راضي بنصيبي/ أمل جمال النيلي

حكايتي قصيرة .. في لم تبدأ سوي بالقليل .. ولدت طفل كفيف .. لم أحظي برؤية الأشكال ولا الألوان .. كل اتصالي بالعالم الخارجي من خلال السمع والتلامس .
والداي لم يقدر لهم إنجاب غيري .. مستواهم متوسط .. فعلوا الكثير كي يجدوا طريقة لعلاجي .. لكنهم لم يجدوا سوي إلحاقي بمدرسة خاصة .
تلقيت تعليمي مثل أي طفل ولكن بطريقة برايل .. حتى وصلت لكلية تربية نوعية .. وتعلمت النحت .. بدأت أصور ما بداخلي من خلال تماثيلي المنحوتة .
لم أفعل كالكثير .. لم أحاول عرض موهبتي علي الناس .. جعلتها حلمي في الظلام .. سري لا يحق لأحد مشاركته معي .. إلا أنني استطعت إبراز قدرتي علي النحت وتشكيل أشكال من الحلي رائعة الجمال .. فعملت مصمم مجوهرات .
أليس ما أقوله صعب .. ولما لا الله يمنح المرء نعم ويأخذ أخري .. ليس منا كامل سوي سيدنا محمد " صلي الله عليه وسلم ".
كنت أشعر بالمستحيل عيش قصة حب كأصدقائي .. ولكن ليس من أمر مستحيل سوي منع الموت .. يأتي دون مبرر .. حينما تعرضت للحادث كانت السعادة بدأت تغازل قلبي .. بدأت أري الألوان وأشعر بأنني أري بوضوح .. حينما دخلت خلود حياتي .
خلود زميلتي في العمل .. حينما رأت أعمالي أصابها الذهول من تفردها .. وأكثر ما أذهلها حينما عرفت أنني كفيف .. لم تصدق فكرت أنني ألاعبها .
قالت لي :
ـ أتمزح معي .. كفاك لعب .
فقلت لها :
ـ والله العظيم أنا كفيف .
فقالت :
ـ أنا آسفة لم أقصد ما قلته .
فقلت لها :
ـ لا عليك ِ .. ستبدأ ِ من الآن العمل معنا .. أليس كذلك .
فقالت :
ـ أجل وستكون أنت مثالي الأعلى .
فقلت لها :
ـ وهذا شرف لي .
بدأت حياتي من جديد .. لم نكن نفترق في العمل .. وأصبحت لقاءاتنا خارج العمل تتوالي .. بدأت ترسم لي العالم .. رأيته لأول مرة من منظور جديد .
لم تكتفي بهذا .. جعلت أحدي صديقاتها تحضر لي جهاز يدعي علي ما أظن " دليل الكفيف " .. موصل بالقمر الصناعي ..يدلني علي الأماكن الموجود بها .. جعلتني أتحرك بحرية أكثر .. استمتعت لم أعد أحتاج لمرافق .
شعرت بقلبي يدغدغه الحب .. ولكني كنت خائفة أكون بالنسبة لها مجرد صديق تساعده فقط .
وفي يوم قررت البوح بما بداخلي :
ـ خلود ما رأيك نتناول العشاء معا ً بأي مكان تحبيه ؟.
فقالت لي :
ـ ولما لا ؟ .. حسنا ً .
وبالفعل ذهبنا لأحدي المطاعم .. وبينما كنا نتناول الطعام قالت لي :
ـ أيمن ما بك يبدو عليك التوتر .. أهناك أمر تريد أخباري به .. أخبرني .
فقلت لها :
ـ أجل ولكن لا أعرف من أين ابدأ .
فقالت لي :
ـ أبدأ من حيث تريد .. أستمع لك .
فقلت لها :
ـ خلود نحن نعرف بعضنا منذ عامان .. أصبحت أعرفك وتعرفيني .. لكني لا اريد اقتصار علاقتنا هكذا .. أحببتك دون أشعر .. أرغب تكوني شريكة حياتي .. أعرف الأمر صعب .. وطلبي لا يناسب إعاقتي .
فقالت :
ـ أنا موافقة .
ـ ماذا تقولي ؟!! .
فكررت :
ـ موافقة علي الزواج منك .. أحببتك حينما تعرفت عليك .. خفت كثيرا ً نظل مجرد زملاء عمل .
ـ وأنا أيضا ً .. ما رايك لو أتيت لطلب يدك ؟.
ـ هناك أمر .. لابد يعرف والديك أولا ً .. بعدها سيأتي الباقي .. ربما لا يوافقوا .
ـ أنا أكثر منك ِ خوف آلا توافق أسرتك .
ـ لا تقلق كنت أكلمهم عنك .. فلاحظوا شعوري نحوك .. ليس عندهم مانع .. والداي معجبان بتحديك الظروف .
ـ ما رأيك لو ذهبنا لمنزل معا ً وأخبرناهم ؟.
صمتت فقلت لها :
ـ لا تقلقي والداي لا يغادروا المنزل بعد الثامنة .. ولو حدث كانوا أخبروني .
ـ حسنا ًًً هيا بنا كي لا أتأخر .
ذهبنا لمنزل وقابلت والداي .. أخبرتهم أنني أريد الزواج منها .. فقالت والدتي :
ـ أتحبها ؟.. وأنت ِ تحبيه ؟.
فقلنا معا ً :
ـ أجل .
فقالت والدتي :
ـ أتعرفي ظروفه جيدا ً ؟ .
فقلت لها :
ـ أجل وهي من أحضرت لي دليل الكفيف .
فقال والدي :
ـ أنت حر وراشد ومسئول عن حياتك .. لكن هناك أمر لا نعرف ما رأيكم فيه .
فقالت خلود :
ـ ما الأمر ؟.
فقال والدي :
ـ نريدك تتزوجوا وتسكنوا هنا .. أنت ابننا الوحيد ولا نستطع الابتعاد عنك .. ما رأيكم ؟.
فقلت :
ـ هذا صعب .
فأوقفتني خلود وقالت :
ـ ولما لا ؟ .. من حقهم آلا تبتعد عنهم .. نجرب وإذا لم نستطع التأقلم وقتها ننتقل للعيش بمفردنا .. ما رأيكم ؟.
فقالت والدتي :
ـ وأنا موافقة ولن نعترض وقتها .
فقالت خلود :
ـ ولكن لدي اقتراح .. أثاث المنزل يحتاج لتغير هكذا يعوق حركته ..لو تغير سيسهل الأمر عليه .
فقالت والدتي :
ـ موافقة .. ولكن أستغيره بأكمله ؟.
فقالت خلود :
ـ لن نستبدل الكثير .. القليل فقط .. أم القديم سنعيد ترتيبه .
هكذا سارت الأمور بيننا .. وأيضا ً مع أسرة خلود .. بدأنا نغير الديكور .. والأكثر جمال أنها خصصت مكان كساحة رقص .. أليس هذا غريب .. كانت مقتنعة بأن الرقص يعالج الاكتئاب .. ويزيد حيوية الجسم .
غيرت حياتي للأحسن ..ولم يعترض والداي .. فتفكرها كان صحيح ومدروس .. لم تقدم علي خطوة من غير تفكير وأخذ رأي الجميع .
وأخيرا ً تزوجنا .. بدأت تتأقلم معنا .. كما أنهم لم يعوقوا خصوصيتنا .. بل كانوا يتاحوها لنا .
وفي يوم تعرضي للحادث اتصلت بي خلود .. لتخبرني بأمنية غالية علي وعلي أسرتي .. أخبرتني بأني سأصبح أب لتوأم .. أليس خبر يكمل سعادتي .
يومها السعادة جعلتني لا أفكر .. ذهبت واشتريت ألعاب .. لكم تخيلت نفسي أب .. ولكني كنت خائف آلا أستطع التعامل معهم .. ولكن الله خير معين .
كنت سائر أفكر بخلود والطفلين .. وفجأة سمعت صوت طلق ناري .. فوجهت رأسي نحوه أحاول معرفة مصدره .. لم تمر ثواني حتى سمعت طلق أخر .. شعرت بشيء أخترق جسدي .. وفي ثواني غبت عن الوعي .
خلال فترة غيابي كنت لا اسمع سوي صوت خلود ووالاي يبكوا .. خطفت من السعادة .. لما سرقت مني .. ماذا ستفعل خلود بمفردها .. حتى أني لم ألمس وجههم .. لم أسمع صوتهم .
خلال الدوامة تملكت نفسي .. قدري ونصيبي .. لو كان الفراق فالحمد لله .. أمي وأبي بصحة جيدة .. طفلي سيشعرونهم بالعزاء.
أعرف أن خلود ستتعذب كثيرا ً .. لكن هذا قدري ولا استطع تغيره .. حتى لو فكرت في الزواج هذا نصيبها .. فلتعش الحياة كما تريد .. لعلها تجد أب صالح لأبنائي .. يعاملهم كأبنائه .. هذا علمه عند الله .. ونصيب .
هذا قدرنا حينما تغازلن السعادة نرحل .. هذا هو الثمن .. ثمن دفعته مقابل قاتل فكر أنني رأيته فأراد جريمة كاملة .. هذا قدري .. لكن الله له خطة أخري .. لم أمت وهنا أحدثكم وأنتم مازلتم في رحم أمكم لم تأتوا للحياة بعد .. مهما كانت حياتنا .. مهما فكرنا أنني نملك الحياة الله لديه يخبأ لنا قدرنا .
أتشوق للملس وجوهكم .. وسماع صوتكم .. أشتاق إليكم قبلما تأتوا .. سأنتظركم فلم تحن ساعتي بعد .

CONVERSATION

0 comments: