قربان المآذن الصامتة/ خليل الوافي

رقاب

أدرك الصبح حقيقة نفسه ٬ حين كشفت الشمس عن حجم المجزرة ٬ وهول الصورة الفاجعة ٬ التي صدمت الضمائر الحية٬ في نوادي السياسة العالقة فوق دخان السجائر ٬ على وجوه من لا يخجلون من أنفسهم ، ومن ألوان الخطابات المتكررة ٬ التي تقول كل شيء دون أن تقنع أحدا بإستمرارية السماع ؛ لأشكال القول المطرز على ثوب الرذيلة ٠ ومن يحمي إنسانية الإنسان من الإندثار ، وفقدان البشرية قيم التسامح و العدالة ؟؛ وإنهيار الخلق ـ السياسي ـ في بركة مستنقع الحسابات الفارغة من أي إحساس بوجود شريك شريف ، يحمي مصالحه إلى جانب أنانيته العمياء في إمتلاك كل شيء ؛ وهو الإستحواذ على تلابيب السلطة دون غيرها ، لأنها مركز القرار وعصب النفوذ و الإستقرار على حساب إضطراب نفسية بقية الشعب
من له القدرة اليوم ، لحماية الحياة من أجل البقاء في صدور الذين يلمسون وجه الموت كل لحظة ؟؛ سؤال يصعب الإجابة عنه في زحمة التضاربات المالية ، وتباين إيقاع المؤشرات المتقلبة مثل أصحابها ، والتي تطلعنا عليها شاشة رقمية كبيرة بحجم الأرباح المتراكمة في بيوت الذعارة ، وعبر مناقصات مشبوهة في كواليس الهلوسة باقتناء كل شيء يحل علينا مثل الفاجعة ؛ ونحن نعود إلى الوراء نبحث عن أمل البقاء ، و إضفاء صفة الشرعية على الربح بدل الخسارة ٠٠٠


عقاب


لا يكون الحكم الصادر في حق من أقترف الخطيئة الثانية ، يمكن أن يعاقب على ما فعلت يداه ، وذكاءه المتواضع الذي أسقط صاحبه في مطبات متكررة ، سرعان ما يكشف لنفسه ، كم كان غبيا ؛ لدرجة لم يستطع أن يستوعب معاني الحياة في إمتلاك رحابة صدر ، ومناعة ذاتية في تقبل الآخر ، ومد يد المساعدة إلى من هو أهل لها ؛ أم أنك اليوم غير مستعد بما يكفي ، حين مكثت في السجن فترة طويلة داخل زنزانة نفسك محروم من رؤية الشمس ، كما لا يعلم من حرقتها الذين يوجدون خارج حدود أفكارهم ، تتصارع وحدة التحدي في إكتمال البدر ليلة لا يعرف النوم في عيون خرجت للتو من كهوف الظلمة ، وصعوبة الملمس لرطوبة المكان ، وإنزلاق التربة من تحت أقدام الذين يواجهون محنة الصراخ المرير عبر تداعيات العطش في الحلق ؛ وعودة المظاهرات إلى نقطة البداية ، يطالبون بوضع جديد خارج أحزاب الشعارات المنمقة ، تنتهي صلاحيتها عند رجل النظافة يتلظى غضبا ، وتنسل خيوط المداهمات المتكررة ، وتشويه صور المشاهدة المنفلتة من رقابة نائمة تحت جفون الأجهزة التي لا تعرف طعم النوم ، وينهض المناضل الجديد بشكله الحديث يواجه وابل الطلقات ، مادام الأمل يراود القلوب الثائرة لرفع شعار التحدي وسط الشوارع الصاخبة ، وآخرون اختاروا الشهادة من أجل أن يظل الأمل بحياة أفضل بعيدا عما يطبخ في الأسواق العربية ، لا الشكل يغري بالأكل ولا الطعم يشجع على الهضم ...

 كلاب

تلهث من فرط الركض في سباقات الرهانات المدسوسة بنكهة الإدمان المتعال في أسواق النخاسة ، و الحراسة الخجولة على أبواب القصور الفارهة ، لا تشعر أن الحياة تشبه أختها في أحياء المعلبة ، و القرى المهمشة على أطراف المدن الكبيرة ، تفرز قذارتها الماسخة ، وتهيىء نفسها لإستقبال أفواج البطالة من كل حد وصوب ، وتشعر أن المسافة الفاصلة بين شارعين تبدو بعيدة عن مرمى الحجر ، ونظرة الإستغراب بادية على الذين يزورون المدينة للوهلة الأولى ؛ تتجاذب تناقضات صارخة تعكس بوضوح السياسات المتبعة في تأمين رغد العيش بأشكال مختلفة ، وفي أحيان أخرى لا تصدق ما تراه عيناك ، وأنت تتجول في إحدى الشوارع الراقية ، وتتذكر ما شاهدته بعد قليل في الجانب الآخر من الضفة المجاورة ، تحاول أن تمسك بخيوط الفهم و الإدراك لما تشعر به ، و أنت ما تزال مشدودا إلى صور الواقع الحي ، الذي ينطق نيابة عن ساكنيه بما تجيد به أكف طلب الرحمة ، وأدعية الصالحين في إختزال طقوس القبول ، وتكسير جدار عنوسة من رحم الولادة المؤجلة في طقس البخور الصاعد من خرافة الأمكنة ، وشهقة المكلومين بجروح القدر المحتوم ، الذي دفع الكثيرين ممارسة تعويذة الإفراج من ثقب عين حاسد مارد يتربص بالضحية ، وكلما أمعنت النظر ، وحدقت في إندهاش الصورة ، تتغير ملامحك ، وتسمع نباح الكلاب الضالة تؤثت أماكن العفونة ، وفرص الإهمال تخصب الوجوه الصفراء بحرقة الإنتظار...

سحاب

امطرت فجاة ، ولم يتوقع احد ان تكون هذه الغيوم الداكنة ، تحمل معها لواقح الخير إلى ارض لم تعد تحبل كعادتها بإنجاب ربيع الفواكه الناضجة فوق طبق المائدة ؛ مزحة العصر ان ترى ما لا يرى ، وتصدق الرواية دون ان تسال في صحة المعلومات الواردة من مصادرها المجهولة ،تتلقفها الالسنة ، وتضيف لها ملح الإشاعة ،وتضعها في فرن التداعيات المغلوطة بفعل التداول المستهلك على ابواب المقاهي، تسترخي العمالة العاطلة خارج دائرة الاضواء الكاشفة لمعاني الكسل المتجذرفي عروق الانفتاح، وخلق روح تنافسية من اجل التغيير؛ هكذا قلت ، ربما اخطات في حق نفسي ما دامت السماء تفتح شهية الحياة ، وتدفع عن نفسها براءة السؤال ساعة حدوث البرق ، وتتدافع السحب نحو الشرق تشكل عواصفها القادمة ؛ قد تنذر بوقوع الفاجعة في اية لحظة عابرة ، يمكن إنتظار الاسوا في غالب الامر ،لان جميع المعطيات ترسم ملامح المرحلة القادمة في بؤرة لم تكن في يوم من الايام تثير إنتباه الآخرين ، ولا اعدءنا التقليديين . فتحنا على انفسنا ابواب كثيرة دون ان نتمكن من اغلاق واحدة منها ، واستسلمنا لواقع الحال الذي لا يرحم احد ؛ هذا حصادنا ، نقلب اكف الخيبة و الحسرة ، وتناسينا نعم الله علينا ، وتخاذلنا في نصرة إخواننا في فلسطين المسلوبة ، وتراكمت علينا الاطماع من كل جانب ، وظلت السماء تراقب المشهد عن كثب ؛ تنتظر , ماذا نحن فاعلون ؟ ٠٠٠

ذئاب

وجدت نفسي ،اتحسس وجهي ،في غابة لا تعرفني ، افركت عيني ، لم اصدق اني في مواجهة الذئاب ، ومن دهشتي احتميت خلف شجرة لم اتبين نوعها ، امسكت بكل ما املك من قوة الخوف التي ظلت بحوزتي ، عد اتطلع ثانية إلى الشيء الذي ارعبني ، ما تزال تحدق بي ، و الدهشة تبدو واضحة من حركات الذيل ، و التركيز الممل يحدده قائد المجموعة ؛ اختلطت صور كثيرة بذهني ، وتسارعت دقات قلبي ، وشعرت بالدم يتدفق سريعا عبر شراييني الضعيفة دون هوادة ، في تجاه نهاية لا اعرف شكلها ، و لا المصير الذي يلاحقني مثل ظلي في هذا المكان يشعرك بالرهبة ، وبعالم مجهول ينبت بداخلك ؛ وانت تختزل وسط مساحة تتجاوز قليلا كف اليد ؛ اقتربت الذئاب مني ولعابها يتساقط تباعا ، وخفقان قلبي الصغير لم يتعود على هذه الصورة الحية ؛ وهي تتماثل امامي ... شتان ما تراه العين من خلال شاشة التلفزة ، وما انا فيه الآن . ادركت ان الموت صاحبي لا محالة ، ولا سبيل للهرب ، او اقناعهم للعدول عن فكرة الهجوم المصاحب للفتك ، وتقطيعي إربا كل ياخذ نصيبه ، وانا ، ارى نفسي تسرق مني رغم انفي ؛ تذكرت الاشياء الجميلة التي قمت بها في حياتي ، وجدتني اغرق فيها . تقدم قائد الذئاب اكثر ، وترك البقية خلفه ، كان شجاعا ، يكفيه انه انفرد بي ليفاوضني عن شيء لا اعلم منه سوى انني سانتهي بعد قليل ؛ التفت إلى بقية القطيع ، وبدا يعوي بقوة ، وعادت زمرة الذئاب تردد فرحة النصر ، لم افهم ماذا يجري حولي ، وفي اوج هذه الفريسة عادت الذئاب إلى وسط الغابة دون ان تلمس مني شعرة واحدة ، ايقنت ان الذئاب اكثر رحمة من بني البشر...

خليل الوافي _ كاتب وشاعر من المغرب
khalil-louafi@hotmail.com

CONVERSATION

0 comments: