الشعر عنصر تخريب للحياة..!/ صالح خريسات

   قبل نحو من ألفين وأربعمئة سنة، رفض سقراط قبول الشعراء والأدباء في الدولة. ومن بعده جاء أفلاطون وقرر أن الشعر والأدب لا يمكنان من تأسيس دولة تعتمد على المفاهيم العقلانية ، إذ أنهما لا يلتقيان في شيء مع العقل.
   وعلى الرغم من أننا نقرا هذه الأطروحات ونبحثها في كتبنا ورسائلنا الجامعية.لكن أحدا منا لم يجرؤ على التصريح بان الشعر ليس ثقافة!!
   لماذا لم يجرؤ احد على مثل هذا التصريح؟! والجواب لأن مجتمعنا كله شعراء، ومصادر تاريخنا كله هي الشعر، وأكثر من ينسبون أنفسهم إلى العلماء هم من الشعراء،أو ارتكزوا على الشعر في  نيل درجاتهم الجامعية ولا أقول العلمية، بل إن المسؤولين في الدولة، وهم من أفراد المجتمع نفسه ، خدعتهم الظاهرة  نفسها ،وقربوا الشعراء من  مراكز الصدارة، وأورثوهم الوزارة!!
   وحين نتأمل مئات الملايين من الكتب الأدبية والرسائل الجامعية ودواوين الشعراء التي تضيق بها المكتبات العربية، يزداد حجم المشكلة على ما أنفقنا فيها،وتتبين حاجتنا إلى الكتب العلمية التي تميز بين الحقائق والأساطير، وتبحث الأسباب وتعلل النتائج.
   وحين نفكر في ولوج المستقبل، نتعلم لغة أخرى، ونقرأ كتبا أخرى، وكان هذه المؤلفات الضخمة الجميلة من الأدب والشعر، لم تغن شيئا، ولم تدفع بنا إلى عصر العلم والإبداع والتطور.فما فائدتها؟!
وقد دأب كبار العلماء من الغربيين والعرب على حد سواء، على الاحتفاظ بأشعارهم وأدبياتهم في خزائنهم الخاصة ، وهم يخجلون من إظهارها في حياتهم، ولا تكاد تظهر إلا بعد وفاتهم،لأنها ذاتيات تخص صاحبها وتعبر عن مشاعره في موقف معين، فما شأن الناس بها؟!
   لكننا نفسح المجال كله في صفحات الجرائد والمجلات ووسائل الإعلام لهذه الذاتيات، لتأخذ مكان الصدارة أو حصة الأسد، رغم أنها تنعش فينا الرومانسية المتشائمة ، والتخيلات المفعمة،  والأحاسيس الكئيبة. فالشاعر يبكي ، والعاشق يتلوى، والمحب يتأوه،..حتى الطرب والغناء ، زوره الشعراء وجعلوه بكائيات على الأطلال ، وهذا كله يخلق في أجيالنا نوعا من الشعور يشابه كسوف الشمس في نفوس الناس ووعيهم.
   ونكاد نجد أن الشعر العربي قديمه وحديثه، هو المسؤول عن انفصام العلاقة بين العربي وعقله، وهو المسؤول عن الجمود الذي نحياه بقبول ورضا، فكل أشعارنا شكلا من أشكال الحنين،..الحنين إلى الماضي،..الحنين إلى الحبيبة،..الحنين إلى الوطن،..والكل يبكي.
   واحسب أن العربي حين يفقد عقله من هول المصيبة أو الفقر ولوعة الحب والهيام،أو يصبح إنسانا ضائعا، فانه يقول الشعر أجمله، ليداري به فقره وبؤسه، وقد قرر الفلاسفة من قبل، أن العقل حين ينام يظهر الشعر ويصحو. وقديما كان العرب يحسبون أن لكل شاعر شيطان يأتيه في خلوته أو حين ينام، وهذا يعني أن الشعر خيالي وكاذب ، ودونما التزام بالضروريات الإنسانية، علاوة على انه يحاول دائما مخاطبة الأحاسيس البائسة المتوجعة الناعمة في أعماق الإنسان، كما انه يدفعنا إلى عالم الوهم والأحلام ، ويقوى رغبتنا في البكاء والسخرية من كل شيء، حتى من أنفسنا، بل انه في اغلب الأحيان يجبرنا على قبول حتى تلك الحالات الشاذة التي ترفضها النفس البشرية في كل زمان.
   والكآبة لا تكون إلا في الشعر، فنوم العقل وحده يسمح بظهور مثل هذه الأحاسيس المخيفة، لذلك وجدنا الشعراء يمقتون كل صاحب مال ، لأنهم فقراء، وينتقدون كل سلطان، لأنه لا يأبه بهم، حتى إذا بسبس لهم ، التفوا حوله بأجمل الأشعار.
   أما الأدب العربي ، فقد ظل يدفعنا  في اتجاه الأوهام والأكاذيب الاجتماعية ،ويطوف بنا في عالم لا علاقة له إطلاقا بالعقل أو الفكر أو الثقافة،  إن لم يكن سببا في هدمها، فهو يدفع الإنسان إلى الغوص  في الأحاسيس السخيفة، والى النظر إلى نفسه من خلال الآخرين، وهو يتعارض مع الحياة ، ويفرغها من محتواها الحقيقي، ليحولها بعد ذلك إلى مشهد سخيف. وباختصار، فان مستهلك الشعر والأدب ، فارغ وتائه، وبعيد عن ذاته وعن المجتمع،  وعاجز عن الفعل ، وهو رمز للبؤس والحرمان.
   فداخل دائرة العقل، ليس هناك مكان للشاعر. هذا الكائن المتنوع المتعدد الغاص بسحره وخياله الواسع . كذلك الأدب المتعدد النزعات ، أوجد جمهورا متعدد النزعات أيضا. فالشعر عنصر تخريب للحياة، والأدب عنصر تعتيم للوعي.
   فيجب إخضاع الأدب للعقل، ودفع القارئ إلى التفكير والتأمل، ويجب إخضاع وسائل الترفيه، في الشعر، والمسرح،  والقصة ، والرواية،  لحركة الفكر ، حتى ولو كانت هذه الحركة، خفيفة وبطيئة.
   فالمطلوب هو الوحدة بين العلم والترفيه ، وجعل الأدب وسيلة تنوير لا تعتيم. وهذا يعني، مسؤولية الأدب والفن ، للدفاع عن الحرية والقيم الإنسانية ، لتقوم مقام الأحزاب السياسية، وتساهم في تحرير النفس من الرواسب الفكرية، والأساطير الاجتماعية، والغيبيات،  وعالم الخيال. فالأدب والشعر والفن، إذا تحولت إلى بوق دعاية، أو إلى شكل من أشكال الترفيه السطحي الساذج، فان المجتمع بأسره سيسقط في الحضيض، ويغرق في وحل الوهم والخيال، وينسلخ عن العالم كله.
ويحضرني قول احد رواد الفلسفة في العصر الحديث ، أن جيشا من الأسود ، إذا وضعت بين جنوده شاعرا، فانه يتحول إلى جيش من الأرانب.ويحضرني أيضا ما ذكره المؤرخون العرب والأجانب عن الوضع الذي كان سائدا في الأندلس قبيل سقوطها ، فقد أظهرت عيون الجواسيس التي جاءت بأخبار غرناطة وعموم الأندلس ، إن الأمراء والشبان وقادة الجيش كانوا لا يعرفون شيئا في الحياة غير الشعر والتغزل بالنساء والبكاء على فقد الحبيبة. وعندما داهمهم الإفرنج ، انشغل كل منهم بالبحث عن محبوبته . وتسجل لنا الموشحات الأندلسية بعضا من هذه الصور المؤسفة، التي تغلغلت في حنايا قلوب الرجال من العرب وأفقدتهم خشونتهم وسطوتهم ، فضاعت البلاد.
 فهل يكون الشعر بأنواعه،  قادرا على أن يثبت وجوده في واقعنا ، وينتصر على الأوهام؟!

CONVERSATION

0 comments: