القدس.. هبة جماهيرية بإتجاهين مفتوحة الآفاق لآنتفاضة شاملة/ راسم عبيدات

ما حصل ويحصل في القدس من أحداث متسارعة ومتلاحقة أخذت البعد الشمولي ولتغطي كل مساحة فلسطين التاريخية،يجب ان تقرأ بعيداً عن العواطف والمشاعر والرغبات،وكذلك عن الإرادوية والتوصيفات الجاهزة والجمل الثورية اللفظية،فالقراءة يجب ان تكون معمقة ومستندة الى واقع ومن يؤثر ويفعل في هذا الواقع،وهل هذه القوى موحدة او متفقة على برنامج حد ادنى،أم هي لها اجندات ومصالح متعارضة ومتناقضة وإستثمار لتلك الهبات الشعبية والجماهيرية لخدمة مشروع سياسي خاص وليس مشروع وطني؟؟،وحتى اللحظة الراهنة والتي خاض فيها المقدسيون معارك حقيقية ضد الإحتلال،واجترحوا البطولات،ومع التقدير العالي لذلك وأهميته، فانا ارى حتى اللحظة الراهنة،بان ظروف تحول شرارات ومفاعيل الهبات الشعبية الى انتفاضة شعبية  شاملة غير متوفرة وغير ناضجة،وهذه نظرة ليست بالمتشائمة،على الرغم من ان الانتفاضات السابقة،لم تكن شروطها وظروفها وأسبابها اكثر جوهرية وعمقاً مما يحصل الان،وما يمارس من إجرام بحق شعبنا الفلسطيني على كل الصعد وكافة منظومة الحياة سياسية،اقتصادية،اجتماعية وغيرها،ولكن النظرة الفاحصة تقول،على الرغم من قيام ما يسمى بحكومة "الوفاق الوطني" والحديث عن إنهاء الإنقسام،إلا ان المعطيات على ارض الواقع تشير الى أن ما يحدث ويجري،ليس اكثر من إدارة للإنقسام ،وبما يشرعنه ويكرسه ولا يضع حداً له،فحماس بعد الحرب التي شنها عليها الإحتلال في أعقاب عملية  الخليل وقتل المستوطنين الثلاثة،تتحدث عن أن سلطة رام الله شريكة في العدوان عليها،وبالمقابل سلطة رام الله ترى بأن حماس تشترك مع الإحتلال في ضرب منجزات ومكتسبات السلطة والمنظمة والشعب الفلسطيني،على اعتبار ان السلطة منجز وطني وليس مشروع استثماري لفئة معينة.

السلطة في رام الله وحماس لكل منهما حججه واسبابه في عدم التصعيد،وتطوير الهبات الشعبية والجماهيرية نحو انتفاضة شعبية عارمه،فالسلطة الفلسطينية،ترى بأن مشروعها السياسي "اوسلو" وخيارها التفاوضي"المفاوضات خيار وحيد لتحصيل حقوق شعبنا الفلسطيني"لم يستنفذ بعد،وهي تريد استولاد او استحلاب الثور،وحماس بالمقابل،تعيش أزمة عميقة،وأيضاً عزلة اعمق،ولم يعد لها تلك البيئة الحاضنة التي كانت لها قبل عدة سنوات لا محلياً ولا عربياً ولا حتى اقليمياً،وهي تتخوف وتتهيب عملية التصعيد لجهة ان ذلك قد لا يسهم في إخراجها من أزمتها وعزلتها.

