بلقيس وأحاديث القصب للماء المسافر/ صالح الطائي

[قراءة في مجموعة الشاعرة بلقيس ملحم "ما قاله الماء للقصب"]

قد يكون ما مر من حيف وظلم بالأهوار وأهلها ترجمة حقيقية للحيف والظلم الذي لحق بالعراقيين الأصلاء عبر التاريخ، فما من مسامة في جسد الإنسان العراقي إلا وتجد للألم فيها موضعا وللحسرة فيها مهجعا، بل ما من خلية في جسد العراق أرضا وترابا وماء وزرعا ونباتا بريا وطيرا مهاجرا إلا وهناك طعنات خلفت ندوبا عميقة لا تخفيها المراهم والمساحيق.
فكم من مرة جففت الأهوار قسرا فانقطعت الصلة بين القصب ابن الماء الذي لا ينمو ويتكاثر إلا في وسطه، وبين الماء الذي يحتضن القصب والبردي لكي يمدهما بالحياة ويحمي بهما أسماكه وطيوره من حرارة تموز القاتلة، فانقطع بذلك هدير حديث سرمدي طويل عن قمم الحضارة الإنسانية وقوافل الغزاة الهمجية، وخيم على الأهوار سكون مطبق كسكون المقابر، بعد أن هجرتها طيورها ولم تعد تزقزق على سيقان قصبها.
وأن يأتي من يحاول أن يعيد إلى الأهوار حلو الحديث، أو أن يبحث عن ذلك الحديث الذي كان يدور بين الماء والقصب ليعيد له الحياة ولو من خلال الرمز فتلك وربي مجازفة لا ينجو من مخاطر الخوض فيها إلا من عشق الأهوار حد الوله وأدمن عيشها وأحسن استخدام (الفالة) و (المشحوف)[*]
ولذا اندهشت حينما وقعت بين يدي مجموعة (ما قاله الماء للقصب) للشاعرة السعودية المتألقة بلقيس الملحم، وأدركت أن روحها العذبة التي أوحت لها بإطلاق هذه التسمية على مجموعتها مجبولة على التحدي الكبير والعشق الغزير. ولكي أتأكد من صحة هواجسي أبحرت بمشحوفي متسلحا بفالتي بين قصائدها فوجدت صور حواريات تشبه تماما تلك الصور التي يتداولها العراقي في حديثه مع العراقي عن الميثولوجيا أو حكايات الزمن المستباح، سواء كان المتحدثان من أبناء الهور أو أبناء الصحراء أو من أهل الحواضر والمدن، واقصد بها قصص الحواريات الدينية والتاريخية، وتلك المفردات الخاصة التي فرضتها أنماط العيش علينا بعد أن باتت تتكرر على مسامعنا صباح مساء.

وظفت بلقيس الملحم المفردة المعاصرة والقصة الميثولوجية في حواريات قصائدها برشاقة تحسد عليها، كما وظفت الزمان والمكان لتبدو وهي السعودية المولد والنشأة(**) وكأنها عراقية حد النخاع، سومرية الهوى، بابلية الجوى، أكدية المنطوى،كوفية المحتوى، فهي ابتداء أطلقت على مجموعتها اسم (ما قاله الماء للقصب) المستوحى من أفياء الهور وقصبه وممراته الميسمية الضيقة، فبدت القطرات الشذرية اللازوردية اللون تنساب من وشم يديها على الورق وكأنها من تلك النساء السومريات اللواتي لا زلن يحتفظن بموروثهن السومري العتيق في طريقة ملبسهن ومفردات حديثهن، وفي طرائق أدائهن للأعمال اليومية في بيئة تعز بها الأرض اليابسة ويكثر فيها الماء والقصب والبردي والطيور الصوادح والحيات والأفاعي والجوارح، حيث لا زال الوشم علامة بارزة في حياة الهور تنساب ألوانه على عمل وتعامل النساء مع الآلة والأداة لإنجاز روتين الحياة ذات النمط الصعب والحياة الكظة.
فضلا وجدت الشاعرة بلقيس تتحدث في مجموعتها بمفردات إلفها الشارع العراقي لأنها منذ أربعة عقود ونيف لا زالت ملح حديثهم ومدار سمرهم وحوارهم وصوت عذابهم وصورة الوجع الذي يرتسم على شاشة قلوبهم وأنماط حياتهم، فكانت سببا ونتيجة، السبب هو:
القذائف: (والقذائف "ما تقبل تعوفنا)
التفجيرات الإرهابية: (وفزع الشبابيك المختومة بالحديد) (وأنا من هول الانفجار .. ألتمس سواريك .. أبحث عنهما دون جدوى) (خلقت لهذه الانفجارات)
الشظايا: (كلما جمع شظايا البالونات)
الحرائق ورماد الجثث: (أأضرم في الحدائق رماد الجثة القادمة)
أما النتيجة فهي:
الاحتضار: (وسعف نخيل يحتضر)
الموت: (وتموتين كبرتقالة .. تلوح لغيمة للوقوف)
الذبح: (أجود بمذبحه ورودا وسلاما.. إذ قال لي:إنني ذبيح)
أشلاء الضحايا: (من الجماجم المفقودة)
نهد العروس الدجيلية المقطوع بالمنجل:(هناك لا قلب ينام .. لا ريح تصفع.. لا طين يصدأ .. هناك تسفح الأماني .. ويدر الضرع المبتور)
الجراح: (أنا لم أعد أنا.. مذ قال لي: إنني الجريح)
الدم: (يا لإناقة دمك حين تفض أزرار الطفولة)
الدموع: (قاطعين جسرا من الدموع)
فضلا استخدمت الشاعرة الملهمة مفردات كتابية وسلوكية عراقية أخرى لتوثيق حالات من سنخ الهم اليومي العراقي الذي تطبعت به حياة العراقيين ولاسيما البكاء (أعترف بأنني كثيرة البكاء) فالبكاء معالجة عراقية لمشكلة قائمة عبر التاريخ توجع القلب وتدمي الفؤاد حيث تتلفع نساؤنا بالسواد وتضوع من أغنياتنا قوافي النواح والأنين

بلقيس لا تستخدم في قصائدها المفردات والصور العراقية فحسب بل وتقتبس حتى من الأمثال والغناء الشعبي العراقي مواويلا: (إي ولك يابه عيوني) وتأخذ من الشعر الشعبي العراقي أبياتا وتضمنها لقصائدها كما في قصيدة (صباحاتنا فناء يا كوت!) حيث اقتبست من الشاعر الكبير مظفر النواب قوله:
(مو حزن لكن حزين
مثل ما تنكطع جو المطر شدة ياسمين!
مو حزن لكن حزين
مثل بلبل كعد متأخر لقى البستان بليَّا تين!)

لمدن ومناطق العراق وشيجة مع قصائد بلقيس فما من مدينة إلا ولها حصة:
فالعراق: (منذ العراق والجنوب والأهوار والقصب) (فدثرني اللهم بروح أشهم بها العراق ..اذوق بها القصب) (وعائشة اللذيذة تسألك .. أتشتهين عراقا من تفاحة بيضاء) (عندما استيقضت .. سألت طفلا من بابل .. فرد علي قائلا: مبشرة أنت بالعراق)
وأوروك: (فلربما تزورني أوروك)
وسومر: (أتلو تمائم سومر على جسدي) (اكتسي بسواد الموسيقى...وجناحين من أجنحة سومر)
وبغداد ودجلة: (بغداد مجنون موت بلادي) (بغداد طويل هذا الغروب) (لا مباح أن يعلم مكاننا .. وسط هذا التيه .. غير أنا وأنت ..دجلة والقمر) (لأطير إلى جهة ما .. في دجلة بغداد) (وأغصان بغداد ترتجف .. في وخزة الروح البعيدة)
والفرات: (هيا أركبي.. أنت الآن في نهر الفرات) (فرات وردي من خمرة المعارك)
وشموع زكريا: (تحاكي رقصة الشموع .. شموع زكريا)
وبابل: (سألت طفلا من بابل)
والنخيل: (النخيل الذي تينع منه نذور الماء) (وعلى ضفتيه.. وقفت غابات من النخيل)
والقصب: (القصب الذي مضى بها جنوبا.. باتجاه قلبي)
وكنيسة سيدة النجاة في الكرادة: (وسيدة النجاة .. نحيلة ممتدة..تعدد مواسم التراب)
والجنائن المعلقة: (الجنائن المعلقة اندثرت يا آدم الله...لذا رأيت الطريق متفسخا)
وباب الشيخ: (أشتهي أن أتسمر أمام باب الشيخ .. أتصيد لأنفي روائح تلك الحارة)
والسماوة: (طفولتي البيضاء .. بساتيني الخضراء.. ورغيف السماوة ..ذلك الذي كلما دبكنا في العيد.. أكلته الأحزان)
والموصل: (بخصر عذراء موصلية.. بهمس هلالات فضية)

ولقد وجدت مشيمة روح بلقيس معلقة بنسغ كل ما هو عراقي فهي تكتب قصائدها وتهديها إلى أدباء عراقيين دون سواهم من الأدباء العرب، أهدت (خاص جدا) إلى الأديبة البصرية الرائعة وفاء عبد الرزاق وذيلتها بتوقيع (إلى أمي الغالية الشاعرة الكبيرة وفاء عبد الرزاق) وأهدت شاعر العراق الكبير يحيى السماوي (فلينطق العشب) مذيلة بقولها: (إلى والدي يحيى السماوي، ما أشقانا، ما دام المعجز في شعر السماوي لم يولد بعد) وأهدته أيضا (ابنة أبي أنا) وأخيرا أهدت السيدة أم شيماء زوج الشاعر الكبير يحيى السماوي (زهرة خلف أذني)

الجسد عند بلقيس كوة مملوءة بالطلاسم، بصور شبحية، بأساطير من سنخ أساطير الجنيات، ولذا تنظر إليه من زاوية غير معروفة لا ينظر منها إلا الشاعر، فتراه كيانا رؤيويا يختلف عن رؤيتنا ورؤانا، فالجسد عندها محض أشكال سريالية تعطي انطباعا أنه ليس مثل شكل جسد الإنسان المعروف، بل هو كائن أسطوري تتدلى سيقانه من قاع القلب: (لم أفض إلى نفسي.. إلا بساقين رخوتين.. أدليهما من قاع القلب)
الجسد عند بلقيس كيان متحرك حيث الأضلاع الملتهبة تلعب داخل القفص: (شيء ما يهتز داخل جسدي.. ضلعان يلعبان بالأجراس داخل القفص ..يتلاهبان في إشتعال الفراغ) وحيث الرئة تعاف القلب وتذهب بعيدا لكي تجاور ثمار الأشجار في صورة غريبة غير معهودة: (تدلف إلى روحي كنسمة باردة.. تشق طريقها إلى رئة تجاور ثمار شجرة) وحيث القلب لا يسكن في قفص الصدر وإنما يغادر الجسد ليرقص هو الآخر في الغابات المتوحشة: (لن أشك بي.. هي دربكة القلب الراقص في الغابة المغلقة)
وللجسد في مفردة بلقيس معنى تجريديا، فهو كائن مملوء بالإحساس ولذا تراه يجوع، وإذا جاع لا يقضم تمرا جنيا بل يقضم سعفا جائعا ولكن ليس من سعفات النخيل وإنما من سعفات الجسد نفسه، وكأنها تريد القول أنها تستهلك نفسها حد الاكتفاء الذاتي كما العنقاء لكي تعيش: (كلما جاع جسدي .. قضمت من نخلتي سعفة جائعة) ثمة سحر أسود ينطلق من حركات الجسد ليرسم حركات القصائد التي تصبح هي الأخرى طلاسم سحر.

بعد أن أتممت قراءة المجموعة الشعرية (ما قاله الماء للقصب) بت لا أدري:
هل عاشت الشاعرة ردحا من عمرها في العراق وقاسمت أهله الهموم والنواح إنصافا بعد أن لم ينصف الدهر بيننا وبين أخوتنا العرب، ثم ضمنت شعورها قصائدها لتبدو تلك القصائد عراقية الهم والوجع، أم أنها بوجدان الشاعر وروحه الشفافة العذبة أبت إلا أن تشارك العراقيين همهم وتقول لهم : أنا رغم بعدي الجسدي عنكم، يشارككم وجداني معاناتكم! أم أن حب العراق وأهله شغلها رغم بعد المسافات فأنت كأنيننا، وأبت إلا أن تبوح بوجدها العراقي متحدية تلك التقاليد والأعراف التي لا ترضى للمحب أن يبوح بحبه حتى ولو كان للعراق!؟
وهي سواء كانت قد مرت بتجربة أو أكثر من تلك التجارب نجدها قد نجحت في إثبات عراقيتها بعمق راسخ بعد أن فشل الكثير من العراقيين في إثبات عراقيتهم، بل وتعمدهم التخلي عنها لصالح الفئوية والدسيسة التاريخية.

صدرت هذه المجموعة عن دار التكوين للطباعة والنشر في دمشق، بواقع (134) صفحة بورق كريمي، تزين غلافها لوحة سريالية جميلة تكاد تفصح عما رواه الماء للقصب.
وقد وجدت المجموعة إضافة جميلة للمكتبة الشعرية العربية جديرة بالاهتمام والمتابعة والدرس.


* - الفالة: عمود خشبي يتخذ عادة من البردي، في رأسه قطعة حديد على شكل أسنان طويلة تستخدم لصيد الأسماك، وهي من الموروثات السومرية.
المشحوف: زورق رشيق جدا سهل الانسياب بين غابات القصب والبردي يستخدم للتنقل والصيد والرعي وغيره، وهو الآخر من الموروثات السومرية، تدل طريقة صناعته وشكله الانسيابي على مقدرة العراقيين القدماء على التعايش مع البيئة وفق معاييرهم لا معاييرها، ولو كان المشحوف عائدا إلى الأقوام المعاصرة أو المندثرة لإحدى الدول المتقدمة أو قريبا منها لكان اليوم معروفا لجميع الشعوب وتقام له المهرجانات والمسابقات الدولية، ولكن لأنه عراقي أصيل لم يجد من يهتم به حتى من العراقيين أنفسهم.

أنتهز هذه الفرصة لأقترح على المسؤولين العراقيين تنظيم مسابقة دولية للتجذيف بالمشحوف، أو الصيد بالفالة، أو مسابقة دولية للكتابة عن الأهوار وعالمها لكي نسهم في تعريف الشعوب الأخرى بعالم الأهوار الساحر الغريب وطبيعتها الخلابة، ونتمكن من كسب الأصوات للدفاع عنها بعد أن شارفت على الموت المؤكد بسبب قطع المغذيات المائية عنها من قبل دول الجوار العراقي إيران وتركيا وسوريا.
**- الشاعرة والأديبة بلقيس محمد عبد الله الملحم من مواليد الإحساء في المملكة العربية السعودية، حاصلة على بكالوريوس دراسات إسلامية - جامعة الملك فيصل وهي أديبة متعددة المواهب، تكتب الشعر الحر وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والقصة والمقال الصحفي، سبق لها أن أصدرت مجموعة قصصية بعنوان "أرملة زرياب.. قصص من العراق" وراوية بعنوان " حريق الممالك المشتهاة"

CONVERSATION

0 comments: