أشجار فلسطين/ د. ثريا وقاص


مهداة إلى أصدقائي الفلسطينيين في يوم أرضهم

- المغرب

تأخر هذا النص البسيط جدا بضعة أيام لسبب ظرف طارئ، وأريد به فقط أن أحيي أصدقائي الفلسطينيين هنا، وأن أقول لهم بأن يوم الأرض وبأن فلسطين مكونان أساسيان لهويتنا جميعا..

يحتفظ معظم فلسطينيي الشتات بمفاتيح منازلهم وبأشياء عدة من فلسطين، رمزية كانت أم حقيقية، كحفنة من ترابها، كحجر، كذكرى في القلب، كرفة عصفورة شاردة فوق أسلاك القدس أو يافا أو حيفا، أو غيرها من المدن التي فقدوها، ولكن لا أعتقد أن منهم من يمتلك أشجارها كما نمتلكها نحن.

نعم، نعم، نمتلكها و قد غرسناها ذات طفولة، وما نزال إلى الآن نرعاها لفلسطين، حتى تعود.

قصة هذه الأشجار بدأت منذ أزيد من ربع قرن..

بدأت ذات صباح يوم ربيعي جميل، حين أخبرنا معلمنا الأستاذ رضوان ونحن في الفصل، بأننا بدلا من الدرس سنخرج في رحلة إلى المطار الصغير خارج المدينة.

لا شيء ظل في مخزون الذاكرة مثل تلك المسافة المرحة، التي قطعناها مشيا على الأقدام متفادين السيارات و الشوارع الكبيرة، لا شيء مثل ذلك الصخب الصامت و المثير و الجاد و نحن نتخيل أنفسنا نركب طائرة ما، فنطير إلى مكان ما، فالحقيقة أقول أننا ونحن في الطريق؛ فسرنا يومها الرحلة إلى المطار الصغير (الذي كان للاستعمال الداخلي فقط)، بهذا الشكل و لهذا الغرض تحديدا، وخمنا حتى الإنشاء المدرسي الذي سيتبع الرحلة في وصف الطائرة و المطار.

وأتذكر أيضا دهشتنا الفادحة حين وصلنا، ولم نجد مكان الطائرة إلا صناديق خشبية تحوي أغصان الشجر.

و لعل معلمنا لاحظ يومها خيبة أملنا، لعله لاحظ حيرتنا أمام رؤية هذه الصناديق الغريبة الباردة، فجمعنا حوله وقال لنا بعد أن أسكت أصواتنا الضاجة بما يشبه الرفض: أترون هذه الصناديق؟ إنها صناديق جاءتنا خصيصا من فلسطين التي كلمتكم عنها، و عن أراضيها التي سرقها منها الصهاينة، وهي تحبكم، وقد أرسلت لكم هذه الأغصان من أشجارها، راجية منكم أنتم بالذات أن تغرسوها هنا، حتى تنمو فتعيدونها إليها، نعم.. إنها تطلب منا أن نعيرها فقط جزءا من ترابنا، لتكبر فيه أشجارها المهددة بالموت، لأنها ببساطة لا أرض لها الآن بعد أن اغتصبت منها، وحين ستسترجعها قريبا جدا؛ سنعيد لها أشجارها ونكون قد حفظناها لها ونجيناها من الموت، فهل تريدون أن نخيب رجاء فلسطين فينا؟ هل تريدون أن تموت أشجار فلسطين فتبكي أرضها هناك؟ ثم هل تتخيلون انتم أرضا دون أشجار؟

"لا" صرخنا بصوت واحد، لا، لا

وفجأة أحسسنا ولأول مرة بمسؤولية تلقى على عاتقنا، ومسؤولية كبيرة وغريبة وغير عادية فوق ذلك، مسؤولية اسمها إنقاذ أشجار فلسطين، وأتذكر جيدا أن حالة من الذعر قد أصابتنا بعض الثواني، ونحن نتخيل فلسطين وقد أصبحت بسبب تخاذلنا أرضا قاحلة خالية من الأشجار، فأحسسنا بالفاجعة، وما كان منا إلا أن رفعنا أكتافنا الصغيرة بشكل شبه جمعي وعفوي، استعدادا لحمل ثقل هذه المسؤولية الهائلة، فأسرعنا إلى الصناديق لنعجل في عملية الإنقاذ وطالبنا بأغصاننا.

كان يوما محموما، أذكر، وكان كل واحد منا يحفر و يسرع في غرس غصنه مخافة من أن يجف، فتنتحب عليه الأرض هناك في فلسطين، هناك في مكان ما بعد قطع بحار ما بالطائرة.

وبعد أن انتهينا؛ طلب منا المعلم الجميل أن نعتني بأشجار فلسطين على الدوام، ونزورها لنراها تنمو فهي الآن أمانة في أعناقنا.

وظللنا أهلا لحمل الأمانة، ليس كلنا و لكن على الأقل معظمنا، فكنا نزورها جماعات ونغرس كل 30 مارس أغصانا أخرى بقربها لتحميها وتؤنسها.

كبرت الشجرات وكبر العالم من حولنا و كبرنا، وبدأنا نعي أكثر من تكون فلسطين التي ما تزال تنتظر عودة أراضيها، والتي يموت أبناؤها على مدى سنوات، وكبرنا ونحن نواظب على لقاءاتنا تحت ظلال الأشجار، نستذكر خلالها الطفولة، نتذكر معلمنا رضوان، فلاح فلسطيننا الأول، الذي رحل قبل أن يعيد شجرته لأهلها، وكنا لها فقط ، لأشجارنا/ الأمانة نبوح بأسرار حياتنا، وبخيباتنا وانتصاراتنا الصغيرة.

ظل الأمر كذلك إلى أن حدث أمر صغير/كبير قبل بضع سنوات، وهو بناء مطار دولي كبير في ضاحية المدينة، وبعد الحدث بأيام اتصلت بي صديقتي فايزة، وكنت بين حصتين من الدرس في جامعتي التي تبعد بمئات الكيلومترات عن أشجار فلسطين، وفايزة هذه هي حارسة الأشجار الدائمة، لكونها أكثرنا استقرارا في مدينتي الصغيرة، وقد اتصلت بي لتقول لي بصوت متأثر وشبه باك، بأن أراضي المطار الصغير قد بيعت كأراضي عقارية، والأشجار مهددة بالقطع.

سافرت على وجه السرعة، ووجدت معظم غارسي أشجار طفولتنا في الانتظار، وقد جاء أغلبيتهم من مدن عملهم البعيدة مثلي، فأنشأنا على عجل ما أسميناه بمجموعة "أشجار فلسطين"، وتقدمنا إلى "مصلحة الأراضي و العقارات" بعريضة، نرفض فيها قطع أو المساس بالأشجار التي غرسناها أطفالا.

استمر نضالنا أياما، خرجنا منه منتصرين، لأن الذي قرر الأمر كان قد غرس بدوره شجرته معنا ذلك اليوم، الثلاثون من مارس.

الأشجار ما تزال في مكانها إلى الآن، وإن تغيرت معالم الفضاء، فتحولت حقول أراضي المطار القديم الخضراء الفاتنة و الشاسعة، إلى بنايات و عمارات كئيبة.

وفايزة التي كلمتني منذ يومين لتطمئنني على الأشجار، أخبرتني بأنها تناضل ضمن المجموعة، ليأخذ شارع أشجارنا الرئيسي اسم "شارع أشجار فلسطين"، و الشارع الذي يتقاطع معه اسم "رضوان الفلاح"، وقالت فيما يشبه البوح بأنها في الثلاثين من مارس الأخير، قد أخذت أبناءها الثلاثة وبعض أصدقائهم، إلى مكان الشجرات وأعطت لكل واحد منهم غصنا ليغرسه، مكررة لهم نفس كلمات معلمنا، وأضافت فرحة: أتعلمين؟ لقد غرس أولادي و أصدقاؤهم الأغصان بنفس حماسنا وجديتنا وغبطتنا، وبنفس الحمى المتوترة والمسئولة و التي ما تزال تسكننا.

CONVERSATION

0 comments: