لماذا لم يكتمل الاحتضان؟ (الحلقة الثالثة)/ محمود شباط

في ضحى ذلك اليوم الموشى بالمرارة والغبن، عانى زينو ابن العاشرة جراء طرده من عمله أكثر مما تعانيه السمكة العالقة في خطاف صيادها. لم يكن في جيبه سوى ربع ليرة. حرص على استبقائها لطعامه ولم يستقل سيارة للذهاب إلى بيروت. انطلق من الحازمية صباحاً نحو ساحة البرج، يركض، يتوقف ليسأل عن الاتجاه نحو ساحة البرج ثم يركض، يتعب ، يمشي ثم يركض، وصلها قبيل الظهر مع رفيقة دربه وشقيقة آلامه صرة حوائجه. استأنف الدوران في البرج والسؤال عن عمل.
تعب الصبي ويئس، الروح المنهكة عطشة لاستراحة مقاتل، اقتعد صرة ملابسه كي لا يتهمه أحد بأنه يوسخ الرصيف ببنطاله المبلل بالعرق، يزجي لحظات القلق والضياع التي تمضي ثقيلة بطيئة بمتابعة أقدام المارة. إحباطه أسرّ له بأن لا مكان لأمثاله في هذا العالم، وهو الذي لم يزعج وردة.
ملَّ الجلوس وانتظار طوق نجاة لم يأت، سوف يمسك به حتى ولو كان طوقاً مهترئاً مبتلياً بجدري الثقوب. هبطت ستارة الليل وهبط معها وحش الخوف من الآتي المجهول. قاده نعلاه نزولاً نحو الميناء. سمع صوت أمه تناديه عبر ريح المساء على البحر، وعلى شاشة العتمة رأى وجهها . جاع الوحيد في العراء، اتجه نحو مطعم ولكنه لم يجد الخمسة وعشرين قرشاً، عضه ناب الجوع بأشرس مما سبق، خمَّنَ بمرارة فرار القروش من ثقب في جيب بنطاله فنقم على الثقوب كونها تستطيب الإقامة في جيوب الفقراء. غادر المطعم جائعاً مخذولاً و لاذ إلى رصيف أمامه "يتغذى" على رائحة المشاوي وشفتاه تشكوان برعشة : " ما من سنبلة في التاريخ إلا وعليها قطرة من لعابي".
في تلك الأمسية المرسومة بملح البحر وحكايا الجن تمكن النعاس من زينو رغم القلق والجوع فبات برقود "الفزعان والجوعان"، يفيق بين الفينة والفينة من حلم بأنه كان يأكل أو يشرب، ثم ينساب في حرير النعاس.  في ذروة عطشه حلم بعذوبة جرة مياه "ستي هندية"، تلك العجوز التي نسميها في القرية "السقاّية" ، والتي تبرَّع نفر من شباب الضيعة بنصب خيمة لها ككوخ فقير أفريقي  على الطريق الصاعد من حقول السهل إلى القرية، ولكنها أقرب كثيراً إلى القرية ، تبيع الماء من جرتها الفخارية المبردة بنسيم ليل الجبل، الملفوفة بالقش أو الخيش للصبيان و البنات الذين يوردون الغلال على ظهور الدواب، قصعة الماء مقابل رزمة قمح أو شعير أو حمص أو عدس أو ما يتوفر على ظهر الدابة. أفاق زينو صباحاً ليجد قطعاً نقدية من فئة الفرنك والعشرة قروش بجانبه، هرع إلى المطعم وازدرد شطيرتين بنهم، وعب من الماء ما اتسعته معدته.
الأرض المتصدعة التي يمشي عليها زينو لا تصلح لعرض أرغفة الخبز، لم تشبعه الشطيرتان ولكنه سيكتفي بما أكل ويحتفظ بما لديه من قروش لوقت الغداء، سأل لدى جميع المحلات والشركات على طول الجهة المقابلة للمرفأ ولم يوفق. عاد أدراجه إلى قرب بوابة الميناء حيث كان، مر أمام محل حلويات تعطر رائحتها الشهية تقاطع شارع المارسيلياز مع الشارع الصاعد من "البور" نحو البرج ، نظر عبر الزجاج الشفاف فرأى تشكيلات متنوعة من الحلوى لم ير مثيلاً لمعظمها قبلاً، في الداخل فتى بدين منهمك في تجهيز نوع من الكعك يحشوه بشيء أبيض ظنه زينو في البداية قشطة، ثم يرويها الفتى بالقطر و يوظبها بورق فاخر باحتراف. شكلُ الكعك و"القشطة" الشهية ورائحتهما الطيبة شد زينو، فكر بشراء واحدة ثم تراجع، تذكر بأن أمه وأخوته لم يأكلوا مثلها، خجل من نفسه وأنبها. عدل عن رأيه وابتعد عن المحل ببطء.
لم يستطع الإبتعاد أكثر من خطوات معدودات، "الجوع الكافر" ورائحة الحلوى أعاداه جذباً نحو الفتى البدين وسأله بلعاب يملأ فمه عن اسم ذلك الكعك. رد الفتى المنشغل بتلبية طلبات زبائن آخرين بسرعة وضيق دون أن يلتفت إلى السائل: "كنافه بجبن". طلب زينو من الفتى واحدة ودفع له "فرنكات وعشرات" ، تذمر الفتى من كثرة "الفراطة" وقال لزينو: " شو كاين ع باب الجامع ؟" لم يفهمها الصبي المنشغل بالتهام الكعكة ولكنه استنتج بأن بشر مضارب البدو المتحضر يطعنون بسهام فضية نظيفة.
لكثرة ما استطيب زينو الكعكة مال لاستغباء الفتى كونه يبيع تلك الحلوى اللذيذة بدلاً من أن يأكلها كلها عن بكرة أبيها.
لبث الصبي المشرد يجول بصرة حوائجه على كتفه إلى أن أشفقَت الشوارع والطرقات الخلفية على رجـْلـَيه المنهكتين اللتين صارتا غارقتين في عرقهما. خالهما قطعتي لحم تنسلقا في مياه ساخنة. اقتعد ركناً على الرصيف، خلع فردة حذائه، نشف قدمه بورق جريدة، صار يستعجل التجفيف بعد أن لفعت أنفه رائحة قدمه، خجل من نفسه وأعاد انتعال الفردة بسرعة ملتفتاً حوله فيما إذا كان أحد قد شاركه نعمة الشم. اطمأن إلى خلو المكان فجفف قدمه الأخرى بعجل.
وقف ومشى ليبحث عن عمل كي لا يجوع، رأى لوحة كبيرة معلقة على شرفة في الدور الثاني من عمارة كُتِبَ عليها " مكتب النورس للسياحة والسفر". تحت اللوحة إعلان يطلب عامل تنظيف، دار حول العمارة إلى الجهة الأخرى يبحث عن عمل في شركة أخرى فرأى لوحة تحمل اسم نفس الشركة وبقربها إعلان صغير يطلب عامل تنظيف، حيَّره الأمر ، شكك بنظره وبذاكرته، عاد إلى الجهة الأولى من العمارة حيث كان منذ دقائق فوجد اللوحة لازالت في مكانها، وكذلك الإعلان، حينها قدر كم هي كبيرة تلك الشركة ذات المدخلين.
ولج الدرج المرمري الصقيل، وصل إلى الدور الثاني فوجد باب الشركة مشرعاً تفوح من داخله رائحة زكية، جو القاعة يشي بهدوء مساء ما بعد الدوام. فيها رجل مسترخ خلف مكتبه في مقعد جلدي أسود فخم، نظارتاه على أرنبتي أنفه يحملق في جريدة يقرأها بنصف نظر، حياه زينو ولكن الرجل الأعشي لم يرد التحية.
انتظر زينو للحظات أملاً في التفاتة من الأعشي، في تلك الأثناء جاء اتصال هاتفي وعرف زينو بأن اسم الرجل الذي أمامه هو زكي الرياحيني. بقي زكي متجاهلاً زينو فعزم الأخيرعلى مغادرة المكان، سار بضع خطوات نحو الباب، توقف،  تذكر بأنهم هم من يطلبون شغيلاً فأقنع نفسه بالعودة نحو الرجل، خطا نحوه بتردد وبطء ووقف أمامه، حياه مجدداً بصوت أعلى فشعر زكي بوجود بشري يخاطبه. توقف عن القراءة، قرَّبَ نظارتيه من عينيه وحدق بأسمال زينو، ظن بأن الصبي يتسول فهمهم ببرود : "روح ألله يعطيك ويحنن عليك!" ثم أعاد تموضع النظارتين على أرنبتي أنفه واستأنف القراءة، خاب أمل زينو فاتجه نحو المخرج هاماً بالمغادرة غاضباً من بدو مضارب الياقات البيضاء الذين يغزون برقي على صهوة جياد اسمها عذب الكلام. ولكنه توقف حين ناداه الرجل : "شـُو إسـْمـَكْ  يا .....؟"
عاد زينو نحو الرجل ورد عليه بصوت خجول خفيض :  "زين الدين ، أمي بـْتـْقـِلـِّي زَيـْنـُو" .
- قديش عمرك يا زينو ؟
- عشر سنين .
هز زكي برأسه وهو يتفرس بوجه الصبي وقامته باهتمام ملفت هذه المرة ثم قال:
- "خـَلـِّيكْ هَوْنْ!" انتظر! .
نهض الرجل من كرسيه بعجل وهو لا زال ملتفتاً نحو زينو، اتجه نحو باب خشبي كبير فخم يتوسط جداراً تغطي معظمه ستائر جميلة. عاد بعد دقائق واستدعى الصبي فتبعه. دخل خلفه إلى مكتب واسع مُبهر ليقابلا كهلاً نصف أشيب مهيب الطلعة يرتدي بذلة سوداء وربطة عنق سوداء، خلع الكهل نظارتيه وصار يتفحص زينو ويحادث موظفه، وكلما أطال نظره بزينو كان الصبي يراه رزيناً وقوراً ودوداً، في عينيه دفء أبوي حزين مريح، وعرف زينو للتو من خلال الحديث الدائر بين الوقور والأعشي بأن صاحب البدلة السوداء هو صاحب الشركة وبأن اسمه "أبو جورج".
- "أترى يا زكي ما أراه ؟ أتصغي إلى صوته ! أليس هو الذي غاب وعاد"، قالها أبو جورج لموظفه ثم أسند راحتيه على حافة مكتبه ووقف على مهل من مقعده مأخوذاً بثقل المفاجأة الطيبة، دار من خلف المكتب وجاء صوب زينو يبتسم بابتهاج من وجد مفقوداً،لامس بيديه شعر الصبي بتحبب أبوي، أمسك بصورة مؤطرة بالأسود وأدارها نحو زينو وسأله : أتعرفه ؟
دقق الصبي في الوجه فاعتقد لأول وهلة بأنه ينظر إلى نفسه بالمرآة لولا ملاحظته للسلسال الذهبي المنتهي بصليب على صدر الفتى في الصورة، كما للملابس الأنيقة النظيفة التي لم يحلم زينو بأن يرتدي مثلها فقال للرجل: "لا يا "خواجه" لا أعرفه، ولكني أظن بأنه يشبهني".
- تظن بأنه يشبهك ؟  ما أروعك !!  إنه لا يشبهك يا بني !! بل هو أنت و أنت هو يا زينو .... أنت جورج يا بني ! هل تقبل أن تكون جورج ؟
لم يفهمه زينو ولكنه شعر باطمئنان حادي العيس التائه في البيداء حين يعثر على واحة. قلما سمع كلمة يا بني من رجل منذ رحيل أبيه. حنَّ لرنين ذلك التواصل الأليف. بقي يتساءل عما يرمي إليه "أبو جورج" إلى أن عرف من خلال حديث الرجلين بأن أبا جورج فقد وحيده الفتى منذ شهرين، وبأن زوجته تعاني جراء رحيل ولدها، كما عرف زينو بأن الرجلين يعتقدان بأن تـَبـَنـِّي الأسرة المكلومة لصبي يشبه الصبي الراحل قد يخفف من معاناة الزوجين ويعيد لهما قبس أمل بالحياة. بعد لحظات طلب أبو جورج من زكي أن يرسل زينو مع السائق إلى المنزل كي تراه "المدام" وتبدي رأيها، وهو سيكلمها عبر الهاتف ويشرح لها ما يفكر به.
في الحلقة القادمة سوف يحاول أبو جورج وزوجته أن يستبقيا الصبي زَيـْنـُو لديهما، ليس كعامل تنظيفات، إنما كولد بالتبني إن أمكن ذلك. ولكن .. إلى أي مدى سيتقبل محيطهما تبني صبي من طائفة أخرى، وإلى أي حد ستتجاوب أم زينو مع أمنيتهما ؟ بين حافتي ذلك الوادي العميق سوف تهب نسائم تدغدغ تطلعاتنا نحو كوكب أخضر نضر، نتحول فيه من مجرد مواد هلامية تتكيف مع أشكال وأحجام الأواني التي نُسْكبُ فيها إلى كائنات حية تقرر شكل الإناء ولونه.
محمود شباط
الخبر في : 02/05/2012

CONVERSATION

0 comments: