إصدار الجزء الثاني من أنشودة الحياة للشَّاعر صبري يوسف

صبري يوسف ـ ستوكهولم

صدر للأديب والشَّاعر السُّوري صبري يوسف ديوان جديد بعنوان: أنشودة الحياة، الجزء الثاني، في ستوكهولم، نصّ مفتوح، قصيدة شعريّة ذات نَفَس ملحمي طويل، تتألّف من عدّة أجزاء، كلّ جزء (مائة صفحة) بمثابة ديوان مستقل، ومرتبط  مع الأجزاء اللاحقة. أنجزَ المجلَّد الأوَّل، (عشرة أجزاء)، ينشر هذه الأجزاء تباعاً، بإصدارات خاصّة عن طريق دار نشره، ثم سينشرها بعدئذٍ بمجلِّدٍ واحد، بعد أن يتمّ ترجمتها إلى اللُّغات العالميّة الحيّة، رغبةً منه في التَّواصل مع الآخر عبر يراعِ القصيدة.
يتناول هذا النَّصّ، الجزء الثاني من أنشودة الحياة، استكمالاً للجزء الأولَّ، قضايا مأساويّة أنينيّة مدمِّرة لإنسانيّة الإنسان، حيث سلَّطَ الضوء في هذا الجزء من الأنشودة على حماقة السياسة العالمية في تدمير حضارة آلاف السنين، معتبراً إياها ( حضارةُ نارٍ وكبريت)، قاصداً الحضارة الأميريكية عندما اجتاحت العراق ودولاً أخرى، وأخرى في طريقها إلى الإجتياح، كما ركّز عبر فضاءات الديوان على علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان، مع الطَّبيعة، ومع الكثير من قضايا الحياة، كمحور لبناء هذا النصّ ـ الأنشودة، حيثُ يرى أن حياةَ الإنسان أشبه ما تكون قصيدة مرفرفة فوقَ وجنةِ الحياة، فلمَ لا نكتبُ تدفُّقات رؤانا الجامحة بكل تلاوينها، قبلَ أن نحلِّقَ عالياً في ليلةٍ قمراء، ونغفو بين أحضانِ السَّماء!
فيما يلي القسم الأوّل من الجزء الثاني من الأنشودة

أنشودة الحياة* ـ 2 ـ
[الجزء الثاني]
(نصّ مفتوح)

1
.... .... ......
عَبروا بُرَكَ القيرِ
ماتَتْ هداهدُ الرُّوحِ
غبارٌ مسربلٌ بجنونِ الدُّولارِ
 تفتتَتْ عظامُ الطُّفولةِ
عطشٌ حارقٌ فوقَ أسوارِ المدائنِ
ورمٌ في أعلى المخيخِ
صَرخَتْ أمٌّ  في وجهِ الدُّنيا
دموعٌ لا تجفِّفُهَا شهقة الأحلامِ
هطلَتِ الصَّواريخُ
     فوقَ غلاصم بابل
هطلَتْ فوقَ أجنحةِ الحضارةِ
تريدُ أنْ تقصَّ بهجةَ المكانِ
ضبابٌ فوقَ خرائط الحروبِ
تخثَّرَ الغسقُ من سماكةِ الدِّماءِ
انقرفَ ظهرُ المدائنِ
لا كهرباء
عطشٌ ماحقٌ يسطو
     فوقَ مهودِ البراعمِ
ألفيّةٌ مريضة
ناقمة على حبالِ السّرّةِ
ناقمة على فراخِ اللَّقالقِ
ألفيّةٌ ضالّة
مشحونةٌ بالرُّعونةِ
خِرَقٌ متشرّبة بهواءٍ مُدمى
انقضّتْ قنابلٌ غبيّة
هرسَتْ أثداءَ الأمّهاتِ
أفواهُ الأطفالِ عطشى
اندلقَتْ دنانُ الحليبِ
آهٍ .. تمزّقَ صدرُ السَّماءِ
     من تفاقماتِ القنابلِ
نَمَتْ مخالبٌ مخيفة
     في شفاهِ البشرِ
تدرّجاتٌ سقيمة
     في سلَّمِ الشَّراهةِ
     في كهوفِ الضَّواري
غوصٌ بغيضٌ
     في أوكارِ الأفاعي
أنيابٌ مقطَّرة بالقارِ والنَّارِ
تهرَّسَ وجهُ الغسقِ من الأنينِ
ذُهِلَ البدرُ عندما رأى
     وحشيَّةَ هابيلَ العصرِ
تجتاحُ براءةَ الطُّفولة
تبيدُ أحلامَ الصَّباحِ
ضجرٌ لا يُطاق!
تساءَلَتِ النُّجومُ
لماذا خلقَ اللهُ الإنسانَ
     على صورتِهِ ومثالِهِ؟!
هل فعلاً
الإنسانُ مخلوقٌ
     على صورةِ اللهِ ومثالِهِ
أم أنّ إنسانَ اليومِ
تطايرَ في ليلةٍ مظلمةٍ
     من فُوَّهاتِ البراكينِ
     من أنيابِ الذِّئابِ؟!
إنسانٌ من لحمٍ ودمّ
يشطحُ نحوَ بُرَكِ الدمّ
لا ينامُ إلا على دمدماتِ الحروبِ
فرشَتِ الصَّواريخُ كآباتها
على سهولِ الرُّوحِ
فماتَتْ فراخُ الحجلِ
     قبلَ أنْ ترى نورَ الحياةِ
هربَتِ الدَّوابُ الأليفةُ
     إلى البراري
أعلنَتْ انضمامَهَا
     إلى عالمِ البراري
لا تطيقُ موتَ الصَّباحاتِ
     في رابعةِ النَّهارِ
لا تصدِّقُ إلفةَ الإنسانِ
تتحوَّلُ بغمضةِ عين
     إلى أنيابٍ مميتةٍ
ضجرٌ متغلغلٌ
     في ظلالِ الأشجارِ
كآباتٌ مستشرية
     في غبشِ المساءِ
حمقى
     على اِمتدادِ
          محطّاتِ العمرِ
تركَتْ رضيعَهَا مقمّطاً
     بأعشابٍ برِّيّة
صعدَتْ سفوحَ الجبالِ
أزيزُ الموتِ يجتاحُ شهيقَهَا
هل أعودُ إلى رضيعي
أم أستمرُّ في صعودِ الجبالِ؟
استيقظَتْ على صوتِ
     صفّاراتِ الجنونِ
ابني
رضيعي
أينَ رضيعي؟
تدحرجَ من أثرِ ارتطامِ
     صاروخٍ غبيٍّ
          على مقربةٍ من مهدِهِ
اغبرّتْ رموشُه النَّديّة
رغوةٌ سوداء
     على حافّاتِ شفتيهِ
جرحٌ عميق
     على صدغِهِ الطَّريٍّ
أنفٌ شامخٌ
     رغمَ تفاقمِ الغبارِ!
وجعٌ قبلَ الولادةِ
     بعدَ الولادةِ
وجعٌ عبرَ الرَّحيلِ
     بعدَ الرَّحيلِ
وجعٌ أكثرَ إيلاماً
     من غربةِ الرُّوحِ
     بينَ صقيعِ الزَّمهريرِ!
أيادٍ خشنة تؤشِّرُ
     على مرابع نينوى
سلاحٌ أكثر شراسة
     من ضباعِ الكونِ
     مُشَرْشرٌ بالحماقاتِ
سلاحٌ مجنونٌ
يهرسُ جماجمَ الأطفالِ
وجعٌ في سماءِ الرُّوحِ ينمو
وجعٌ يمحقُ شموخَ الجبال!
حربٌ أغبى
     من ثعالبِ الوديانِ
حربٌ مشروخةُ الأفقِ
     مكتنـزةٌ بالسُّمومِ
داسَتْ في جوفِ حيتانِ المحيطاتِ
حربٌ أدمَتْ قلوبَ العشّاقِ
     قلوبَ القبّراتِ
فرّتِ الزرازيرُ بعيداً
تاركةً خلفَ أجنحتِهَا
    دخانَ الموتِ
    يلعلعُ في وجهِ الخصوبةِ
ماتَتْ حبيبةٌ من قهرِهَا
انتظرَتْ حبيبَهَا
حتّى فارقَتْ اشتعالَ المكانِ
فشلٌ في قمّةِ الأبراجِ
أبراجُ السِّياسةِ
أبراجُ الدُّولارِ
فشلٌ في بناءِ الكونِ
فشلٌ كثيفُ الحموضةِ
فشلٌ مريرٌ مبرقعٌ بالغثيانِ
قرفٌ يرافقُهُ تقيؤي
مَنْ يستطيعُ أنْ يطفئَ
     محارقَ الرُّوحِ؟
أوجاعٌ على امتدادِ
     جذوعِ النَّخيلِ
أوجاعٌ متطايرة
     من مياهِ دجلة
شظايا حارقة على وجوهِ الحجلِ
حرقَتْ عيونَهَا الكحيلة
لم تنجُ أسرابُ السّنونو الهاربة
     من وهجِ الاشتعالِ
لماذا يحاربُ شبابُ هذا الزَّمان؟
فوائدُ الحروبِ
     قتلى من كلِّ الأطرافِ
فوائدُ الحروبِ مزيدٌ مِنَ الحماقاتِ
     مزيدٌ مِنْ عُفونةِ الرُّؤى
خرجَتِ الْحَشراتُ الصَّغيرة
     مِنَ الأرضِ
تستقبلُ الرَّبيعَ
محقَتْ طراوتَها رذاذاتُ الشَّظايا
ذُهِِلَتِ الْوحوشُ البرّية
فرَّ قطيعُ الذِّئابِ
عابراً كهوفَ الجبالِ
قصفَ صاروخٌ ثلاثة عجولٍ
بكى ثورٌ دمعةً واحدة
تخلخلَتْ عظامُ الكهولِ
طفلٌ مغبرُّ الوجهِ
يبحثُ عَنْ أمِّهِ
     بينَ الأنقاضِ
يصرخُ صراخاً
يشقُّ وجهَ الشَّفقِ
أريدُ أمّي
أمّي ..
أينَ أنتِ يا أمّي؟
لا يكترثُ للكاميراتِ
ولا لصفّاراتِ الإنذارِ
ينظرُ إلى السَّماءِ
مطرٌ يزدادُ اشتعالاً     
     فوقَ جموحِ الطُّوفانِ!
تآمرَ الإنسانُ على ذاتِهِ
بشرٌ تشرّبوا مناهجَ مِنْ رمادٍ
ضجرٌ يشرخُ شموخَ المكانِ
انزلقَ الكونُ
     في وادي الجنونِ
شعاراتٌ مفهرسة بالعناكبِ
بأحلامِ السَّيطرة
     على آبارِ الموتِ
تبخَّرَتِ الحكمةُ
     من ذهنِ
          أصحابِ القرارِ
رؤى مجوَّفة بالاشتعالِ
اشتعالُ عباءةِ المساءِ
ريشُ البلابلِ
      على تخومِ الاشتعالِ
حتّى خفافيشِ اللَّيلِ
     لاذَتْ بالفرارِ
تزلزلَ الكونُ
ومازالَ أحمقُ هذا الزَّمان
يداعبُ كلبَهُ ببرودةِ أعصابٍ
لماذا تداعبُ أطفالُ العراق بالقنابلِ؟
لماذا تبيدُ خصوبةَ الحضارةِ؟
نامَ العربُ نوماً
     منافساً أهلَ الكهفِ
خرجَ العربُ خارجَ الزَّمانِ
عبروا نسيماً عليلاً
ظلّوا معلَّقينَ بينَ موجاتِ النَّسيمِ
خفَّ وزنهم أكثر
     من ريشِ الحمامِ
طاروا إلى الأعالي
تاركينَ براكين القيرِ 
تزلزلُ جبهةَ الحياةِ ..
تقلَّصَتْ خصوبةُ الرُّوحِ
عربٌ من لونِ الهشاشةِ
عربٌ قهروا الكونَ "بالسَّلامِ" ..
عربٌ في لبِّ الحضارةِ
لا يهمّهُم لو قُصِفَتْ بابلَ
لو تهشّمَتْ
     جثث الفراعنة المحنّطة
يلوِّحونَ أيديهم
     باستهزاءٍ 
هامسينَ للجنِّ
شَبَعْنَا من الحضارةِ
شبعنا من الحروبِ
شَبعْنَا من العلمِ  
شَبعْنَا
     من كلِّ شيءٍ
          سوى الغباءِ!
هبطَ اللَّيلُ فوقَ خُوَذِ الجنودِ
أجسادٌ مشتعلة
ارتعشَتِ الأرضُ
خرّتْ دموعُ القمرِ
     فوقَ نجيماتِ الصَّباحِ
ذُهِلَتْ مياهُ المحيطِ متسائلةً
لِمَ كلّ هذا الإرتصاص؟
زمجرَتِ المياهُ
     من أعماقِ القاعِ
وجعٌ مشنفرٌ فوقَ هاماتِ المحيطِ
تأوَّهَ المحيطُ باكتئابٍ
زيحوا عن رقبتي أطنانَ الرَّصاصِ!
أكادُ أن أُسْلِمَ الرُّوحَ
زيحوا عن رقبتي
     رغوةَ طيشِكُم ..
أرهقْتُم كاهِلِي!
     *****
غيمةٌ سوداء موشّحة بالدمّ
غولٌ فوقَ أراجيحِ الطُّفولةِ
برقٌ فوقَ جسدِ المدائنِ
زنازينٌ غير مرئيّة
شيوخٌ مجنّحونَ بالحسرةِ
تخشى احتراقَ أحلامِ العمرِ
     أحلامِ البنينِ
     أحلامِ السَّنينِ
تاهَتِ الحضارةُ عن لُجينِ الطِّينِ
زاغَتْ عن دربِ الملوحةِ
لا طعمَ  في وهادِ العمرِ
ولا رائحة في دروبِ الرَّبيعِ
حضارةٌ مصقولةٌ بالاسفلتِ
     بطائراتِ الشَّبحِ
بالمكرِ
بشراهةِ السَّيطرةِ على مالِ الغيرِ
آهٍ .. يا ثعلبَ الصَّحراءِ
عن قصدٍ أو دونَ قصدٍ 
طرَحْتِ نفْسَكِ ثعلبَ الصَّحراءِ!
ماذا يتوقَّعُ الإنسانُ
من ثعلبٍ
يعبرُ أعماقَ الصَّحارى ؟
تحملينَ في لاشعورِكِ الضمنيِّ
     مكرَ الثعالبِ
     منحى الثعالبِ
تهجمينَ هجومَ الثَّعالبِ
وإلا
لماذا وُلِدَ ثعلبُ الصَّحراءِ؟!
هل انبثقَ الثَّعلبُ
من بينَ القططِ الأليفةِ
من بين الخرافِ الوديعةِ؟
كيف فاتَكِ
أن تطرحي نفسَكِ ثعلباً؟
أنسيتِ أنّنا معشرُ الشُّعراءِ
نمقتُ منهجَ الثَّعالبِ
     رؤى الثَّعالبِ
     طموحَ الثَّعالبِ
     غدرَ الثَّعالبِ ..؟
 سلوكٌ مثلَ الثَّعلبِ
هذا كانَ نعتَكِ
هل يشرِّفُكِ
أن تحملي بينَ ضلوعِكِ
     خباثةَ الثَّعالبِ
     خيانةَ الثَّعالبِ
تسميمَ اشراقة الصَّباحاتِ
عجباً أرى حضارةً
تنهضُ
     على ذيولِ الثَّعالبِ
     على جماجمِ الطُّفولةِ
     على جوعِ الكهولةِ
حضارةٌ من رملٍ
تطمسُ وهجَ الحضاراتِ
تعفِّرُ وجهَ بابلَ
تقتلُ نينوى دونَ وجلٍ
وتحرقُ عشبةَ كلكامش
غيرَ مكترثةٍ لدموعِ الثَّكالى
     لدموعِ العشَّاقِ المنسابةِ
     على قبورِ ضحايا قُتلوا
     عندَ مفترقِ الصَّحارى
حضارةٌ من نارٍ وكبريت
قائمة على نهجِ الكراتينِ
على زيادةِ بلوكوزاتِ الدُّولارِ
على زيادةِ أوجاعِ الإنسان
حضارةٌ كثيفةُ الحموضةِ
غيرُ مستساغةٍ حتّى من بَنيها
حضارةٌ طائشةٌ
تدوسُ فوقَ حميميّاتِ البشرِ
     فوقَ عفويّاتِ الرِّيفِ
     فوقَ شموخِ السَّنابلِ
تكسرُ بحماقةٍ
     أغصانَ النَّخيلِ
تعفِّرُ دماءَ الأنهارِ
تهرقُ سكينةَ اللَّيلِ
تقلقُ هدوءَ الكهولِ
تفزعُ الطُّيورَ المهاجرة 
حضارةٌ ملطّخةٌ بالبراكينِ
تعفِّرُ وجهَ الشَّفقِ بالقيرِ
تملأ الدُّنيا حيرةً
     قلقاً
     ضجراً لا يُطاق!
سئمْتُ اشراقةَ الصَّباحِ
مللْتُ من الإنزلاقاتِ
     في بُرَكِ الحزنِ
تحشرجَ الشَّهيقُ في سماءِ الألمِ
أوجاعٌ من كلِّ الجِّهاتِ
جيوشٌ جرّارة
تتربّصُ أطفالاً مرضى
تتربَّصُ شيوخاً
أكلهم الأنينُ والقنوطُ
تتربَّصُ نساءً مصابّات
     بجفافِ العمرِ
تتربَّصُ شباباً
كرهوا اليومَ الّذي وُلدوا فيه
تتربَّصُ أرضاً موغلة
     في أعماقِ الحضاراتِ
تريدُ أنْ تسحقَ جماجمَ آشور
     الجنائنَ المعلّقة
     سورَ بابل ..
تريدُ أنْ تعفِّرَ عذوبةَ المياهِ
تريدُ أنْ تقتلعَ وردةَ الرَّبيعِ
تحرقُ الأقاحي
آهٍ ..
ما ذنبي يا أبتي أن أُوْلَدَ
     في أرضِ الحضاراتِ؟
ما ذنبي يا أبتي
أن أكونَ أوّل المشرّعين
كتبتُ دساتيري على الطّينِ
ها هم ثعالبُ الصَّحارى
يريدونَ أنْ يكسروا
     ألواحَ الطِّينِ
دساتيري
اِبَقَيْ يا دساتيري صامدةً
     في حنايا الطِّينِ!
إيّاكِ أنْ تستسلمي لثعالب
     هذا الزَّمان
إيّاكِ أن تحني رأسكِ
     لهراطقةِ العصرِ
أينَ أنتَ يا كلكامش
هل ما تزالُ نبتة الخلودِ
خالدةً
     في وهادِ سومر وأكّاد
لا تقلقي يا بابلَ
ثعالبُ هذا الزَّمان
غيرُ قادرةٍ
     على طمسِ جنائنِكِ
غيرُ قادرةٍ على زحزحةِ
     وجهِكِ الشَّامخِ
          في برجِ الحضارةِ
حضاراتٌ تأتي وتزول
تبقى أنقى الحضارات
     لا تزول
وحدُها الكلمة الحقّ
تبقى ساطعةً
     بينَ أضلاعِ التَّاريخِ
شامخةً فوقَ قبَّةِ الحياةِ
وحدُها المحبّة باقية
     فوقَ أجنحةِ الحضارةِ
كلّ معارك الكونِ
تنتهي في مهاوي الرِّيحِ
تنتهي في ظلمةٍ ظالمة
عالقة
     في هوامشِ التَّاريخِ
كلّ معارك الكون
     معاركٌ باطلة
لا منتصر في الحروبِ
كلّ الحروبِ في طريقِهَا
     إلى وادي الجنونِ
جنونُ البشرِ!
منذهلٌ أنا
كيفَ يريدُ الإنسانُ
     خوضَ المعاركِ
منذهلٌ أنا
كيف يقتلُ الإنسانُ الإنسانَ
من أجلِ أرضٍ
     أو نفطٍ
          أو جاهٍ؟
إنّه جنونُ الصَّولجانِ
انزلاقُ الحضارةِ
     في قعرِ اللاحضارة
تختفي رويداً .. رويداً
تباشيرُ حضارةٍ منعبثةٍ
     من ضلعِ الوغى!
لا أرى في رؤى السَّاسةِ الكبارِ
     غيرَ انحرافٍ عن دربِ المنارةِ
     عن دربِ الهدى
لا أرى في وجهِ الشَّفقِ
     ملامحَ فرحٍ
ولا في خيوطِ الشَّمسِ
     وهجَ  الحرارةِ
يراودني أن الشَّمسَ ضَجِرَت
     من عبثِ الإنسانِ
فتقلّصَ وهجها
غير راغبة
أن تغدقَ على البشرِ دفءََ البرارةِ!
لم أعُدْ أطيقُ نشرةَ الأخبارِ
تحاليلَ السَّاسةِ
التَّعبئةُ الطَّارئةُ
تطلُّعاتٌ مشروخةٌ للغايةِ
حواراتٌ منخورةٌ
جيوشٌ مخيفةٌ
حاملاتُ الطَّائراتِ
تلعلعُ على وجهِ المياهِ ..
آهٍ .. مَنْ يهدِّدُ مَنْ؟
تلكَ هي المسألة ..
جنونٌ حتّى النَّخاعِ!
انحدارٌ
     نحوَ الهاوية
إنّه آخر موبقاتِ الصَّولجانِ
هل الدُّولارُ
    الذَّهبُ الأسودُ
          البنّيُّ
     الذَّهبُ الأزرقُ
          الأصفرُ
هل كنوزُ الكونِ
تساوي موتَ الطُّفولةِ؟
هل كنوزُ الكونِ
تعادلُ موتَ الكهولةِ
     تعادلُ شهيقَ الصَّديقةِ؟
هل نحنُ باقون على وجهِ الأرضِ
     أكثرَ من الأرضِ ..
لماذا لا نتركُ الأرضَ وشأنها؟!
نحن ياسادة ياكرام
مجرّد كُتَلٍ صغيرة
أصغرَ من حبّاتِ الرَّملِ
     على الأرضِ
جزءٌ نافرٌ
     من حبيباتِ الأرضِ
ضيوفٌ على الأرضِ
رحلةٌ عابرة
     فوقَ شهقةِ الأرضِ
لماذا لا نعطي صورةً تليقُ بنا
     لأمِّنَا الأرضِ؟
لماذا لا نردُّ
     جميلَ الأرضِ للأرضِ
أَلمْ تأوِنا فوقَ لحافِهَا الدَّافئِ
     سنيناً ..
     قروناً .. ؟!
لماذا نتركُ الأرضَ تغضبُ منّا
لماذا أيّها الإنسان
يغريكَ بريقَ الدِّماءِ
     بريقَ الأخذِ لا العطاءِ؟
الأرضُ تغدقُ حبّاً عليكَ
وأنتَ تغدقُ جمراً
     من لونِ الوباءِ
آهٍ ..
يا حمقى هذا الزَّمان
لو تعلمونَ
كم رؤاكم المتحجِّرة
     قصيرة!
لو تعلمونَ
كم ثعلبياتم
     معاصٍ
          كبيرة!
لو تعلمون
أنَّ الإنسانَ أخو الأرضِ
ابنُ الأرضِ
صديقُ الأرضِ
سيّدُ الأرضِ
حبيبُ الأرضِ
لو تعلمونَ أن علاقاتكم
     غيرَ داجنة
          معَ الأرضِ
غير معرَّشة
     معَ شهقةِ الأرضِ
     معَ اخضرارِ الأرضِ
ما تزالوا ضالّين
     في جاداتِ الأرضِ
تائهينَ
بينَ وخمِ المالِ
وشبقِ الصُّعودِ
     إلى قمةٍ الأبراجِ!
تائهينَ بينَ رؤى مفهرسة
          بجلدِ الثَّعالبِ
بناطحاتٍ مترجرجةٍ
     فوقَ كثبانِ الرَّملِ
تائهينَ عن خصوبةِ الحقِّ
     عن درعِ العدالةِ
     عن جمالِ الوردةِ
حضارةٌ مندلقة
     من جلودِ الأفاعي
شائخة في قمّةِ أوجِهَا
ستهبطينَ أيَّتها المزركشة
     بقشٍّ متطايرٍ
          في مهبِّ الانحدارِ
نحنُ في عصرِ سرعةٍ مميتةٍ
لا نستغلُّ سرعةَ العصرِ
     لصالحِ العصرِ
يَقتَلُ العصرُ ذاتهُ بذاتهِ
     بسرعتِهِ المريبة
عصرٌ غيرُ مكترثٍ
     لأغصانِ الحياةِ
لا مبالٍ لخصوبةِ الغاباتِ
يقتلعُ تعبَ العمرِ
يرميه في قاعٍ الزَّنازينِ
عصرٌ يفرّخُ سجوناً
     من أوداجِ الحزنِ
     من قنوطِ الأيامِ والشُّهورِ والسّنينِ!
عصرٌ لا يأبه بطموحِ البشرِ
     براحةِ البشرِ
     بنعاسِ البشرِ
عصرٌ منفلتٌ من مخالبِ الضِّباعِ
     من جشاعاتٍ تجثمُ ثقلها المريع
          فوقَ دماءِ الرَّبيعِ
عصرٌ خارجٌ عن القانونِ
عودةٌ مريبة
     إلى شريعةِ ما قبلَ الغابِ
قرفٌ من ضجرِ التَّلاطمِ
لماذا يفرشُ الشرُّ أجنحَتَهُ
     فوقَ رحيقِ الخيرِ
يدمي سموَّ الرُّوحِ؟!
ضجرٌ عندَ الولادةِ
بكاءٌ على امتدادِ يفاعةِ الشَّبابِ  
حزنٌ
     على مساحاتِ
          أحلامِ الكهولِ
شيوخٌ تقارعُ
     مرارةَ الحنظلِ
غريبةٌ أنتِ يا روح
     في دنيا
          من حجر!
وجعٌ أكثرَ مرارةً من الفراقِ
فراقُ الأحبّةِ
فراقُ البنينِ
فراقُ نسيمِ الصَّباحِ
وجعٌ أكثر إيلاماً
     من فرارِ الأيّامِ
     من فرارِ الحجلِ
     من فرارِ عبقِ الياسمينِ
من فرارِ العشّاقِ إلى قفرِ الحياةِ!
وجعٌ من لونِ الزمهريرِ
تتوالدُ المعاركُ كالأرانبِ
يتطايرُ من أوداجِهَا أجنحةُ بشرٍ
متوغِّلة في كهوفَ الموتِ
قبورٌ على مساحاتِ البحرِ
قبورٌ على حافّاتِ اللَّيلِ
قبورٌ محنّطة بانشراخِ الحياةِ
قبورٌ صغيرة من بتلاتِ الوردِ!
وجعٌ ينضحُ أنيناً هادئاً
يتصالبُ معَ زرقةِ السَّماءِ
يمتدُّ من فروةِ الحلمِ
     حتّى أعماقِ ينابيعِ الرُّوحِ!
أريدُ أن أنامَ نوماً عميقاً
أن أعيشَ قرناً من الزَّمانِ
أن أعيشَ عمراً مفتوحاً على يراعِ الحياةِ
لأكتبَ شلالاً من الفرحِ
     شلالاً من العشقِ
أسقي أجنحةَ الطُّفولةِ العطشى
أزرعُ حبّاتِ المحبّةِ في سماءِ الكينونةِ
     في سماءِ العمرِ
أفرشُ محبّةَ البشرِ فوقَ هضابِ الحياةِ
أعانقُ أصدقائي الشُّعراء
ألملمُ صديقاتي الشَّاعرات
وأدعوهنَّ إلى الشَّواطئِ البكرِ
     من قبابِ الرُّوحِ
نعانقُ سويةً بهجةَ انتصارِ الشِّعرِ
     على موبقاتِ الصَّولجانِ!
      *****
ستوكهولم: 2003
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com

CONVERSATION

0 comments: