مو يان الصيني الفلاّح الطيّب والشجاع يفوز بنوبل الآداب

ليس ثمة بلاغة أعمق من أن تمنح جائزة نوبل للآداب لروائي وقاص صيني يحمل هوية كتابيّة معناها "من لا يتكلّم". والحال ان مو يان، أقلّ في الكلام ربما، غير أنه كتب وأفاض. لم تكن نجمة الاحتمالات مضيئة بالنسبة الى شخص صيني في وسط مليارات آخرين رأى النور في 1955 شمال الصين، واقتات طفلا من قشور الشجر لشدة فقره. نقل بؤس الواقع الى نصه الأدبي ولم يلبث قارئه أن أدرك أن ليس في هذا النسق من الوصف القحّ والمثخن بالوجع، شبهة تلاعب أدبي.  
حبست الصين الشعبية نفسَها في جوار الإعلان عن نوبل الآداب، بعدما لاح طيف الفوز لصوت مو يان التخريبي. تكاثرت التكهنات وتم التداول في تعاظم حظوط الصيني الى جانب آسيوي آخر وليس من أقلّهم: الياباني هاروكي موراكامي. على مرّ أكثر من القرن، تقرّب الامتياز الادبي الممنوح من الاكاديمة الأسوجية من صيني سواه، غير ان المعارض جاو شينجيان لم يكن مواطنا "نقيّا" تماما. جعلته الاقامة الباريسية صينيا تشوبه علامات التغريب، في حين أظهر مو إمارات تخوّله التماهي الجماعي. نشأ مو يان فلاّحاً علّم نفسه بنفسه. وضع رواية دقيقة كمثل التقارير الباعثة على الخشية بقدر العبث، ليصير بسبب هذا كله، مثالا يتعذر تهشيمه، أقله في الوعي الشعبي. بيد ان جمل مو يان المديدة والمبهجة والمتهكمة، لم تشفع له إزاء السلطات فحظرت بعض عناوينه في محاولة للدوس على خيوط الخيال. لكن في منح نوبل الآداب للرجل، وفي هذا التوقيت، موقف في ذاته، او لنقل ارادة لترفيعه وجعل تجربته اكثر نتوءا في وسط تجارب أدبية، لا يمكن احصاؤها.
في رصيد مو يان ما يزيد على عشرين رواية وقصة تندرج في صنف التعليق الاجتماعي. "فجل من الكريستال" (1986) و"عصبة سورغو" (1990) و"الصدور العارمة والأوراك الواسعة" (1994) جعلته "رابليه الصين" لاستمهاله أسلوبا على تحدٍّ وامتاع، لم يستبعد نقدا استعاريا للنظام الشيوعي في الصين. طعّم نصه بالحدث العنيف المباغت وبتبجيل النساء ووصف الطبيعة والاستعارة النائية. ولأن الرواية الصينية لا تتكئ كالرواية الأنغلوساكسونية، على إرث فيكتوري يفرض سيادة اللياقات، أظهر الكاتب حرية مطلقة في التفاصيل الجسدية التي رافقت سرد العلاقات الجنسية والولادة والمرض والموت العنيف.
في مطلع روايته "الصدور العارمة والاوراك الواسعة"، وهي كناية عن جدارية تاريخية ترسم الصين في القرن العشرين بدءا من بيئة إحدى الأسر، نشهد ولادتين على صعوبة، احداهما لسيدة تدعى شانغوان لي والثانية لحمار. يلاحق الكاتب الحالتين بالالتزام عينه، ليكتب: "راح الحمار يعاني، فيما انسكب السائل الاصفر من منخريه وترنح رأسه ليصطدم بالأرض". في حين لا يتردد في استدعاء الاستعارات السخية والمتحركة مدوّناً: "طافت صرخات سيما تينغ العنيدة في الجو كمثل ذبابة تقتفي اثر اللحم الفاسد، التصقت في الجدار اولا ثم راحت تطنّ فوق جلد الحمار". أتت "الصدور العارمة والاوراك الواسعة" الكاتب بالمتاعب، ذلك أن مضمونها الجنسي لم يرق للحزب الشيوعي الحاكم، إذ رأى في الرواية هنة أساسية تتمثل في "التقاعس عن وصف الصراع الطبقي". ليعزّز هذا التشريح الرغبة في نبذها. والحال ان "جيش التحرير الشعبي" فرض على مو يان سحب نصه واصدار ملحق له، بمثابة نقد ذاتي لمؤلفه. كان على الكاتب أن يقترف أكثر الافعال مقتا، وأن يضع تخييله في مناهضة تخييله.
تحدثت "الصدور العارمة والاوراك الواسعة" عن فظاعات المعيش الصيني خلال الجزء الاول من القرن العشرين وظلت متداولة في نسخ مقرصنة على الرغم من المنع الرسمي، اما "الحياة والموت أضنياني" فغطت الجزء الثاني الأكثر دموية من القرن عينه. أحيت الحكاية مفهوم التقمص البوذي فاستهلها صاحبها في مطلع كانون الثاني 1950، في جهنم. ها إن حاكم العوالم السفلية اللورد ياما، يواجه ملاّكاً بإسم شيمين ناو اعدم قبل عامين، حاله كحال الالاف من الملاّكين، ليجري تقاسم أرضه بعدذاك وتوزيعها على الفلاحين. يرفض شيمين الاذعان للضغط وينبذ الاقرار بارتكابه ذنبا، فيعيد اللورد ياما ارساله الى قريته في هيئة حمار، عقابا.
لم يكن في سيرة مو يان (واسمه في السجلات غوان مو) ما ينبئ بما سيؤول اليه مصيره. تخلّف عن ارتياد المدرسة منذ الثانية عشرة فيما "الثورة الثقافية" تتقدم، ليعمل في الحقول ثم المعامل. في 1976 جنّده "جيش التحرير الشعبي" حيث راح يحابي أبجدية الكتابة في أقل الاماكن احتمالا، وينجز اولى حكاياته ويبدأ النشر في 1981 في احدى المجلات الادبية. ليطأ ملكوت الانتشار بفضل "عصبة سورغو"، وإن تبدّت نصوصه في حالات كثيرة مغامرة قراءة مستحيلة لتجاوزها مترجمة، خمسمئة صفحة.
استل مو يان أسلوباً غير اصطلاحي ليتوقف عند جنون عقائدي أُلحق باقترافات عاناها مواطنوه. خلال عقود كتب قصصا على حيوية ووحشية في آن واحد، حكايات هامت في واقع الريف الذي تحدى عقيدة الحزب الرسمية، واحتفت بالفردية ورفعتها على أي امتثال أعمى. تحدى كذلك التقليد الأدبي ليجعل الفانتازيا والهلوسات والميتا خيال تخترق الواقع الفجّ. في بورتريهات ابطاله الرجال غير الرحومة، اجتذب مو يان الأنظار صوب ما يعدّه تراجعا في الجنس البشري قبالة قدرة الشخصيّة الصينية. كتب في شأن الملذات الغريزية والمعضلات الوجودية، ومال الى ابتكار نماذج حيوية لا تعير اهتماما للياقات. في حين امتثلت نصوصه الأولى الى سرد يتقدم في بنية واضحة تشمل الحيوية والفكاهة الفظة، صار نصه في الآونة الأخيرة أكثر تشذيبا وتجريبا على السواء، فراح يتوزع بين رواة عدة ويعتنق اسلوبا متحررا ومرنا لتلصق به لافتة "الواقعية السحرية الصينية".  
بيّن الخبراء في الاعوام المنصرمة اقتناعاً بأن الصين أمة المستقبل، وبأن ثمة إمكاناً للتعايش بين تناقضات جمة: شعب لا متناه من جهة، ومزيج بهلواني غير متوقع يترنح بين الإمساك الاستبدادي بمصائر الناس وبين إطلاق يد الشركات الخاصة، من جهة ثانية. هذا في حين ظلّت الجمهورية الشعبية في مجال الآداب، صامتة الى حد بعيد، على الأقل في الاوساط الغربية. قبل فوز مو يان، ظفر صيني وحيد بنوبل الآداب (إذا استثنينا بيرل باك الصينية الهوى)، وكان معارضا ومهاجرا الى باريس.
ليس ثمة ضرورة للتأكيد أن آداب هذه البلاد لا تحظى بترف الترجمة إلاّ قليلا، بدفع من مشغوفين بالحضارة تلك. في التسعينات من القرن المنصرم عندما نقلت "عصبة سورغو" الى الإنكليزية استشرف البعض أن الصوت الصيني سيشق طريقه الى نفوس الأميركيين على نسق أسماء أجنبية أخرى كمثل ميلان كونديرا وغارثيا ماركيز. وها إن الواقع تجاوز نبوءتهم حتى.
اختار مو يان إسمه الأدبي إبان انجاز روايته الأولى. يقول انه اتخذ هذه الهوية لأنه كان لا يزال في تلك الفترة في الجيش ولكي تذكّره بضرورة أن يضبّ لسانه تفاديا للمتاعب. كأن مو يان، في تلك الحركة التنصّلية، ينفض عنه احتمالات المصائر المرتقبة. كأنه يقترض كلام أحد شخوصه في "قانون الكارما الصعب": "أنا بريء! انا شيمين ناو، أقمت ثلاثة عقود في دنيا البشر، عملت برضا وأظهرت مثابرة... غير أنهم يوثقون يدي، انا الرجل الطيب، الرجل المستقيم، الرجل الشجاع، يدفعون بي الى الجسر، ويرمونني بالرصاص".
النهار

CONVERSATION

0 comments: