقة بجدار الذاكرة حيث تقول الساردة: "ألصقت سلمى وجهها بشرم ما بين الألواح الخشبية على أهبة مناداة الأم. لقد بهتت إذ أبصرتها تشد وسادة و تضعها على رضيع زهية، البنت الصغيرة لا تعرف شيئا عن الموت، لا تدرك مغزى هذا الفعل، لكن العنف استولى عليها مباشرة فابتعدت متراجعة." (ص 14). وجدت هذا المقطع يذكرنا بإحدى مشاهد المسلسل المصري "ريا و سكينة" المأخوذ عن كتاب "رجال ريا و سكينة" للمبدع صلاح عيسى حين تقف الطفلة "بديعة" مبهوتة و هي تشاهد  جريمة القتل من خلال ثقب الباب التي يقوم بها والدها و رجال أمها "ريا" و خالتها "سكينة". 
حادثة رؤية "سلمى" لخنق ذلك الرضيع الذي كان سيحدث زلزالا لجلب العار للعائلة ظلت تزاحم البطلة لتعود بعد سنوات لإسترجاعها و النبش في خلفياتها حيث تقول الساردة متساءلة: "كم هو عدد الأطفال غير الشرعيين الذين خنقوا في هذا البلد؟ في سبيل فداحة إكراهين متعارضين: الاختلاط و الكبت الجنسي. يقين مخيف تدخل ليرصص أكثر ليل سلمى بعدد السكان الذي تضاعف أكثر من ثلاث مرات منذ الاستقلال، النزوح الريفي الجماعي، الإفقار، نقص المساكن الذي يجعل عدة أجيال من عائلة واحدة يتراكمون في مساحات ضيقة. لا بد أن الجزائر تحطم الرقم القياسي في زنى المحارم و قتل الأطفال." (ص 49-50). 
و رغم إحساس القارئ أثناء قراءته لهذه الرواية بأن المبدعة مليكة مقدم كانت تسرد جزءا من سيرتها الذاتية لكن لم تقتصر على ذلك فقط بل تحدثت عن معاناة الشعب الجزائري من خلال تقديم معطيات دقيقة عن تفشي الآفات الإجتماعية كقضية الأطفال الغير الشرعيين  و زنى المحارم و غيرها من المواضيع الحساسة و الشائكة في آن واحد لا تزال مرفوضة الطرح و المعالجة في مجتمعاتنا العربية. 
من خلال جملة هذه الموضوعات التي عالجتها الروائية مليكة مقدم في مجمل رواياتها و بشكل خاص في "أدين بكل شيء للنسيان" تخترق الخطوط الحمراء بتناولها مضوع الشذوذ الجنسي و الحالة النفسية التي تعاني منها هذه الفئة المنبوذة من المجتمع العربي عموما و الجزائري على وجه الخصوص من خلال شخصية "فومي" ابن العائلة الثرية صديق البطلة "سلمى" التي تتعاطف معه لكونه منبوذا من وسطه الإجتماعي حيث تقول الساردة على لسانه: "تخليت عن والدي ليتوقفا عن التفكير في تزويجي لأشعر بالراحة. أنا لواطي. هل أقول لوالدي المتخلفين، سواء كان ثريين أم لا: لن أتزوج أبدا أنا لواطي؟." (ص 20).
لقد استطاعت الأديبة مليكة مقدم تصوير حالة هذا الشاذ بإمتياز من خلال التمرد على كشف المستور و الإبتعاد عن شهوة الصمت كونها تناقش قضية هامة متفشية في المجتمع العربي اليوم و لم تعد منحصرة في العالم الغربي المتفتح بآراءه المختلفة و الصادمة في آن واحد على خلاف العالم العربي الذي يفتعل تمسكه بمفاهيم دينية لا تجرؤ على فتح باب المناقشة و الحوار على حد تعبيره.
إن تناول الروائية الجزائرية مقدم لمواضيع الجسد و الجنس مجرد إشكالية من جملة الإشكاليات المطروحة في حياة الفرد (ذكرا أو أنثى) و المجتمع، فهما يمثلان علاقة من مجموع العلاقات التي يتفاعل معها السارد و القارئ معا، سلبا أو إيجابا، بإعتبارها إفرازا طبيعيا للمجتمع الذي نعيش فيه.
احتل الفضاء المكاني في رواية "أدين بكل شيء للنسيان" حيزا مهما في سرد الأحداث، حيث اعتمدت الكاتبة مليكة مقدم على ثنائية (القرية-المدينة) أين تتمازج الوقائع بداخلها بإمتياز فمثلا نشهد حضور الصحراء، وهران، الجزائر العاصمة، قرى و أرياف أخرى تكشف للقارئ بؤرة الصراع الذي عاشته البطلة "سلمى" و رؤيتها لفضاء القرية، و رغبتها في إقامة علاقة حميمة مع فضاء المدينة من خلال الإنتقال إليه و العيش فيه. و هذا الأخير إختارته الروائية بذكاء كونه فضاء حضري مفتوح على صراعات و مجالات سياسية و فكرية و اجتماعية و ثقافية ستلقي بظلالها على الشخصيات و الأحداث بشكل عام كما تعود الساردة مرة أخرى للتساؤل: "و لكن كيف نثق بكفاية ديمقراطية حقيقية، بتعليم نوعي يطور العقل النقدي، بالحريات و المسؤوليات التي تنتج عن هذا الفضاء على مصدر الظلامية في الناس؟ حدث عنف كبير هنا دون أن تقتص العدالة. صدمات نفسية كثيرة ما تزال خبيئة، ما تزال مخفية." (ص 56).
و بينما يأتي الزمن الماضي متناوبا مع الزمن الحاضر في هذا العمل الأدبي حيث استعانت الروائية بتكنيك الإسترجاع إجمالا و هذا ما يؤكد أهمية الذاكرة في صياغة النص السردي على خلاف الحالة التي تفصح بها في العنوان من جهة ما تدين به للنسيان الذي تتحايل عليه الذاكرة ليجد القارئ نفسه مستسلما للقراءة أمام عملية التذكر و المحكي الذاتي للروائية الفرنكوفونية مليكة مقدم. 

كيف تكتب تعليقك