الحوار المتمدن، تلتقي القاص ، والكاتب المهجري: انطونـي ولـسن

حاوره: عـادل عطيـة

• لـ "إسمي": قصتين.
• عندما قال لي السفير: اكيد استفدت من تغيير اسمك!.
• الاغتراب، شيء جديد على المصريين.
• تأثيرات "عم أحمد"، بائع الجرائد!.
• فارق بين كلمة قبطي "كجنسية"، وقبطي "كعقيدة إيمانية".
• الجالية المصرية في استراليا، تنقصها الرؤية!.
• كتاباتي، هي رد فعل للاحداث، واعتبرها نوعاً من التأّريخ.
• عهد "الطعام الصيامي"، وعهد "الامتحانات في الأعياد"!.
• كيف أثق في من لا أرى وجهه، وعينيه؟!.


قال عنه الشاعر المهجري، شربل بعيني:
"هو المؤرخ بصدق، والواعظ بإدراك، والمصري بجنون. فلقد وجدته في كل كلمة نزفها يراعه محترماً لكل الأديان. من خلال احترامه لأخيه الإنسان، كائناً من كان.
وإذا كان قيس مجنون ليلى، وعنتر مجنون عبلة، وروميو مجنون جولييت، فإن أنطوني ولسن، وبكل ما تنطوي عليه تلك العبارة من معنى هو مجنون مصر.. أجل إنه مجنون مصر.. يحبها، يعبدها، وفي كثير من الأحيان يؤلهها في مقالاته، ويصرخ بأعلى صوته: هي أمي.. ومن لا يحب أمه حتى العبادة!"..
فماذا يقول أنطوني ولسن عن نفسه؟..
هذه هي قراءتنا في هذا الحوار...

• هل من الممكن اطلاع قراؤك على بطاقتكم الشخصية، والعائلية؟
ولدت مساء يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من يناير كانون الثاني عام 1936، في غرفة في شقة كانت تسكنها عائلتي المكوّنة من أبي، وأمي، وشقيقتي رسمية، التي توفيت بعد ذلك بشهور قليلة. في المنزل رقم 44 شارع الاميرية بحي البراد في شبرا بالقاهرة، من أب وأم ينحدران من صعيد مصر. وبعد 40 يوماً من مولدي ، إنتقلت الأسرة إلى منزل آخر في 18 شارع السندوبي بشبرا، أمام مخزن ترام شبرا في ذلك الوقت. حيث عشت أجمل أيام عمري .وأود التنويه، هنا، ان طفولتي اتسمت بالتمتع بحرية مميّزة.. اقولها، واضغط على كلمة "حرية"، التي تختلف عن كلمة "دلع"؛ لأن الفارق كبير جداً بين الطفل الحر، والطفل الدلوعة، أي الطفل المدلل والمرفّه.
• "أنطوني ولسن".. ألم يثر هذا الاسم فضول البعض، وحيرتهم في هويتك الوطنية، وتعليقاتهم؟
لإسمي قصتين منفصلتين.. واحدة في المهد في مصر، والثانية بعد الهجرة إلى استراليا: فقد تقابل والدي في قريته كوم غريب التابعة لمركز طما محافظة سوهاج، بمبشر انجليزي اسمه مستر ولسن، وقد أحبه والدي، ووعد بأن يطلق هذا الاسم على أول مولود ذكر ينجبه؛ لذلك عندما ولدت، استخرج لي شهادة ميلاد بهذا الاسم: ولسن اسحق إبراهيم. وقد احببت هذا الاسم على الرغم من كراهيتي العميقة، وقت شبابي، للانجليز، ولكل ما هو انجليزي. ولكن لا أحد يقترب من الذي تمتلكه، دون أن تتصدى له، وتدافع عما تملك. وهكذا نشأت على اسمي، ادافع عنه ولا أقبل أن ينعتني أي إنسان بصفة أجنبي لمجرد أن اسمي ولسن.
وبعد مرور 3 سنوات على وجودنا باستراليا، وفي يوم 27سبتمبرعام 1974، استدعتنا، زوجتي وأنا، إدارة الهجرة؛ للحصول على الجنسية الاسترالية. وقد سألني أحد أعضاء اللجنة المنوط بها إصدار شهادة الجنسية عن إن كنت أريد تغيير أي شيء يخصني؟، فسألته: مثل ماذا؟، قال: إسمك، مثلاً. وهل سيكلفني ذلك شيئاً؟، قلت ذلك دون تفكير، فقال: لو تم الآن لن يكلفك شيئاً. فقلت ضع إسم "ولسن" كأسم العائلة. فرد: جميل.. هائل! وماذا عن إسمك؟.. في ثوانٍ معدودات، ظهرت لي صورة كاريكاتورية للممثل العالمي: "أنطوني كوين"، فنطقت بكلمة "أنطوني"، مما تعجب له الحضور. وبالفعل تم ذلك. ففي 15 اكتوبر من نفس العام 1974، اصبح إسمي الرسمي: أنطوني ولسن.
أما عن فضول البعض، وحيرتهم، وتعليقاتهم، فهذا حدث كثيراً.. أذكر أن أحد سفرائنا في كانبرا، همس في اذني، في احدى المناسبات، قائلاً: "اكيد انت استفدت من تغيير إسمك!".. وهناك من يسألني: هل إسم ولسن هذا مصري عربي. وتكون إجابتي، إن كان السائل غير مصري، بسؤاله عن إسمه: هل هو كذا، قاصداً بلده، أم أنه إسم فرنسي، مثلاً؟. ودائماً وأبداً أشدد على انني لست عربياً، فلا يمكن أن أبيع حضارة سبعة آلاف عام بحضارة ألف وربعمائة عام!.
وبمناسبة الحديث عن الاسم، أذكر، أيضاً، أنه في لقاء مع القنصل العام المصري في سيدني، سألته: لماذا نصرّ على إطلاق اسم "جمهورية مصر العربية"، فاجابني بسؤال: وماذا تريد تسميتها؟.. فاجبته، بعفوية: نطلق عليها اسم" الجمهورية المصرية المتحدة"، فقال: ولماذا المتحدة؟، فقلت: لتعبّر عن إتحاد عنصري الأمة. فقال بعفوية مماثلة: مصر عنصر واحد متعدد الأديان، وإن كان لا بد من التغيير، فيجب أن يكون: "الجمهورية المصرية".
• في سلسلة كتابكم "المغترب"، كان هذا الاهداء: "إلى كل مغترب في وطنه، وبين أهله وعشيرته.. وإلى كل مغترب في بلاد الإغتراب، بعيداً عن وطنه، وأهله، وعشيرته..". فلماذا الاغتراب؟
سأقص عليك، موقفين، يجيبان على سؤالك:
عندما كنت طالباً في مدرسة الأمير فاروق، كانت ادارة المدرسة تعرف أن يوم الأربعاء، يوم صيام عند المسيحيين يصومه من يريد، فكانت كل يوم ثلاثاء، تسأل الطلبة والمدرسين المسيحيين، إذا كانوا سيصومون أم لا؛ لإعداد طعام صيامي لهم. ويحدث ذلك، أيضاً، في كل صيامات الطلبة والمدرسين المسيحيين الصائمين. أما الآن فان وزيري التربية والتعليم، والتعليم العالي، لم يلغيا الوجبات الغذائية عن الطلبة، وحسب، بل والموافقة الضمنية، أوالتغاضي عن محاسبة من يضع جدول امتحانات الطلبة في أيام أعياد المسيحيين الدينية، دون مراعاة لمشاعرهم، أو وجودهم.
أما الموقف الثاني، والذي كان السبب الرئيسي في الهجرة، فقد كان عندما اعلن عن وظيفة في اليونسيف، وتقدمت إليها بعد إلحاح من زملاء العمل. كنا 4 رجال، وآنسة. كان الممتحن وكيل أول وزارة العمل، وقد بدأ امتحانه بالآنسة، والتي كان عليها أن تقرأ في كتاب باللغة الإنجليزية به أخطاء لبعض الكلمات لمعرفة يقظة القارئ. وعندما أخطأت، قال لها دون مواربة: "أقول ايه لأخوكي؟.."!. في هذه اللحظة عرفت أن هذا البلد لم يعد صالحاً لأولادي.
• متى راودتكم الكلمات الأولى في الكتابة؟
الكتابة لا تأتي إلا من القراءة. من يقرأ كثيراً، يشعر برغبة ملحة في التعبير عن نفسه بالكلمة المكتوبة. وهذا ما حدث معي. كتبت أول قصة وأنا في السنة الثانية من المرحلة الثانوية، بإسم: "حسنية". ثم مسرحية: "ميثاق الشيطان" عندما كنت في التوجيهية، وقد حولتها إلى قصة هنا في استراليا. كما كتبت مسرحية: "يوسف الصديق" في عام 1963، وأنا زوج وأب.
• موهبتكم في التمثيل، أخذت هي أيضاً اهتماماً خاصاً. حدثنا عن ذلك، وعن سبب توقفكم ؟
اشتركت في العديد من المسرحيات، في شبابي، آخر مسرحية قمت بالتمثيل فيها، في مصر، كان في عام 1955، بمدرسة التوفيقية بشبرا، لا أتذكر اسمها، لكني أتذكر أسم المخرج الأستاذ فرج النحاس، واشترك معنا الفنان عادل خيري، والفنانة زوزو نبيل. تجددت عودتي للتمثيل لفترة قصيرة جداً هنا في سيدني ، عندما انشأت الحكومة الاسترالية عام 1977، محطة إذاعية تبث بجميع اللغات، والتي منها العربية. وقد اوكلت البرنامج العربي لمصري جمع حوله مجموعة من العرب، ومنهم بالطبع مصريين، فاشتركت معهم، وفدمنا تمثيليتين إشتركت فيهما، وما لبثت أن انسحبت من الإذاعة لأسباب خاصة، ومن ثم توقفت نهائياً عن التمثيل.
• أيهما الأصعب في فن الكتابة: القصة أم المقال؟، ولماذا؟
القصة مزيج من الواقع والخيال، وتتميّز بالخلق. بمعنى أن كاتب القصة، والرواية، والمسرحية، يخلق أشخاصاً من خياله، ويحركهم أيضاً في خياله، ويصب كل ذلك على الورق. ولا تدب فيهم الحياة، إلا إذا تم تقديمهم على المسرح، أو السينما، أو في مخيلة القارئ، والقارئة. أما المقال فهو إنفعال سياسي، أواجتماعي، يناقش أو يستعرض فكرة، أو رأي يعبّر به الكاتب عن وجهة نظره فيما يحدث، سواء على صعيد ما يدور حوله، أو في العالم ككل. فن الكتابة كما تفضلت وذكرت، ليس فيه أيهما الأصعب، ولكن فيه مدى احساس الكاتب بواقع الحياة التي يعيشها، وقدرته على مواكبة ما يدور حوله في مقالة، أو قصة، أو مسرحية.
• ما هي التأثيرات التي شاركت في تكوينكم الفكري، والقلمي؟
كان عم أحمد بائع الجرائد، صاحب التأثير الأكبر في هذا التكوين. فقد كان يبيع الصحف، والمجلات، والكتب، أمام محل أبي الذي كان يعمل في تجارة الأقمشة "المانيفاتورة" في دوران شبرا، وكان يقوم بتخزينها عنده، آخر كل نهار، بسماح من والدي. وقد استأذنت عم أحمد في إستعارة ما ارغب في قراءته من كتب أو مجلات، فوافق شريطة إن وجدت كتاباً ملصقة أوراقه أن لا أحاول فتحها. فكان كل ما يُنشر، أو يصدر كنت اقرضه قرضاً، منافساً الفأر: هو يهضم الورق.. وأنا اهضم الفكر، والأدب، والمعرفة.
• أليس من المدهش أن تمتهن الأدب، مع كونك عاشرت رجال الشرطة، بحكم عملك السابق في مصلحة الأحوال المدنية، والمشهود عنهم الخشونة، والحزم؟!
في رأيي، من الخطأ انتماء مصلحة الأحوال المدنية إلى وزارة الداخلية؛ لأن المفروض فيها انها تتعلق بالأحوال المدنية. وحتى نحن الموظفين، كنا بصفة مدنية، ما عدا رئيس المصلحة، ورؤساء الأقسام، فهم من الرتب العسكرية، ومع ذلك فان ضباطها، لم يكونوا بالخشونة التي تظنها؛ لأنهم وجدوا فيها الراحة والإستجمام، بعيداً عن مشاكل الناس.
• كم عدد مؤلفاتكم، وتصنيفاتها، وعناوينها؟
أربعة عشر كتاباً، حتى الآن: ثلاثة من هذه الكتب قصصية، هي: "ميثاق الشيطان"، "زفة العروس"، و"الضياع". وستة كتب في سلسلة: "المغترب"، اضفت إليها، مؤخراً كتابين: "نحن لا نزرع الشوك"، و"الحب هو الدواء". وهي كتب تحتوي على مختارات من مقالات سبق ونُشرت لي. وقد تُرجمت قصة "الضياع" إلى الانجليزية، وكذلك جزء من "زفة العروس"، تحت عنوان: "الفنانة". أضف إلى ذلك، كتاب: "ذكريات العمر اللي فات"، كترجمة لحياتي، كما عشتها، ورأيتها.
• ترفض بشدة أن توصف بالقبطي المصري، وتقول: أنا قبطي مسيحي. هل يمكنكم شرح فلسفتكم هذه؟!
تعودت أن أسمع من البعض، تعبير: "قبطي"، قاصدين، بذلك، انني نصراني، أو مسيحي. لكني أحب أن أفصل بين كلمة قبطي كجنسية، وقبطي كعقيدة إيمانية. فأنا قبطي الوطن، مسيحي الإيمان.
• هناك اسماء كثيرة من لبنان، صنعت الأدب العربي المهجري، فهل نستطيع أن نقول أن هناك أدب مهجري من صنع اسماء مصرية؟ وان لم يكن، فلماذا برأيكم؟
الجالية المصرية عامة، والمسيحية خاصة، ينقصها الرؤية، وبلا رؤية يجنح الشعب، كما يقول الكتاب. فكل واحد بعيد عن الآخر!
• في بلد أحفادك كما تطلق عليها، تصدر جريدة "العراقية"، فلماذا لا توجد جريدة تُعبّر عن الجالية المصرية في استراليا على غرار جريدة "الأهرام الجديد"، التي تصدر في كندا؟
توجد جرائد، ولكنها لا ترقى إلى المستوى الذي يبغيه كل مصري لجاليته، وهذا يعود لعدم وجود رؤية، كما قلت، كما انها لا تجد الدعم والتشجيع للإستمرار، فتتوقف عن الصدور!
• في احد مقالاتكم التي كتبتموها، عبّرتم عن استيائكم البالغ، من الاحتفال بذكرى ثورة 23يوليو 1952، وكأن ثورة 25يناير 2011، ليست بثورة.. فهل كتاباتكم هي دائماً رد فعل؟
كتاباتي، فعلاً، هي رد فعل للأحداث، واعتبرها نوع من التأريخ.
• قلتم أنا ضد النقاب، ولست ضد الحجاب.. ماذا تعني بذلك؟
أنا غير راضٍ على فرض أي شيء على المرأة: حجاباً، أو نقاباً. لكن المرأة الشرقية مغلوبة على أمرها.. فبعد أن حررها قاسم أمين، وهدى شعراوي، عادت ، فانتكست، وخضعت لـ "سي السيد"!.. وان كان ولابد، فلا مانع من الحجاب، وإن كان لا يدل على العفة والتقوى. أما النقاب فأنا ضده على خط مستقيم ؛ لأنه ليس فقط لا يدل على الإيمان، ولكن لأنه يشكل خطراً على جميع المجتمعات في جميع انحاء العالم. كيف أثق في من لا أرى وجهه وعينيه؛ لأرتاح إليه، ولا أخشاه؟!..
• من أقوالكم المأثورة: "مصر بلد اجدادي، واستراليا بلد احفادي" وأيضاً: "مصر أمي واستراليا زوجتي؛ بمصر نشأت وترعرعت، واستراليا تربي أولادي".. متى ابتكرت هذه الاقوال، وما مناسبتها؟
هذه الاقوال جاءت عفوية، في لقاءات كنا نتحدث فيها عن مصر، واستراليا.
• كلمة توجهها إلى اصدقاءك، وقراءك؟
أود أن اشكر كل الذين ساهموا، ويساهمون في نشر كتاباتي، وفي طبع كتبي. اخص بالذكر: المهندس بدوي الحاج، والاخ والصديق، الشاعر شربل بعيني.
وأقول للقراء الاعزاء، انني سأرسل نسخة من كتابي: "ذكريات العمر اللي فات"، لكل من يطلبه مني على عنواني البريدي الالكتروني، التالي: anthonywilson@live.com.au


CONVERSATION

0 comments: