الاثنين، 27 أبريل، 2015

المرجل المقدسي يغلي... ولا انتفاضة في الأفق/ راسم عبيدات

واضح بأن الظروف الموضوعية ممثلة بكل إجراءات وممارسات الإحتلال القمعية والإذلالية بحق المقدسيين ناضجة لخلق واقع انتفاضي،وهذه الإجراءات والممارسات والقوانين والتشريعات والقرارات ذات البعد العنصري والممتهن لكرامة المقدسيين والنافي والمقصي لحقوقهم،هي التي دفعت بالحالة المقدسية الى هبات جماهيرية متلاحقة تخبو حيناً وتعلو حيناً آخر ارتباطاً بحالة القمع الإسرائيلي،من جريمة خطف وتعذيب وحرق الشهيد الفتى ابو خضير حياً في 2/ تموز2014 وحتى اللحظة الراهنة،وهذه الهبات أتت وتأتي في إطار ردات فعل فردية وعفوية...مفتقرة للقيادة والتنظيم والمشاركة الجماهيرية الواسعة وتحديد الهدف...هبات تأتي في إطار حماية والدفاع عن الذات...بالمقابل الظرف الذاتي الفلسطيني،بدلاً من أن يلعب دور تصعيد الفعل الشعبي والجماهيري وتاطيرة وتنظيمه للوصول به الى حالة انتفاضية شعبية عارمة،وجدنا أنه في معادلة غير مستقيمه،وحالة مشوهة في عرف وفكر وحركات التحرر الوطني، لعب ويلعب دور المفرمل والكابح لتطور الفعل الجماهيري الشعبي المقدسي والهبات الجماهيرية الى انتفاضة شعبية واسعة تمتد شرارتها ومفاعيلها الى كافة ارجاء الوطن،فالحالة الفلسطينية عدا عن كونها ضعيفة ومنقسمة على ذاتها،وتمارس التحريض والطعن ببعضها البعض،فهي تستنفذ الكثير من طاقاتها وإمكانياتها في إطار مناكفاتها وصراعاتها الداخلية،مضيعة اتجاه البوصلة وحارفة لها عن اتجاها الصحيح...وكذلك ما افرزته وأوجدته السلطة من طبقة نمت داخل إطار السلطة أو من خارجها،نظرت لمشروع السلطة على انه مشروع استثماري يخدم مصالحها ونفوذها وتسيّدها للتراتبية السياسية والمجتمعية..وأي خطر على هذا المشروع من شأنه أن يفقدها مصالحها واستثماراتها ونفوذها...ولكن هي ليس فقط غير معنية بقيام حالة إنتفاضة شعبية شاملة،بل هي عمدت الى تطويع الكثير من الفئات الإجتماعية من خلال سلطتها المالكة للتوظيف كرب عمل معتمد على الضرائب ومؤسسات النهب الدولية (البنك والصندوق الدوليين) والقروض البنكية والمساعدات العربية والدولية المشروطة والمدفوعة الثمن،حيث شجعت الموظفين على  الإستدانة والإقتراض من البنوك،من اجل تحسين شروط وظروف حياتهم المعيشية،بحيث أصبح مصير هؤلاء الموظفين بيد السلطة ومدى قدرتها على صرف الرواتب،فالراتب من أجل تسديد تكاليف المعيشة والقروض من البنوك،قروض سكن،شراء أرض،سيارة،تعليم،زواج وغيرها،تجعل الموظف يعلي ويقدم شأن العامل الإقتصادي فوق أي عامل آخر،وبالتالي يطأطء الرأس ويستجيب ويخضع لما تريده السلطة أو ما تتخذه من مواقف وقرارات.

ولا يغيب عن بالنا عامل آخر في هذا الجانب على درجة عالية من الأهمية،بأن الأحزاب والفصائل والمفترض ان تشكل وتقود الإنتفاضة،اوضاعها محزنه،فهي تعيش ازمات عميقة بنيوية،واوضاعها الداخلية أقرب الى حالات هلامية منها تنظيمات صلبة ومتماسكة وموحدة الإرادة والفعل،وقيادتها مترددة وغير مبادرة،وهي أقرب الى التكلس والجمود والنمطية،وتعيش حالة من الإغتراب والإنعزال عن الجماهير في إطار الفعل والمبادرة والتصدي لجرائم ومشاريع الإحتلال.

رغم كل التموجات والغليان في المرجل المقدسي عبر حالة متقطعة من الهبات الجماهيرية،فنحن لسنا على أبواب انتفاضة شعبية  عارمة،رغم وصول الوضع في القدس الى حالة التأزم وذورة الأزمة،إحتلال يشن حرب شاملة على المقدسيين في كل المجالات والميادين،حتى أنه  يستهدفهم في تفاصيل ومناحي حياتهم اليومية،يتصدون ويقامون،يفشلون مخططاً او مشروعاً للإحتلال هنا او هناك،ولكن لا تصل الأمور الى مرحلة الإنتفاضة الشعبية العارمة،فالإنتفاضة ليست مسألة إرادوية أو إسقاطية،بالضرورة ان تتوفر لها أركان وعناصر،القيادة والتنظيم والهدف والمشاركة الشعبية الواسعة والكبيرة،كما حدث في إنتفاضة الحجر الأولى كانون اول/1987 ،مع التأكيد على أن إندلاع انتفاضة ثالثه لا يعني بأن تكون نسخة كربونية عن الإنتفاضتين الأولى والثانية،حيث تغيرت الظروف والأوضاع والتجارب والخبرات والحقائق،والمشهد الدولي والإقليمي والعربي،وكذلك الفلسطيني.

اذا كانت الأوضاع في القدس ناضجة لإنتفاضة شعبية،فهي على المستوى الفلسطيني العام غير ناضجة،حيث ان واحد من عوامل التحول في الوضع الفلسطيني في القدس والضفة الغربية نحو الإنتفاضة الشعبية ،هو إقدام السلطة الفلسطينية على تطبيق قرار المجلس المركزي في شباط الماضي بوقف التنسيق الأمني مع الإحتلال،هذا القرار الذي من الواضح انه لم يجر أية ترجمة عملية له،بل كل الدلائل تشير بان السلطة الفلسطينية ما زالت ترى بالرهان على العمل السياسي والمفاوضات والجهد او العمل المقاوم السلمي ،خياراً لها في مواجهة "التغول" و"التوحش" الإسرائيلي،وزيادة وتائر القمع والإعتداءات والإستيطان.

والعامل الفلسطيني،ليس وحده غير ناضج أو مالك لإرادة الشروع في إنتفاضة جماهيرية ناضجة ظروفها الموضوعية،بل الحاضنة العربية للفلسطينيين،هي الأخرى في أعلى درجة الأزمة والإنهيار
،حيث نرى بأن هناك حالة من التردي والإنهيار غير المسبوق،فلم تعد القضية الفلسطينية،هي قضية العرب والمسلمين الأولى،وكذلك بعض أطراف النظام الرسمي العربي المنهار،لم تعد ترى في اسرائيل العدو الأول والمباشر للعرب والفلسطينيين،بل عمق التحولات الحاصلة والجارية في بنية النظام الرسمي العربي غيرت من دوره،وظيفته،تحالفاته وعلاقاته واولوياته،حتى وصل الأمر بالعديد من اطرافه،ليس فقط التآمر على القضية الفلسطينية،بل حد التنسيق والتحالف مع الإحتلال،ولكي تصل الأمور  حد التنسيق والتعاون بالعمل على تهدئة الأوضاع في مدينة القدس.

إن المرجل المقدسي سيواصل الغليان صعوداً وهبوطاً،ولكن يبقى الحديث عن إنتفاضة شعبية الآن رهناً بالتطورات على الوضع الفلسطيني العام،وحالة الإشتباك والصراع مع المحتل ستبقى قائمة ومحتدمة،ما دام الإحتلال قائماً،ويخطط لطرد وتهجير المقدسيين،بسياساته العنصرية وقوانينه وتشريعاته وعقوباته الجائرة،والتي كان آخرها قرار محكمة العدل العليا "الإسرائيلية" تطبيق ما يسمى بقانون املاك الغائبين على أراضي وممتلكات المقدسيين المقيمين في الضفة الغربية،وحالة الإشتباك والفعل الإنتفاضي،قد تقلب الطاولة وتخلط الأوراق وتغير من المعادلات القائمة،في ظل حالة من التخبط والإرباك الإسرائيلي،لصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه ومشروعه الوطني،إذا ما احسنا الإستثمار،ويمكن أن تقودنا حالة التخبط وفقدان السيطرة،وغياب التنظيم والفعل القيادي الموحد والهدف إلى حالة من الفوضى بما يحقق الأهداف الإسرائيليّة. فهل نجرؤ على الاختيار الصحيح أم يقضي علينا الانقسام والخشية من المجابهة المفروضة؟.

الأحد، 26 أبريل، 2015

جحود المتلقي مقابل كرم المانح/ د. عبدالله المدني

المتابع للتغريدات المتداولة في الخليج، ولاسيما بين شباب دوله الأكثر ثراء من تلك التي التزمت منذ عقود طويلة بمد يد العون الى الدول العربية والاسلامية، قروضا وهبات ونفوط مجانية ومساعدات تنموية، يلاحظ وجود حالة من التذمر لدى هؤلاء بسبب ثلاث حالات منفصلة ثبت فيها مجددا أنّ المتلقي أدار، في أوقات الشدائد والمحن، ظهره للمانح مبررا عمله بتبريرات واهية أو طارحا مواقف متناقضة.
كلنا يتذكر كيف عضّ صدام حسين اليد التي أعانته في حربه الطويلة مع إيران في الثمانينات، بغزوه الكويت وتهديده دول الخليج الأخرى. وكلنا يتذكر كيف كان الفلسطينيون يحتفلون ويوزعون الحلوى مع سقوط كل صاروخ عراقي على دول الخليج التي لم تقصر يوما في دعم قضيتهم. وقتها لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي متوفرة بشكلها الحالي، وإلا لكان المتداول من التغريدات أكبر حجما وأعنف خطابا. لكن هذا ليس موضوعنا، لأنه بات شيئا من الماضي الذي نحاول نسيانه.
على أنّ المشكلة تكمن في أنه كلما حاولنا النسيان تكرر الحدث نفسه بأبطال آخرين، وهذا ما سيقودنا إلى الحالات الثلاث التي أججت مواقع المغردين الخليجيين مؤخرا.
فاليمن تلقى مساعدات بلغت نحو 60 مليار دولار من المملكة العربية السعودية وحدها، دعك من استئثارها دوما بنصيب الأسد من برامج التنمية والقروض الخليجية. لكن طائفة من أبنائه ممثلة بالحوثيين طعنتنا في الظهر بالإصطفاف مع النظام الفقهي الايراني التوسعي، وترويج الأكاذيب عن دولنا، والاعتداء على الحدود الجنوبية للسعودية. والشيء ذاته فعله أنصار المخلوع علي عبدالله صالح  الذي كان على حافة الموت بسبب  ما أصابه في تفجير جامع النهدين في يونيو 2011، فامتدت له يد الرياض الحانية لتمكنه من البقاء على قيد الحياة، وهاهو يعض تلك اليد على رؤوس الاشهاد عبر تعاونه مع الحوثي والايرانيين، في ظاهرة يصدق معها قول الشاعر: إذا انت أكرمت الكريم ملكته وإذا أنت أكرمت اللئيم تمردا.
أما لبنان فقد كان طفل السعودية والخليج المدلل بدليل جهود الرياض المعروفة لجمع أطرافه في الطائف من أجل وقف نزيف حربه الاهلية العبثية، وبدليل دعم دول الخليج لمشروع إعادة تعميره بقيادة الشهيد رفيق الحريري، ناهيك عن الموقف الحاسم للرياض وشقيقاتها الخليجيات في دعم هذا البلد أثناء العدوان الاسرائيلي عليه في صيف 2006 حينما قال المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز: "إن دعم لبنان واجب علينا جميعا ومن يقصّر في دعمه فهو مقصر في حق نفسه وعروبته وانسانيته"، وهو ما عززه الملك الراحل لاحقا بتقديم هبة الثلاثة بلايين دولار من قوت شعبه لتسليح الجيش اللبناني. لكن بعض اللبنانيين ممثلين في حزب الله وحلفائه تنكروا لكل شيء وراحوا يديرون اسطوانة الشتم والسباب ضد عملية عاصفة الحزم ويروجون الدعايات المضللة. ولو أنّ الأمر اقتصر على هذا، لما كان الوضع مستهجنا ولقرأناه في سياق حقيقة أن زعيم دولة الضاحية الجنوبية هو بوق لأسياده في طهران ومنفذ لأوامرهم. لكن المشكلة هي أن لبنان الرسمي لم يتورع عن إيذاء مشاعر السعوديين واخوتهم الخليجيين وهم يخوضون حرب عاصفة الحزم، وذلك حينما قام تلفزيونه الرسمي، المفترض فيه عدم الانحياز إلى مواقف الجماعات والميليشيات السياسية، بإعادة بث مقابلة حسن نصرالله مع التلفزيون الرسمي السوري بكل ما تضمنته من بذاءة لسان ولغة شتم وسباب وأحقاد وعنتريات، دون أن تكلف الحكومة اللبنانية نفسها بشيء سوى تقديم وزير إعلامها لإعتذار باهت، سرعان ما تراجع عنه قائلا أنه اعتذار شخصي لا يمثل الحكومة.
لن نتوسع في كل ما سبق ونقفز الى الحالة الثالثة ممثلة في رفض البرلمان الباكستاني دعم تحالف عاصفة الحزم او المشاركة فيه بعدما كان رئيس الوزراء نواز شريف قد أوهمنا فور بدء عمليات التحالف بأن بلاده جزء منها. والحالة الباكستانية مثال آخر للدولة غير العربية التي غرفت من الخزائن الخليجية ما لم تغرفه أي دولة أخرى دون أنْ تقدم أي مقابل، بل التي ـ في الواقع ــ أضرت بأمن دولنا حينما خلقت ودعمت نظام طالبان الأفغاني، ولم تلجمه حتى بعدما تأكدت من احتضانه ودعمه لتنظيم القاعدة وتمكينه من الاعمال الارهابية. وهاهي باكستان نواز شريف الذي أنقذت السعودية رقبته من مشنقة برويز مشرف واستضافته في جدة تدير اليوم ظهرها لنا بحجج واهية مع تناقض في مواقفها. 
فتارة هي تفضل الوقوف على الحياد من أجل أن يشفع لها ذلك بلعب دور الوسيط، وتارة أخرى تقول أنها ضد القتال في اليمن لكنها مع الدفاع عن أراضي الحرمين وكأنما الأمران غير مرتبطين. ولعل هذا ما جعل مسؤول خليجي بارز يقول علانية لأول مرة في تاريخ العلاقات الباكستانية الخليجية " أن اسلام آباد بهكذا مواقف ستدفع الثمن غاليا".
وقد تبرع البعض فقدم تفسيراته الخاصة لهذا الموقف الباكستاني. فمنهم من قال أنّ السبب هو ضعف تواصل بلادنا مع قادة الرأي ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب الباكستانية. ومنهم من قال الشيء نفسه مضيفا إليه أنّ الايرانيين كانوا أذكى في هذا السياق فتمكنوا من شراء ولاء قيادات سياسية وحزبية باكستانية في وقت مبكر. ومنهم من عزا السبب إلى مخاوف باكستان من ردود فعل عسكرية إيرانية إزاءها، متناسيا أنها تملك قوة ردع نووية تستطيع التلويح بها أمام الايرانيين، وقت الضرورة. ومنهم من برر نأي باكستان لنفسها بالخوف من ردود أفعال شيعتها، متجاهلا أنّ شيعة باكستان لا يشكلون سوى 15 بالمائة من عدد السكان فقط وأنّ لا تأثير حقيقي لهم في التوازنات الداخلية. وكان هناك فريق آخر برر الموقف الباكستاني بالقول أنّ باكستان لا تستطيع مساعدة دول أخرى عسكريا لأنها في حالة حرب مع الهند والجماعات الجهادية في وزيرستان وانفصاليي بلوشستان. 
وأخيرا خرج من المحللين من حاول التذاكي وطمأنة دول الخليج، بالقول أنّ نواز شريف ليس ملزما بقرار برلمانه، وأنه سيرميه في سلة المهملات. 
 عبارة الهامش:
الحالة الباكستانية مثال آخر للدولة غير العربية التي غرفت من الخزائن الخليجية ما لم تغرفه أي دولة أخرى دون أنْ تقدم أي مقابل
د. عبدالله المدني
*باحث ومحاضر في الشأن الآسيوي من البحرين
تاريخ المادة: ابريل 2015 
البريد الالكتروني: Elmadani@batelco.com.bh 

الجمعة، 24 أبريل، 2015

لماذا هذه القوة العربية المشتركة/ نقولا ناصر

(أبرمت معاهدة الدفاع العربي المشترك لمواجهة العدوان الخارجي على الدول الأعضاء منفردة أو مجتمعة، مثل احتلال فلسطين والعراق والجولان وسيناء وجنوب لبنان وغزو ليبيا، لكن من الواضح أن القوة العربية المشتركة المقترحة غير معنية بذلك بتاتا)

عندما لا تكون "فلسطين" على جدول أعمال القوة العربية المشتركة التي يجري الإعداد لإنشائها الآن، وتكون القوى الأساسية الداعية لها في حالة "سلم" مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ومتحالفة استراتيجيا مع راعيها الأميركي وتكون دولها الرئيسية في "شراكة" مع حلف "الناتو"، وتكون سوريا بما تمثله من ثقل استراتيجي في الأمن القومي العربي خارجها، ويتحفظ عليها العراق والجزائر، فإن مثل هذه القوة لا يسعها الإدعاء بأن هدفها هو حماية "الأمن القومي العربي" كما قال البيان الختامي لقمة القاهرة العربية في آذار/ مارس الماضي التي قررت إنشاء قوة كهذه.

ناهيك عن شبهة الاصطفاف الطائفي للقوة المقترحة التي تهدد بتوسيع الفجوة بين الوطن العربي وبين محيطه الإسلامي من ناحية وتهدد من ناحية أخرى بتعميق الاستقطاب الطائفي المهدد بدوره للوحدة الوطنية في كل قطر عربي على حدة.

وهذه ليست المحاولة الأولى لجامعة الدول العربية لإنشاء قوة كهذه. فجيوش الدول العربية السبع المسؤولة عن النكبة العربية في فلسطين عام 1948 بادرت بعد هزيمتها آنذاك إلى إبرام معاهدة الدفاع العربي المشترك في السابع عشر من حزيران عام 1950 التي انبثق عنها مجلس الدفاع العربي المشترك الذي تجري الآن محاولة إحياء جثته المحنطة في ادراج الجامعة العربية كمرجعية للقوة العربية المشتركة الجديدة.

والقيادة العربية المشتركة التي تم استدعاؤها على عجل من متحف الجامعة العربية قبل حوالي شهر من العدوان الذي شنته دولة الاحتلال على أربع من دول "الطوق" العربية عام 1967 هي المسؤولة عن "النكسة" العربية في تلك السنة.

و"قوة الردع العربية" التي أنشاتها الجامعة العربية عام 1976 لاحتواء الحرب الأهلية اللبنانية التي أشعلها استقطاب المحاور المتصارعة فيها أطالت أمد الحرب الأهلية حتى عام 1989 عندما تم التوصل إلى اتفاق الطائف لينتهي المطاف بقوة الردع هذه إلى مجرد وجود عسكري سوري بغطاء عربي لم يمنع "حرب المخيمات" الفلسطينية ولا منع غزو دولة الاحتلال لجنوب لبنان وصولا إلى العاصمة بيروت عام 1982.

وفي إطار عربي أضيق جاءت قوة "درع الجزيرة" التي أنشأتها الدول الست الأعضاء في مجلس تعاون دول الخليج العربية عام 1984 لتوكل مهمة الدفاع عنها في مواجهة "الجمهورية الإسلامية" في إيران إلى العراق وجيشه ليقاتلا حتى آخر عراقي طوال ثماني سنوات بينما اكتفت دولها بالدعم المالي والسياسي والإعلامي.

ولم يكد يتم وقف إطلاق النار في الحرب العراقية – الإيرانية حتى نشبت الأزمة العراقية – الكويتية لتجد "الجزيرة" أن "الدرع" الأميركي هو الوحيد الذي استطاع أن يحوّل "محافظة كاظمة" العراقية إلى "دولة الكويت" ثانية، فالقيادة العسكرية لقوات درع الجزيرة التي انضمت إليها قوات مصرية وسورية كانت مجرد قيادة "موازية" رمزية للقيادة العسكرية الأميركية في "عاصفة الصحراء" على القوات العراقية في الكويت عام 1991.

وكانت استجابة قوة درع الجزيرة للتدخل في البحرين عام 2011 بطلب من حكومتها الشرعية لاحتواء الحراك الشعبي الواسع المتواصل لتاريخه هو الانجاز الوحيد لها حتى الآن بينما أثار عدم مشاركة سلطنة عمان في "عاصفة الحزم" على اليمن والنتائج السلبية التي تمخضت عنها هذه "العاصفة" حتى الآن أسئلة جادة حول وحدة قوة درع الجزيرة ودورها الإقليمي.

واليوم يجري الحديث عن إنشاء "قوة عربية مشتركة" قوامها حوالي أربعين ألف جندي مدعومين بالمدرعات والطائرات والسفن الحربية، ومهما كان النقصان أو الزيادة في عديدها أو في تسليحها في حال تم الاتفاق فعلا على إنشائها فإنها بالتأكيد لن تكون ندا عسكريا لإيران ولا لدولة الاحتلال، لتكون مهمتها كما هو مخطط لها هي إنشاء "قوة للتدخل السريع" في صراع المحاور العربية من جهة وفي الشأن الداخلي للدول العربية كما جرى في "عاصفة الحزم" على اليمن كمثال دموي حديث لم تجف دماؤه بعد.

ففي الاجتماع الذي عقده ثمانية عشر من نظرائه العرب في القاهرة يوم الأربعاء الماضي برئاسة مصرية وحضور الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي كخطوة إجرائية أولى تنفيذا لقرار القمة العربية السادسة والعشرين قال رئيس أركان الجيش المصري الفريق محمود حجازي إن الهدف من إنشاء القوة المشتركة هو "التدخل السريع بناء على طلب من الدولة المعنية وبما لا يمثل أي انتقاص من سيادتها واستقلالها" في حال كانت "المواجهة الأحادية من جانب القوة المسلحة الوطنية داخل حدود البلد الواحد غير كافية".

وفي هذا السياق لا يوجد ما يسوغ أي تشكيك في صدقية بيان المتحدث العسكري المصري العميد محمد سمير في ختام اجتماع رؤساء الأركان يوم الخميس الماضي بأن القوة المشتركة "ليست موجهة ضد أي دولة، ولا تمثل محورا أو تحالفا أو تهديدا لأحد، وإنما تهدف إلى محاربة الإرهاب وحماية الأمن القومي العربي".

فخلاصة هذا التصريح هي أن القوة المشتركة المأمولة تستهدف حماية أنظمة الحكم القائمة من أي تغيير لها فحسب وأنها موجهة للداخل العربي وليس لحماية الأمن القومي في مواجهة أي تهديد خارجي له، بعد أن ازدادت شكوك دول الخليج العربية التي تتحكم بقرار الجامعة العربية حاليا في الضمانات الأميركية لأمن أنظمتها في ضوء اتفاق الإطار الأخير على البرنامج النووي الإيراني.

وإذا كانت "عاصفة الحزم" على اليمن التي أضفت قمة القاهرة العربية شرعية الجامعة العربية عليها في آذار الماضي هي النموذج الذي سوف يحتذى به في ممارسة القوة المشتركة لتفويضها كما شرحه الفريق محمود حجازي فإن "الأمن القومي العربي" مقبل على مرحلة لم يشهد لها مثيلا من قبل من الصراع العسكري العربي بين الدول من جهة وبين الحكومات وبين شعوبها من جهة أخرى.

فهذه وصفة مثلى لحماية انظمة حكم قائمة تستمد "شرعيتها" من خارج أوطانها القطرية سواء بدعم من أنظمة حكم عربية مماثلة أو بدعم أجنبي وليس من شرعية انتخابية أو شرعية ثورية، لتتحول القوة المشتركة المأمولة إلى أداة لحماية أنظمة الحكم القائمة ولقمع أي حراك شعبي لتغييرها، كما أنها وصفة مثلى للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية بما يرقى إلى انقلاب على ميثاق جامعة الدول العربية الذي يحظر ذلك.

فعلى سبيل المثال، تحظر المادة الثامنة من الميثاق التدخل في الشأن الداخلي لأي دولة عضو في الجامعة، كما تنص معاهدة الدفاع المشترك لسنة 1950 في مادتها الأولى على تسوية المنازعات ب"الطرق السلمية" بين الدول العربية وبينها وبين غيرها من الدول.

والمفارقة أن معاهدة الدفاع المشترك تنص في مادتها العاشرة على تعهد الدول المتعاقدة عليها بعدم "إبرام أي اتفاقيات دولية قد تتناقض مع نصوص هذه المعاهدة" وبعدم إقامة "علاقات دولية بطريقة قد تتعارض مع أهداف هذه المعاهدة".

لكن الدول الأساسية الداعية لإنشاء القوة العربية المشتركة اليوم هي إما دول عربية موقعة على معاهدات منفردة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي مثل مصر والأردن أو ملتزمة من جانب واحد بالجنوح إلى السلم معها، وهي كذلك منخرطة في اتفاقيات أمنية مع الولايات المتحدة الأميركية أو في اتفاقيات "شراكة" مع حلف "الناتو"، وهذه المعاهدات والاتفاقيات تتناقض تناقضا صارخا مع بنود أساسية في معاهدة الدفاع العربي المشترك.

والأدهى أن هذه الدول ذاتها تدعي أيضا التزامها بمعاهدة الدفاع المشترك التي تعدّ في مادتها الثانية "أي عدوان مسلح ضد اي واحدة أو أكثر منها أو على قواتها المسلحة عدوانا موجها ضدها جميعا"، وهي الدول ذاتها التي دعمت ودعت إلى التدخل العسكري الأجنبي في دول عربية كالعراق وليبيا وسوريا وما زالت على استعداد للاستقواء به مجددا.

فقد أبرمت معاهدة الدفاع العربي المشترك لمواجهة العدوان الخارجي على الدول الأعضاء منفردة أو مجتمعة، مثل احتلال فلسطين والعراق ولجولان وسيناء وجنوب لبنان وغزو ليبيا، لكن من الواضح أن القوة العربية المشتركة المقترحة غير معنية بذلك بتاتا.

ويظل السؤال الملح قائما: هل الدول العربية الداعية إلى إنشاء القوة المشتركة الجديدة مستعدة لوضع هذه القوة في خدمة عرب فلسطين ومقاومتهم الوطنية وفي خدمة "دولة فلسطين" التي تعترف هذه الدول بها في مواجهة الاحتلال الذي لم يعد خطرا يهدد فلسطين وحدها بعد ان احتلها بكاملها بل على الأمن القومي العربي برمته؟!

لقد مثل "فلسطين" في اجتماع رؤساء الأركان العرب قائد الشرطة اللواء حازم عطا الله وقائد الأمن الوطني اللواء نضال أبو الدخان في "السلطة الوطنية الفلسطينية" بالضفة الغربية المحتلة، وليس من المتوقع أن تكون مشاركتهما أكثر من مجاملة بروتوكولية عربية لفلسطين تستهدف الايحاء المغلوط بأن القضية الفلسطينية ما زالت موضع اهتمام الدول العربية المشاركة، فهما ليس في وضع من هو مؤهل عسكريا أو سياسيا لأي دور فاعل في القوة المشتركة المأمولة.

وليس من المتوقع كذلك أن يكون الرجلان قد طلبا من قادة الجيوش الثمانية عشر وضع القوة المشتركة في خدمة النضال الوطني العادل لشعبهم من أجل مقاومة الاحتلال والتحرر وتقرير المصير.

* كاتب عربي من فلسطين
* nassernicola@ymail.com         

المشروع الوطني الفلسطيني في أوروبا/ علي هويدي

منذ أن تم التوقيع على إتفاق أوسلو في أيلول من العام 1993 وحالة الإستقطاب السياسي الفلسطيني الآحادي تأخذ شكلها العامودي والأفقي، سواءً على مستوى القيادة السياسية وعلى نسبة ليست بالقليلة من شعبنا الفلسطيني ممن تأثروا فيها ورددو كلماتها أحياناً دون وعي وإدراك، لتبلغ ذروتها مع فوز حركة "حماس" في الإنتخابات التشريعية في العام 2006 وتشكيل الحكومة الفلسطينية برئاسة "حماس"، لتأتي أحداث غزة في العام 2007، لتفاقم من حدة الإستقطاب بتكريس حالة من الإنقسام المقيت..! 
تلعب حدة التجاذبات السياسية دوراً بارزاً في التأثير السلبي المباشر على المشروع الوطني الفلسطيني بمعناه الجامع، فكان على حساب خسارة الوقت والجهد والإمكانات والرؤية الاستراتيجية للمشروع، وفي المقابل لا يبدو بأن هناك في الأفق ما يلوح بشيئ جِدي كمحاولة إلى رأب الصدع الوطني إلى غير رجعة..!
وعلى مدى سنوات الإنقسام، لم تتوقف الرحلات المكوكية للقيادة الفلسطينية وإبرام الإتفاقات وبرعايات كريمة من دول عربية وإسلامية، من الدوحة إلى اليمن إلى مصر فالسعودية وقطر وتركيا وإيران إلى وثيقة الأسرى وغيرها.. وآخرها ما تم التوقيع عليه وما بات يعرف باتفاق مخيم الشاطئ في قطاع غزة في 24/4/2014، لكن لا تكاد تجف حبر كلمات الإتفاق إلا وتبدأ جولة جديدة من التراجعات و"لحس ما تم الإتفاق عليه"، سواءً بسبب تدخلات خارجية، أو لحسابات سياسية داخلية، بحيث كل طرف يضع الملامة في التعطيل على الطرف الآخر، وبين هذا وذاك يدفع الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج أثماناً باهضة على المستوى السياسي والإنساني وآخرها النكبة الثانية التي يتعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في سوريا في ظل غياب مرجعية فلسطينية موحدة قادرة لأن يكون لها دور مؤثر..!
في المقابل نجح فلسطينيو أوروبا بالتقاط منهجية الحصانة الوطنية واستبعاد – وإلى حد كبير - حالة الاستقطاب الذاتية والتركيز على الجامع الوطني والإلتقاء على المفاصل الوطنية الجامعة كرصيد كمي ونوعي تم تأصيله والتقعيد له بشكل إستراتيجي لينمو ويكبر ويوجِد مساحة من التفاعل على مستوى القارة الأوروبية وخارج حدود القارة، فمن مؤتمر قلسطينيو أوروبا الأول الذي عقد في العاصمة البريطانية لندن عام 2003 الى النسخة الجديدة المعدلة للمؤتمر رقم 13 الذي سيعقد في 25 الجاري في العاصمة الألمانية برلين، فخلال أكثر من عقد من الزمن شكَّل المؤتمر بديمومة انعقاده سنوياً محطة جامعة لكافة الفسيفساء والطيف الفلسطيني وغير الفلسطيني وبتوجهاته السياسية المختلفة وحمل شعار "فلسطين تجمعنا والعودة موعدنا"، وأنجب ولَّادات لها مكانتها وتأثيرها في الوسط الفلسطيني وفي العالم الغربي والعربي والإسلامي على مستوى إنشاء المؤسسات المتخصصة بقضايا اللاجئين والعمل النقابي والأدبي والفكري والثقافي والفني والأكاديمي..، لتكون فلسطين أكبر وأهم من الحزب ومن التنظيم، وإن كان هناك ما يُختلف فيه، فهناك الكثير مما يُتفق عليه، وعلى هذه القاعدة الذهبية يستشعر الوجود الفلسطيني في أوروبا الذين اختاروا هذا العام عنواناً لمؤتمرهم "فلسطينيو أوروبا والمشروع الوطني الفلسطيني" ليشكل حاضنة ورافعة معنوية وسياسية ووطنية للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ومقدمة للعب دور رئيسي وأساسي من التمثيل الفلسطيني ولتكريس المرجعية الفلسطينية الموحدة، وبهذا المعنى ليس غريباً أن يحمل المؤتمر هذا العام ذاك العنوان، وأن يُهاجم وبشراسة على الصفحات الصفراء..!
*باحث وكاتب في الشأن الفلسطيني

الأربعاء، 22 أبريل، 2015

ورحل (الخال) شاعر الغلابة عبد الرحمن الأبنودي/ شاكر فريد حسن

فقد الشعر العامي المصري والعربي أحد رموزه ورواده وأعلامه الساطعة ، هو الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي المعروف بـ "الخال" ، الذي توقف قلبه عن الخفقان ولفظ أنفاسه الأخيرة مودعاً الكون ، بعد حياة زاخرة بالإبداع الشعري والنضال السياسي ، الذي جعله نزيلاً في المعتقلات والسجون المصرية في بعض مراحل حياته . ومن المفارقات أن يموت ويرحل في ذكرى رحيل صديقه الشاعر الراحل صلاح جاهين .
الأبنودي هو من أبرز شعراء العامية في مصر والوطن العربي ، ومعه وعلى يديه شهدت القصيدة الشعبية العامية تحولاً واضحاً وقفزة نوعية ومرحلة انتقالية مهمة في تاريخها . وقد تحولت قصائده إلى أغان أنشدها وصدح بها كبار المطربين المصريين أمثال العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ومحمد رشدي ونجاة الصغيرة وشادية ومحمد منير وسواهم . وحملت أشعاره هموم الناس البسطاء وعبرت عن خلجات ونبضات قلوبهم ، وعكست مشاعره وعواطفه العفوية المتدفقة ، مواقفه السياسية والحياتية ، تجلياته وانكساراته .
جاء الأبنودي إلى هذا العالم سنة 1939 في قرية أبنود بمحافظة قنا بصعيد مصر ، وينتمي إل أسرة دينية محافظة ، أنهى دراسته الأكاديمية بكلية الآداب في جامعة القاهرة ونال شهادة البكالوريوس في اللغة العربية .
 برزت موهبته الشعرية منذ نعومة إظفاره ، وتفجرت قريحته في "قنا" التي عاش وترعرع فيها ،ولعب مع أترابه في أحيائها وأزقتها ، متأثرا بأغاني السيرة الهلالية التي كانت رائجة ومنتشرة في تلك الفترة ، وكان شغوفاً  بشعر المتنبي والمعري . أجاد وأتقن كتابة الشعر العامي القريب من الذائقة الشعبية ، وتميز بالأهازيج الشعبية والأغاني الحماسية ،التي تجسد الأصالة وحال الشعب المقهور المعذب المثخن بالجراح وواقع الأمة العربية المنكوبة .
امتاز الأبنودي بالطيبة والوداعة وخفة الدم والصراحة الشديدة ، والوفاء للمبدأ والموقف الثوري ، والإخلاص لقضايا الوطن والحرية والشعب والأمة . وكان قريباً من هموم الفقراء وبسطاء الشعب والمقهورين والمسحوقين ومن أحلام الإنسان المصري . 
عاش التحولات السياسية والاجتماعية في مصر،وعايش الانتكاسات والهزائم العربية ، وانتقد بشكل لاذع الرئيس المصري الراحل أنور السادات لمواقفه الانهزامية الاستسلامية الخنوعة ، وساهم في الدفاع عن القيم الجمالية والإنسانية ، وصقل شخصية المصري الثائر المتمرد الرافض للقهر والظلم والاستبداد والاضطهاد الطبقي . 
صدر للأبنودي 22عملاً شعرياً ، أهمها وأبرزها : الأرض والعيال ، السيرة الهلالية ، الاستعمار العربي ، الزحمة ، جوابات حراجى القط ، أنا والناس ، وبعد التحية والسلام ، وجوه على الشط ، صمت الجرس ، المشروع والممنوع ، المد والجزر، الأحزان العادية ، الموت على الإسفلت " وغير ذلك .
 قصائد الأبنودي وأشعاره الوطنية والسياسية والعاطفية والوجدانية تعكس روحه الشعبية وإحساسه المرهف ، وتنبض بأوجاع وآلام الناس الغلابة وتصف هموم الحياة القاسية ، وشكلت متنفساً لملايين الناس الجياع والمقهورين والمضطهدين الباحثين عن وطن الحرية والشمس والفرح والسلام والوئام . وهو لا يعيش محصوراً بين جدران ذاته وهمومه الفردية الخاصة ، فالإنسان دينه وديدنه ، والوطن دائماً في قلبه حتى وهو يتحدث عن أحواله الروحية .
الأبنودي شاعر شعبي صاحب ذهن عميق وثقافة واسعة ورؤية واضحة ، انغمس والتصق بهموم الفقراء والناس البسطاء ، وعاش أحاسيسهم وأوجاعهم وأحلامهم . إنه شاعر البساطة والبعد عن التعقيد ، وصاحب التعبير الفني الجميل ، والأسلوب السهل الممتنع . وهو يمتلك ناصية الكلام ويجيد سبك الكلام ، وظل مخلصاً لفنه ولما يؤمن به من رؤية خاصة للأدب والحياة ومن التزام سياسي وانحياز طبقي .
خلاصة الكلام ، عبد الرحمن الأبنودي قامة شعرية إبداعية ، وقيمة وطنية كبيرة ، وشاعر عظيم حظي بشهرة واسعة ، وأحتل مكانة رفيعة على نطاق واسع بين الأدباء والشعراء والمثقفين وبين صفوف الشعب ، الذي أحبه وانحاز إليه وانتصر لقضاياه . وإذا  كان مات جسداً فسيبقى حياً إلى الأبد بشعره الصادق العفوي الشفاف وسيرته الحياتية الطيبة النقية الصافية .

الثلاثاء، 21 أبريل، 2015

البسْطيّاتُ تتكىءُ على حزنِ دجلة/ كريم عبدالله

في ( نفقِ التحرير )* يدخلُ الصباحُ المهيّء للأجهاض .../ يومضُ الليلُ المنهكَ في عرباتِ الباعةِ الجوّالينَ ..../ تتعثرُ الأرصفةُ بــ الأمنياتِ تتدحرجُ على إسفلتِ الشظايا ........
(نصبُ الحريّةِ )* يئنُّ وقدْ جرّدهُ اللصوصَ يتفيّئونَ تحتَ أحلامهِ  .../ كلّما تشدُّ ( ساحةَ الطيران )* حزامَ الأمان يتطايرُ أشلاءاً على السطوح .../ (بسْ تعالوا .... )* مرّروا الجرائدَ على أنامل تشكو وطاويطَ صلَةَ القربى تهرُّ الأفكارُ تنبشُ إشاراتِ المدنّسةِ تنقضُّ محدودبة .../ أطفأَ غليونهُ ( فائق )* ولملمَ فراشاتهِ النازفة فرحاً أحمر ..../ حينَ زعقتْ سيّارة إسعافٍ شمّطاءَ تحملُ نهاراً أخيراً ............/ بينما واجهاتُ المباني دخّنتْ يُسكرها مكائد الآخرين .....
تجاعيدها الموحلةِ عشعشَ فيها الفارّينَ يحوّمونَ حولَ صدغيها ../ يفكّكونَ ساعاتها المتدلّيةِ على أبوابِ المآذنِ الملغومةِ .../  طارئون يشنقونَ خصلاتها على أبوابِ معابدِ الغيّ ....
أورقَ تابوتُ يرطنُ حقدهُ الدفينَ كـــ صرخةٍ عاليةٍ .../ يكتمُ ما يساورهُ منطوياً منْ وجعٍ يستثقلُ تأملهُ في مرآةٍ خشنة .../ يتغاضى عنْ ( صجمٍ )* مزروعاً في ( البابِ الشرقي )* يختبرُ زجاجَ ( الكيّاتْ )* .....
يرتبكُ العصفُ مدغدغاً خناقَ ( البسطيّاتْ )* ........./ تعتصرُ ( الخلّاطات )* العمياء غابات الحزنِ متورّدةً بــ الفوران .../ وأقداحُ الشاي ولّتْ منكسرةً ولمْ تعقّبْ خلفَ الصكوك ............
برتقالُ الجحيمِ ركضَ متعثراً على سكّةِ الفتيلةِ .../ رتّقَ عطشي على نقّالةٍ مهوسةٍ بــ الصدأ .../ أمضاني وحيداً متعكّزاً في شارعِ ( الشيخ عمر )* مجهولَ الرأس ...........

البسْطيّاتُ : اصحاب البسطيّات هم من يبع على الارصفة .
نفقِ التحرير: في ساحة التحرير في قلب مدينة بغداد يوجد هذا النفق .
نصبُ الحريّةِ : هو رمز لمدينة بغداد عبارة عن نصب كبير للفنان العراقي جواد سليم .
ساحةَ الطيران : ساحة في وسط بغداد يكثر فيها الباعة المتجولين ومن يتخذ الارصفة مكانا لعرض بضاعته , وهي تغصّ دائما بالمارّة .
بسْ تعالوا : مقطع من اغنية عراقية .
فائق : هو الفنان التشكيلي العراقي الكبير فائق حسن .
صجمٍ : قطع حديدية توضع في العبوات الناسفة وفي السيارات المفخخة .
البابِ الشرقي : وسط مدينة بغداد وهو كراج كبير للمسافرين .
الكيّاتْ : هي سيارات كيا .
الخلّاطات : الة تستخدم لعصر الفواكه
الشيخ عمر : شارع لذوي المهن والمحال التجارية يزدحم دائما بالمارّة .

بغداد
العراق

الاثنين، 20 أبريل، 2015

خلى بالك يا ريس/ الدكتور ماهر حبيب

السلفيين وأعوانهم خرجوا على السادات وقتلوه بالرغم من أنه أطلق لهم العنان ليفترسوا فكر الشباب وأطلق السادات على نفسه لقب الرئيس المؤمن وأسمى الدولة دولة العلم والإيمان وتركهم يمرحون فى الدولة حتى قتله نفس التيار الذى أنشأه وكان جزاءه مثل جزاء سنمار فخانوه وقتلوه.

وجاء مبارك وأخرجهم من السجون وأعطاهم الأمان وترك لهم الحبل على الغارب وحينما ظهرت بوادر تمرد يناير حتى أفتوا بتحريم الخروج على الحاكم ولكن بعد أن أفلت شمس مبارك تحولوا إلى النقيض وهاجوا على مبارك وقالوا فيه ما قاله مالك فى الخمر وفى نهاية الأمر خانوه.

وجاء مرسى وجاروه فى سعيه لتدمير الدولة ووقفوا معه طمعا فى تورتة الحكم وعندما إختلفوا على السلطة خانته قيادات السلفيين وتأخرت القواعد الشعبية عن خيانة مرسى وذهبوا إلى رابعة وكونوا العمود الفقرى لبؤرتى رابعة والنهضة وعندما بدأ الضرب خرجوا من الممرات الأمنة ليختفوا من المشهد الدموى ولأن  السيسى ظهر أنه هو المنتصر مع جموع المدنيين الذين يرفضون الإخوان وذهب السلفيين من رابعة إلى بيوتهم وغسلوا وجوههم من تراب معركة الفض ولبسوا حلة جديدة وذهبوا إلى التحرير تأييدا للسيسي وذهب قادتهم ليجلسوا مع قادة البلد الجدد وخانوا مرسى من أجل النفاق وليس ثباتا على مبدأ وإبتدأوا صفحة جديدة من نفاق الحاكم

وجاء السيسى وبات النفاق على أشده وإنطلقوا فى الإعلام أسرع من إنتشار النار فى الهشيم يمجدون فيه ويعلنون تأييدهم المطلق له ويبدأون حديثم برفع آيات الشكر والحمد والرفعة للسيسي قبل أن يقولوا بسم الله وبين كل جملة وجملة يعلنون هذا التأييد حتى يتوه المستمع ولا يعرف عن ماذا يتحدث السلفى وقد خال هذا النفاق على السياسيين السذج وتصوروا أن السلفيين هم مثل الخاتم فى صباع الرئيس وأنهم الجنود الأوفياء والذى سيتم بهم ضرب الإخوان والخلاص منهم مع أنهم يعملون سويا بطريقة  أنا وأخويا السلفى على الإخوانى إبن عمى وأنا السلفى والإخونى على الغريب وهم دعاة الدولة المدنية.

وهكذا خالت الحيلة على الحكومة ومخططى سياسة الدولة فأبقوا على حزب النور السلفى الدينى المتطرف وفرع داعش المصرى ويتعامون عنه ويقبلونه بسذاجة أو بتواطئ على الدولة وبتحايل على نص الدستور الصريح حتى وجدنا أننا أمام غولا سيلتهم الإنتخابات القادمة وسيكون الشريك الفعلى للحكم حتى تحين الفرصة ليطيحوا بالرئيس وينصبون أنفسهم حكاما جدد لمصر تماما كما حدثت فى أيام الإخوان السوداء.

لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين ونحن أدمنا اللدغ واللدغة القادمة من السلفيين وحزب النور الداعشى فخلى بالك يا سيسى فهذا التيار حاول قتل عبد الناصر و قتل السادات وباع مبارك وخان مرسى حليفهم فما الذى يمنعهم من خيانتك أنت وكلنا يعرف أنه يموت الزمار وصباعه بيلعب ويعيش السلفى ويموت مهادنا للحاكم حتى يسقط وعندها يقفزون على الحكم أو فى أسوء الظروف يصرخون مات الملك عاش الملك

كيف تكتب تعليقك