المحاكم الشرعية في غزة تغش الناس وتضللهم!/ عبد الكــريم عليـــان

المتعارف عليه أن وظيفة المحاكم الشرعية في غزة متعددة المهام، لكن الأكثر أهمية لهذه المهام هي التي تخص كل المواطنين، وهي توثيق الزواج والطلاق.. إذ لا يوجد مؤسسات رسمية أخرى لذلك.. ولعل الرسوم التي تجبيها هذه المحاكم مرتفعة في ظل ظروف اقتصادية غير خافية على أحد.. هذه الرسوم كانت مفروضة منذ عهد الاحتلال الصهيوني الذي كان يحارب ظاهرة الزواج ضمن سياسة ممنهجة كانت تهدف إلى تهجير أهل غزة، وبقت هذه الرسوم قائمة إن لم تكن قد ارتفعت عن السابق.. على عكس بعض الدول التي تشجع أبنائها على الزواج وتساهم في ذلك بالمساعدة في المهر عند بعض الدول الغنية، وتيسر عملية الزواج ولا تعقدها كما هو في غزة.. واليوم يستنكف الشباب والشابات في غزة عن الزواج نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأسوأ في تاريخها؛ فقلت نسبة الزواج مقابل حالات الطلاق، ولا أحد يحرك ساكنا.. لا من الجهات الرسمية، ولا غير الرسمية.. وكأن الأمر لا يعني أحدا ولا نعرف ماذا يفعل قاضي القضاة وأتباعه بهذه الأحوال؟؟

الموضوع الأهم في مقالتنا هذه هو موضوع: " مهر الصداق " وكيف تتعامل المحاكم الشرعية معه؟؟ فجرت العادة على تصنيف هذا المهر إلى ثلاثة أقسام هي:

1 ـ المهر المعجل وهو المهر المقبوض حال الاتفاق، وهذا ليس عليه خلاف لاتفاق الطرفين على ذلك ويتم قبضه قبل الزواج.

2 ـ المهر المؤجل وهو المهر الذي يتم دفعه في حال الطلاق، والخلاف على هذا محدود حسب حالة الطلاق.

3 ـ عفش البيت، وهو موضوع نقاشنا هنا.. حيث أنه مفهوم غامض مضلل.. تفسره المحاكم الشرعية في غير محله، أو في غير صالح الزوج.. ونعتقد أن معظم حالات الزواج تتم دون معرفة الزوج بهذا المفهوم الذي تفسره المحاكم الشرعية، ولا نعرف مصدر هذا التفسير، ولا نعرف لماذا يفرضون هذا التفسير عنوة على الزوج.. إذ أن العقد شريعة المتعاقدين، و" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى .." ونعتقد أن معظم الناس يتفقون على مفهوم "عفش البيت" بأنه "مبلغ من المال يمكن أن يغطي حاجة بيت الزوجة من الأثاث بحيث تعيش في بيت زوجها بشكل مريح ويعتبر ملك لها.." وعلى هذا التفسير تسير نية الطرفين قبل الزواج.. ولو كان غير ذلك لما كان سمي بهذه التسمية "عفش البيت" وكان يمكن تسميته بأسماء أخرى أو إلحاقه بالمهر المؤجل.. وفي حالات الزوج الذي يطلب زوجته لبيت الطاعة فإنه يطلب من الزوج عفش بيت جديد مؤثث بشكل جيد، إذ تخرج لجنة من المحكمة لفحص محتويات وعفش البيت.. فهل يجوز هذا بأن يدفع الزوج مرتان عفش البيت؟؟ لاعتبارات هم يفسرونها بأنها ملك الزوج.. إذن هل يجوز التسمية في المهر كما ذكرنا سابقا من توابع المهر "عفش البيت" ؟؟

          محاكم غزة الشرعية في حال بدء الخلاف بين الزوجين تطالب الزوج فورا بدفع قيمة العفش المذكور في العقد، حتى لو لم يكن خلاف بين الزوجين؛ فيحق للزوجة أن تطالب زوجها بقيمة عفش البيت في أي وقت يحلو لها.. ولو افترضنا أن الزوجين تم عقد قرانهما، لكنه لم يتم النكاح لأسباب ما.. وأراد الزوج الفراق دون أن يكون بينهما خلوة شرعية.. فالمحكمة تفرض عليه دفع عفش البيت أيضا.. وغير ذلك يمكن للزوجة أن تطالب بعفش البيت قبل الدخول بها.. هنا تدور المشاكل بين الطرفين بسبب تفسيرات المحاكم الشرعية لموضوع عفش البيت.. لماذا لا تسأل المحكمة الطرفين قبل فرض رؤيتها في الموضوع؟ إن كان الطرفان قد وضحا ما هو المقصود بعفش البيت؟ فإن كانا قد أقرا بمعرفتهما مسبقا بأنه حسب رؤية المحكمة فلا خلاف على ذلك.. وإن كان أحد الطرفين قد قال: أنه لم يكن المقصود ذلك، ولم يتم توضيح ذلك له من أي طرف.. وكانت نيته غير ذلك.. فسيظهر الخلاف وعلى المحكمة أن تغير رؤيتها في التفسير المعروف لديها.. وكذلك على المأذون الشرعي الذي يجري العقد ساعة وقوعه أن يفسر للطرفين بما هو مقصود بعفش البيت، ويستحسن تسجيل هذا التفسير في العقد الموقع عليه من قبل الطرفين وبحضور الشهود، وفي هذه الحالة سيكون التعامل أسهل وأسرع للقاضي البت في الأمر..

          المحاكم الشرعية التي وظيفتها توثيق الزواج والطلاق في غزة يجب أن تكون العنوان الأهم لسلوك المجتمع وتطوره، وهي التي يجب أن تقوم بتقييم هذا السلوك بشكل سنوي على الأقل، وتمد الباحثين والأخصائيين بالبيانات المطلوبة من إحصائيات تدلهم وتسهل لهم الطريق في اتخاذ التوصيات والقرارات كي يتم تعديل السلوك الاجتماعي للحد من الخلافات والصراعات الاجتماعية بين الأسر والأهالي.. لكن محاكمنا الشرعية مجرد هياكل في غير محلها إذ يوجد في كل محكمة قسم للإرشاد، لكن مهمتهم تقتصر على الإصلاح بين الطرفين وينتهي الأمر عند ذلك.. فهي لا تقوم بإجراء عمل الإحصائيات اللازمة، وأخذ العبر من البيانات والمؤشرات الإحصائية، ولا تقوم بإرشاد الناس على تغيير المفاهيم الخاطئة خصوصا في الأزمات والظروف العامة التي يتعرض لها المجتمع.. وإذا نجح الإرشاد في إصلاح ذات البين في بعض الحالات؛ فهو لم ينجح في الكثير.. ولم يدرس الكثير من القضايا التي تتم فيها حالات الطلاق.. ولم يعلن لنا عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الطلاق لأخذ العبر من الأسباب المتكررة عند تلك الحالات، والتي تشكل ظاهرة اجتماعية يجب الوقوف عندها ومحاولة الحد والتقليل منها.. إن مجتمع غزة قد مر في السابق بظروف أقسى وأصعب اقتصاديا، لكن حالات الطلاق والزواج لم تكن بهذه الصورة التي نعيشها اليوم، فأتذكر أن حالات الزواج كانت تتم ببساطة شديدة ولا يوجد بها تعقيدات مثل اليوم، وكان المهر يتم بما تيسر، وأذكر حالة لم تتوفر بها سيارات لنقل العروس من مخيم الشاطئ إلى مخيم جباليا فنقلت العروس على عربة كارو، إذ كانت جباليا تعيش في حالة فرض منع التجول واستغل أهل العريس السماح بالتجول ساعة؛ فجلبوا العروس خلالها من الشاطئ لجباليا.. هذه الحالة هي حالة الإصرار على الاستمرار في الحياة.. والإصرار على الصمود والتحدي.. لم يكن في ذلك الحين مؤسسات ولا قيادات مسئولة توجه الناس وتحميهم..

          متى ستتحول مؤسسة المحاكم الشرعية إلى مؤسسة تشعر بقدر مسئوليتها ؟ متى ستتحول هذه المؤسسة إلى مدرسة تربوية تقوم على تنشئة الأسرة بشكل يتلاءم مع متطلبات الحياة التي نعيشها؟؟ متى ستقيم هذه المؤسسة ورشات في التأهيل الاجتماعي والنفسي والجنسي أيضا للأزواج الشابة؟؟ متى ستتعاون هذه المؤسسة مع المؤسسات التربوية كالمدرسة والجامعة والمؤسسات التي تهتم بالتنشئة والتنمية ورعاية الأسرة كي نقيم أسرة سليمة قوية منتجة ومتماسكة، كي يكون لدينا مجتمعا سليما..؟ فالمجتمع أساسه الأسرة وهي حجر الزاوية في بناء مجتمع سليم، وبدونها سيكون هذا المجتمع كريشة تعصف بها الرياح.. وكل ذلك يتحمل مسئوليته المحاكم الشرعية التي يتم من خلالها بناء حجر الأساس في بناء الأسرة..

CONVERSATION

0 comments: