إقامة الأجسام الأدبية:ضرورة ملحَّة/ سيمون عيلوطي


حين تلقَّيتُ دعوة من قبل أحد الأصدقاء الكتاب للمشاركة في إنشاء رابطة كتَّاب، لم تثنني رغبتي في تحقيق هذا الأمر، عن العودة إلى تلك المرحلة من مسيرة حياتنا الثقافية التي شهدت إقامة أجسام أدبية، فأخذتُ أنظر إلى الموضوع من جوانبه المتعددة، وأنا هنا غير معني بتوجيه النَّقد لأحد، بقدر عنايتي رصد الظاهرة التي قد تكون مفيدة لمن يريد أن ينشئ رابطة يلتف من حولها الكتّاب والأدباء.

لا يختلف إثنان على أن إنشاء أي جسم ثقافي، سواء كان تحت اسم إتحاد كتَّاب، أو رابطة كتاب، يساهم في تنشيط الحياة الثقافية والأدبية، ويساعد الكاتب على نشر وتوزيع انتاجة الأدبي، كذلك إتاحة الفرصة أمامه لكي يشارك في الندوات والمهرجانات الأدبية، وهذه الأمور التي تبدو للوهلة الأولى غاية في البساطة، إلا أنها تشكّل بالنسبة للكاتب والأديب، المتنفّس الذي يحتاجه من أجل تحقيق ذاته، ومن ثم تحقيق التواصل الضروي مع المتلقي.

إن اتحادات الكتَّاب حين تقوم بواجبها هذا تجاه أعضائها، إنما تعمل في الوقت نفسة على تحصيل حقوق الكاتب النقابية، وغيرها من الحقوق التي ربما يجهلها الكاتب، أو ربما لا يعرف ما هي الترتيبات والإجراءات المعمول بها للحصول على حقوقه، كحقّه المادِّي لقاء استعارة كتبه من المكتبات العامة مثلا.

لا شكَّ في أن اتحادات الكتّاب عامة، تتأسس دون اعتبارت حزبية، أو طائفية، أو قومية، أو سياسية، وهي بناءً على ذلك تشكّل الإطار العام لجميع الكتّاب ضمن حيِّز واسع من الحرية والديمقراطية التي يجري في ظلّها عمل الإتحاد، بما في ذلك إجراء عملية انتخاب الرئاسة، والهيئات الإدارية، والثقافية، والتنظيمية الأخرى.

وكم كان مفيداَ لكتّابنا، وأدبائنا، وشعرائنا، لو كان يمثّلهم اتحاد كتَّاب، أو رابطة كتّاب، تعنى بجميع شؤونهم الأدبية والثقافية، وإذا كانت تجربتنا السابقة في إنشاء جسم ثقافي يضم بين جناحية جميع الكتاب، قد أخفقت، فإن ذلك الإخفاق امتدّ إلى مسيرتنا الأدبية، وكان من نتائجة الهزال الذي لم يمكَّننا من إنشاء جسم ثقافي معافى، بل أفرز جسمين أدبيين ندَّين متخاصمين، وُلدا وأسباب عدم مقدرتهما على العيش وُلدت معهما، فالتحزّب، والفئوية، والفردية، والطائفية الأدبية التي رافقت ولادتهما وعملهما الثقافي والتَّنظيمي، كان من الطَّبيعي أن تقود إلى تلك "المعارك الضَّارية" التي رأيناها تدور بينهما عبر الصحافة والمنصَّات، ووسط هذا الصَّخب والصراخ الإعلامي، لم يسمعوا صوت أصحاب النوايا الحسنة، ممَّن حاولوا إعادة اللّحمة للأدباء أبناء الثقافة الواحدة، والهم الواحد، وجمع الجسمين الأدبيين في جسم واحد، أو على الأقلِّ جعلهما يتعايشان جنباً إلى جنب بوفاق وسلام، وحين ذهبت محاولات هؤلاء أصحاب النوايا الحسنة هباءً، إنما ذهب معها أيضاً هذان الجسمان أدراج الرّياح.

أرى أن المحاولات التي جرت بعد ذلك، والتي قام بها عدد من الكتاب والأدباء لإنشاء جسم أدبي هنا وهناك، كانت محاولات نابعة من حرص هؤلاء على مسيرة أدبنا وثقافتا، وكذلك على جمع شمل الكتّاب حول تصورات وأفكار تساعد على بلورة رؤية ثقافية، علَّها في نهاية المطاف تنير الدرب أمامنا لكي نصل بأدبنا إلى الهدف المنشود، وقد كانت لي مشاركة في إحدى هذه المحاولات، من خلال إطار أدبي اهمَّ بإقامة الندوات الأدبية والمنصات الشعرية، أكثر من اهتمامه بما يخص العمل على تحديد الهدف الثقافي الذي يجب أن يوجَّهه نحوه الأفضل ، ولم يولِ أيضا الجانب المالي والتنظيمي أي اهتمام يذكر، وهذا ما جعله هشّاً هزيلاً لم يصمد أمام أول خلاف حدث بين أعضائه، حول تشكيل هيئاته، وممثِّليه، ورئاسته، فانفرط عقده وهو لم يزل في مقتبل العمر.

لا أكشف سراً إذا قلتُ إن هناك محاولة تجري هذه الأيام، من قبل عدد من الأدباء، لتأليف رابطة كتَّاب، وقد زارني قبل مدة وجيزة أحد المبادرين لإقامة هذا الجسم الأدبي، وأطلعني على الأفكار والطروحات التي يرونها مناسبة لإنجاح ما هم بصدده، ثمَّ دعاني لأكون واحداً منهم، وقبل أن أعتذر عن مشاركتي في مشروعهم الثقافي (لأسبابي الخاصة)، أعربتُ له عن كم ستكون سعادتي غامرة، لو سمعتُ أخبارهم الطيِّبه بهذا الخصوص، وعلمتُ أنهم الآن بصدد القيام بعقد اجتماهم التأسيسي، ولا أقدّم جديداً هنا إذا قلت: إن معظم هؤلاء الأدباء قد بلغوا حدَّ النضج الأدبي الذي إذا وازاه نضح في مجال تنظيم عمل الرابطة، وتأليف لجانها، وهيئاتها، ورئاستها، وعرفوا كيف يتلافون الأسباب والمعطيات التي أدّت إلى زوال الإتّحادات والرّوابط السابقة، فإن النجاح المبتغى، سيكون من نصيب هذه الرابطة. فهل نتفاءل خيراً..؟

CONVERSATION

0 comments: