(في سِفر الحكاية
فتىً كنعاني وحقيبة أسفار
وحلم وصول إلى عمّان، وعمّانية أتعبها الانتظار
عيد ميلادك يملؤه الترحال
فصوب بعضاً من ترحالك
إلى عمّان التي تحبها وتحبك
فهي تنتظرك.. ولن تمل الانتظار).

صباح الأمس المبكر في رام الله، كان طقساً ربيعياً معتدل درجة الحرارة، بحيث تخلصت من ارتداء الملابس الثقيلة، وجلت شوارع رام الله ودروبها كعادتي، فقد اعتدت معانقة الشمس حين بزوغها، ومداعبة الياسمينات المنتشرة في بعض الدروب، وتنشق الهواء البكر قبل أن تلوثه عوادم السيارات، لأعود بعدها إلى صومعتي، وأجهز نفسي ودفاتري وعدسة التصوير، وأحتسي قهوتي الصباحية مع شدو فيروز، وأنطلق لأكون في الموعد في نقطة التجمع لشابات وشباب الحملة، على الرغم من أني كنت أشعر قبلها بالإرهاق من متابعة العمل، وكنت أرقب بفرح وقلق أيضاً حملة شباب الخامس عشر من آذار، وهم يعتصمون وبعضهم يضرب عن الطعام، وشعارهم "الشعب يريد إنهاء الانقسام، والشعب يريد إنهاء الاحتلال". لكن التعب زال بمجرد أني شعرت أن السواعد الشابة التي طالما تحدثت عنها، تعمل من أجل أن نرى صباحاً أجمل، وأني سأساهم في زراعة الشجر الذي يؤكد أننا في هذا الوطن لنا جذور.


يظهر أن الذين تولوا الترتيبات لم يدركوا معنى ومغازي حملة جذور، ولم يقدروا المعنى الرمزي من خلفها، وأن المسألة ليست مجرد زراعة عدة أشجار وكفى الله المؤمنين شر القتال، بل أن المسألة مسألة وطنية يجب أن تكون شاملة، فالعدو يسعى لاقتلاع البشر والشجر وحتى الحجر، فآلاف الأشجار اقتلعها العدو وما زال، ومئات البيوت جرى هدمها، والحجارة القديمة التي بنيت بواسطتها بيوت (العقد) التاريخية، سرقت وأعيد بناؤها من جديد ليوهموا الناس أنها تراث إسرائيلي وليس عربياً أباً عن جد، ولذا فأي حملة تسعى للمحافظة على التراث، أو زراعة الأشجار يجب أن تحظى باهتمام خاص وكبير، فقد لمست الغياب الكبير للحضور من المنطقة، باستثناء رئيس المجلس البلدي لبلدة جناتا الذي ألقى كلمة ترحيبية، وعدد من طلاب المدارس الذين شاركوا المتطوعين بالحفر والزراعة، وهذا ما يجعلني أشعر بالفارق بين المهرجان الشعبي والرسمي باستقبال الحملة في بلدة بني نعيم، وتوفير كل المستلزمات إضافة إلى الكرم العربي الكبير، وبين ما لمسته في هذه الحملة، فحتى الإحساس بأن القادمين للمشاركة من شباب وشابات، حضروا من رام الله مجتازين المسافات، ليزرعوا الشجر وينشئوا نواة حديقة تحمل اسم مغتربي بيت لحم، متحملين مشقة الطريق وقرف حواجز الاحتلال، لم أشعر به، فحتى الماء لم يتم إحضاره إلا في اللحظات الأخيرة بعد أن بلغ العطش مبلغه في حناجر المشاركين، وحين بدأ الجميع يركبون السيارات استعداداَ للعودة إلى رام الله، وصل الماء مع شطائر الفلافل فأنقذ المشاركين من العطش لنغادر وفي القلوب غصة.
أسائل نفسي: لو أن المعنيين في المحافظات التي تمت بها الحملة شاركوا في المحافظات الأخرى، ألم يكن هذا ليشكل بعضاً من الشعور بضرورة التنافس بين المحافظات، لتقدم كل محافظة الأفضل؟ وأعتقد جازماً أن هناك ضرورة أن يتعلم البعض معنى عبارة (لنا جذور)، وماذا تعني الشجرة في تقاليدنا وتراثنا الفلسطيني، وأن يستعيدوا في ذاكرتهم صورة تلك الفلاحة الكنعانية الجذور، التي بثتها وكالات الأنباء قبل سنوات، وهي تحتضن شجرة الزيتون التي قطعها جنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه، وهي تضمها وتبكي وكأنها فقدت أعز أبنائها، فعندها ربما يستطيعون أن يقدموا الأفضل، وأن يرتبطوا بالجذور أكثر.. وأن لا يدعوا الأشجار تولد ميتة.
صباح مشرق في رام الله اليوم، أجول دروب المدينة مبكراً، أستعيد ذكرى رحلة الأمس، وكيف أني حين عدت كان الألم يعتصرني، وأحلم أن تكون الحملة القادمة في محافظة رام الله والبيرة أفضل، لتستمر الحملة وتؤكد فكرة أن لنا جذوراً، فلم أجد سوى التجوال لمدة ساعتين في أحياء رام الله القديمة، لعلي أخفف بعضاً من ألمي في هذه الجولة، وأنا أستمع لهمسات أرواح الجدود، وأحلم لوطني وشعبه بصباح أجمل، وأتذكر أن شابة من المشاركات كان الأمس عيد ميلادها، وكانت تحلم أن تعلن ذلك وتحتفل بهذا اليوم بين الأشجار المزروعة بجهدها وجهد زملائها، فخاب أملها وحلمها، فأهمس لها الآن: ليكون عامك القادم أجمل أيتها الشابة، ولعل ميلادك القادم يشهد فجراً جديداً وامتداد حملة لنا جذور وحملات أخرى مشابهة، تجعل وطننا أحلى بشجره الأخضر.
أحتسي قهوتي مع طيفي البعيد القريب، أنظر من نافذة صومعتي، أتأمل نباتاتي وورودي التي بدأت تينع من جديد مع إطلالة الربيع، وحوض النعناع الذي بدأت براعمه بالنمو، أستعد للسفر إلى عمّان ولقائها وأستمع لشدو فيروز وهي تشدو: (يا منشدين للهروب، يا هائمين في الدروب، غناؤكم هاج دموعي، أدمى حنيني وولوعي، في البال تحيا دروبها السمر، سطوحها الحمر في البال، زهر التلال، في البال دنيا ترابها الشمس والقدس في البال رغم المحال).
وأهمس: صباح الخير يا وطن، صباح الخير يا رام الله.. صباحكم أجمل جميعاً.
0 comments:
إرسال تعليق