وثمة مسائل وعناوين أخرى يجب قراءاتها جيداً لكي نرى وجهة الأمور ومساراتها من طراز،هل القيادة على مستوى الحدث والفعل والحركة،ام هي في ذيل الحركة والفعل وغير قادرة على قيادة الشارع المقدسي؟؟؟،فالقيادة بحاجة الى جرأة وفعل ومبادرة والتقاط الحدث،وهل هذه القيادة البعيدة عن نبض وحركة الشارع أضحت عائقاً امام أي حالة نهوض شعبي؟؟؟،ولنذهب أبعد من ذلك ونقول هل أصبحت عائقاً ومفرملاً ومفرغاً لهذه الحراكات والهبات الجماهيرية والشعبية من محتواها ومضامينها،بدل ان تقودها وتوجهها وتاطرها لفعل وعمل جماهيري وشعبي وكفاحي اوسع وأشمل يمهد لإنتفاضة شاملة ؟؟،ولماذا انفجرت الأمور على هذا النحو؟؟؟،وهل هذا يمهد لإنتفاضة ذات طابع وبعد شمولي،ام تبقي في إطار هبات جماهيرية تعلو وتخبو إرتباطاً بحالة القمع الصهويني وما يقوم به من إجراءات وممارسات..؟؟ وهل هذه الهبات هي بإتجاهين ضد الإحتلال وإجراءاته وممارساته القمعية المستمرة والمتواصلة ضد المقدسيين والتي بلغت مرحلة عالية جداً لتصل حد التغول والتوحش وممارسة البلطجة والزعرنة من قبل المستوطنين بحق المقدسيين؟؟،وبالتالي وجد المقدسيين انفسهم أمام خياريين لا ثالث لهما الذل والخنوع والمس بكرامتهم ووجودهم وهويتهم وانتمائهم،أو أنه لم يعد امامهم مناص سوى التحدي والمواجهة والصمود والثبات؟؟؟؟ام هي كذلك ضد السلطة الفلسطينية التي تهمل القدس وتتخلى عن المقدسيين وتبيعهم فقط شعارات وبيانات و"هوبرات اعلامية"،بل هي كذلك تتعامل معهم بطريقة يشتم منها الطعن في انتمائهم ووطنيتهم؟؟....هذه التساؤلات تشكل مدخلاً هاماً للمعالجة والتي هي بحاجة الى ما هو اوسع من مقالة،بل هي بحاجة الى رؤيا ذات طابع شمولي،رؤيا تحدد الإستراتيجية وترسمها،وتضع الخطط والبرامج والآليات لكيفية ترجمة تلك الرؤيا والإستراتيجية الى أفعال وبرامج في أرض الواقع....وقدر الإمكان في هذه المقالة والعجالة سأحاول أن اجيب عن ذلك.

ما حصل ويحصل في القدس والضفة الغربية والداخل الفلسطيني وقطاع غزة،وبالذات بعد الجريمة البشعة،جريمة حرق الفتى الفلسطيني محمد ابو خضير من قبل عصابات المستوطنين،أعاد القضية الفلسطينية الى صدارة الإهتمام العربي والدولي،بعد ان غطى على ذلك ما يجري في العراق وسوريا وغيرها،حيث دولة الخلافة الإسلامية "داعش" تتصدر المشهد الدولي والإقليمي والعربي،وواضح أيضاً بأن الرهان على فقدان شعبنا العربي الفلسطيني في القدس والداخل الفلسطيني- 48 – للبوصلة قد سقط أيضاً،وكذلك فهذه الهبة الشعبية العارمة حتى اللحظة الراهنة شروط وظروف تحولها الى انتفاضة شعبية لم تنضج بعد،وانضاج تلك الشروط والظروف بحاجة الى أن يصل التيار المركزي  الممسك بالسلطة في الضفة الغربية الى قناعة تامة بأنه لا جدوى من خيار الصمت والسكوت والتصريحات الخجولة والبقاء في ذيل الحركة،والعمل على ان لا تخرج الأمور والأحداث عن سقف ما يريده لها من إستثمار سياسي لخدمة أهدافه ومصالحه ومشروعه،وهذا بحاجة الى أن تقدم كادرات وقيادات واعضاء حركة فتح على بتر وقطع العلاقة مع السلطة وتحمل تبعيات ذلك،ونحن نشهد تململ كبير في هذا التيار،فالقواعد والكادرات الفتحاوية،ترى بأن عليها تصدر وقيادة مشهد الهبات الشعبية،ولكن في المقابل هناك من يفرمل حركتها ويحد من إندفاعها على المستوى السياسي،وتطور وقطع علاقتها بالسلطة رهن بالتطورات على الأرض.

وأيضاً إنضاج الظروف والشروط للتحول بحاجة إلى أن لا يبقى العمل في الإطار العفوي والإرتجالي،فبقاءه بدون حاضنة وعملية تاطير وتنظيم،وهنا ليس الحديث عن إطار حزبي او تنظيمي،بقدر ما هو وجود قيادة جديدة منظمة قادرة على ان تمسك بالخيوط ومفاعيل الحركة وتطوراتها،وتمتلك الرؤيا والخطة والبرنامج،لكي تستطيع إدارة المعركة وفق برامج وإستراتيجيات مستجيبة للحالة الجماهيرية وحاضنة لها،وتطورات المعارك مع الإحتلال والإشتباك معه كفيلة،بأن تجيب على الكثير من القضايا التفصيلية والجزئية التي تبرز في سياق الإشتباك،ولكن عدم وجود قيادة تدير العمل  بكل جواب تشعباته،قد يجعل من الصعوبة الإنتقال من مرحلة الهبة الشعبية الى سقف أعلى.

السلطة في رام الله غير معنيه بالتصعيد،وهي بعد عملية الخليل وتداعياتها،وكذلك استشهاد الفتى ابا خضير،يتعمق مأزقها وكذلك ازمتها،وهي تعمل على ان لا تندفع الأمور تجاه انتفاضة جديدة،ورؤيتها بأن ذلك ضد مصالح الشعب الفلسطيني،ويقود الى فوضى عارمة،وهي تعتمد سياسة الصمت والمواجهة الخجولة مع الإحتلال،وهذا يزيد من حنق وغضب الجماهير عليها،وحتى من قبل البطانة المحيطة بها،والغضب الجماهيري،ربما قد يندفع بشكل غير مسبوق،في أي حدث آخر شبيه بحادث استشهاد الفتى أبا خضير،غضب جماهيري قد يضع حداً لبقايا سلطة مهلهلة متآكلة،كل يوم  تخسر المزيد من الثقة والمصداقية عند الجماهير،وهي عاجزة عن توفير الأمن والأمان لشعبها والدفاع عنه.

وفي المقابل ربما تكون هناك انتفاضة على حكام إمارة غزة،حيث أزمة الإمارة هناك دخلت مرحلة عميقة،فهي تعيش حصار وازمة مالية خانقتين،وكذلك لم يعد لها بيئة حاضنة سياسيا في المحيط،والجماهير يزداد غضبها وحنقها على حركة حماس.

ما جرى ويجري في القدس والداخل الفلسطيني- 48- يعيد صور الإنتفاضة الأولى،ويكشف ما يختزنه شعبنا من طاقات وإبداعات وقدرة عالية على التضحية،ولكن ما كان قائماً من توحد لكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني،لم يعد قائماً،فهناك أطراف سياسية نمت لديها مصالح ومشاريع خاصة على حساب المشروع الوطني،والبديل حتى اللحظة الراهنة والذي جوهره وعماده الحراكات الشبابية سواء المستقلة او المرتبطة بقوى وأحزاب ولكنها لا تثق بقياداتها،تقود تحركات وفعاليات جماهيرية واعمال كفاحية يغلب عليها الطابع العفوي،ولكن في سياق الحركة والفعل والعمل،تنتظم وتوحد نفسها،وما تقوم به يشكل "بروفات" لمعارك نضالية اوسع وأشمل مع الإحتلال،فالإحتلال متغطرس وعنجهي،وماض في مشاريعه،ولذلك السلطة تفقد سيطرتها على الوضع،والآفاق مفتوحة لإنتفاضة شعبية أوسع وأشمل وقد تطال كل مساحة فلسطين التاريخية،ولكن بقيادة جديدة وبأدوات جديدة،وهذا مرتبط بما يجري على الأرض من مجابهة ومواجهة مع الإحتلال.

CONVERSATION

0 comments: