كلمة جورج هاشم في الذكرى الخامسة لغياب نعيم خوري

– ندوة رابطة احياء التراث العربي –
مساء الخير ايها السيدات والسادة،
في مقالة لنعيم خوري بعنوان: :" من شبابيك النجوم " يقول: " لست ادري من أين استوردنا ان نكون كلنا شعراء، وأن ندّعي أن في الشعر عبقرية ليست في النثر,,," وانا هنا على الاقل سأدّعي ان في نثر نعيم من العبقرية أكثر مما في شعره. أنا أحب شعر نعيم. خاصة عندما يبتعد عن المطولات. فهو يقول في بيتين أحيانا، أكثر مما يقول في قصيدة كاملة. اسمع شاعر الغضب والعنفوان والرجولة كيف يرقّ ويذوب حنانا وكيف يعصره الالم وهو يبوح لحبيبته الراحلة:
ازور قبــــرك والآلام تعصـــــــرني      وفي يـديَّ من الازهار أغمـار
على ترابك- يا روحي- يفيض دمي      ويركع القلب والاعصاب تنهار
أما نثر نعيم فلم يحظَ بعد، لا منه ولا من غيره، بالعناية التي حظِيَ بها شعره. رغم اعترافه بأهميته. فقليلة هي القصائد التي ألقاها ولم يرتجلْ لها مقدمة نثرية قيِّمة. وعندما انقطع الى الكتابة كان النثر هو الغالب على ما نَشَر. فإذا تَصفّحتَ جريدة الشرق، مسرحه الاهم في اواخر حياته، تجد انه وضع خلاصة تفكيره، وقدّم آراءه واقتراحاته وخواطره في قالب أدبي ولا أروع. اسمعه كيف يتحدث عن شجرة اللوز : " كان في حديقة منزلنا الواسعة شجرةُ لوزٍ عتيقة كأيام التاريخ، باسقة كأرز الرب، سافرت أغصانها في الفضاء وفي جهات الدنيا الاربع كالمهاجرين اللبنانيين... ويمضي الزمن وتمضي شجرة اللوز في نموها وامتداداتها، وكلما ازداد عدد الاكلة ازدادت في ثرائها وعطائها..."
وفي مقالة بعنوان " مواجهة التحديات" وبعد الحثّ على التكاتف والتضامن يختم قائلاً: " ان أفضل ما فينا هو ما سنكون، وما نريد أن نكون..." وفي مقالة :" رسالة الى ابنتي" يهاجم فيها التقاليد البالية التي منعت تطورنا فيقول: " قبل أن وهبتك حياتي، كانت الشمس قد غسلتها، وهي تحمل على أصابعها الارضَ وفي جفونها القمرَ والنجوم. وأنت تحملين الشمسَ في قلبك، فالاجدر بهذا القلب أن يحرقَ مخلّفاتِ التاريخ الفاسدة، ليطلعَ من الحريق نهارٌ لا يطاله الكسوف...فبقدر ما تفهمين الحرية وتمارسينها بقدر ما تفهمين عزة النفس وتمارسين شرفَ الحياة..." أما  عن الرجل الذي يمارس العنف ضدّ زوجته فيقول "لابنته" عنه:     " فالذي تواجهين غابت عنه الكرامة، ومن زمان هجرته الرجولة..." وتحت عنوان " سيبقى صباح الخير...لكل صباح" يقول:  " الآن عرفت أن أطفال الحجارة ينزلون من السماء، فأدركتُ أن النزول ليس دائما سقوطا الى تحت. والذي يستطيع أن يحطّمَ الغطرسةَ بحجر، يمكنه أن يبني من أوجاعه عمارةَ الحضارة..."
ومن مفكرته الشخصية التي رافقته خلال صراعه المرير مع المرض، وكان يسجّلُ عليها يومياته، تراه يصبّ اختلاجات قلبه، ويصور احاسيسه ومشاعره وانفعالاته في صور تكشف لك ليس عن الشاعر والاديب في نعيم ولكن وقبل كل شيء عن الانسان الكبير الذي كانه. ففي 6/9/1999 يدوّن في مفكرته:" كان الليل تقيلاً والنعاسُ يغالبتي ولا يقرب مني. لا ينفع أنّي شرَّعتُ النوافذ على سماء مزروعة بالنجوم وهواجسي. أشعرُ بضيق يشدُّ على صدري. كان خالياً من الالم وغنياً بالخواطر التائهة..." وفي 15/9/1999 يكتب:" إلتفتّ الى من حولي، أقرأ في وجوههم كثيراً من المحبّة، وكثيراً من اللوعة وكثيراً من الحياة، ولا أقدر ان أتجاوزَ اية حالة من هذه الحالات فاحاول أن أغسل دموعهم بدموعي..." وفي 4/10/1999: هكذا على حين غرّة تجمّد الموج في بحيرة الضوء... أعمدة الملح في أبنية من دخان هذه هي أمال هذا اليوم. وفي اليوم التالي يكتب:" أن تتحولَ المنافي الى أغاني الطيب يعني أن يطلعَ من الوجع ضوءٌ لا يقدر عليه الليل، فاواجه مصيري وانا واقف..." وفي 13/10/1999 يكتب:" انتظار الموت صعب. الانسان لا يختارُه ولا يريده ولكنه لا يهرب منه، او هو لا يستطيع في أغلب الحالات. وفي حالتي أنا مسمَّرٌ في مقعدي انتظرُه وهو يأخذ نفساً طويلاً ويستريح في مكان ما الى جانبي. ليس بيننا أيُّ اتصال، فلا انا اومىءُ اليه ولا هو يتنقل بنظره الا حولي...وأصعب من حالة الانتظار هذه منظر الدموع الصامتة في عيون الاصدقاء والاهل والاقرباء. ترى كيف يكون واحدنا انساناً الى منتهى الحدود فيما يكون الآخر ثوراً استرالياً؟ أم تراني أظلم الثيران؟..." والثور الذي يعنيه هنا هو الطبيب الذي أخبره بفظاظة أن لا أمل له بالحياة. وفي 15/10/1999:"العصافير تطير من حولي، تطالب بنصيبها من رزق الصباح. أنا احب كمنجة العصافير...و صور الاصدقاء الكثيرين، أصواتهم، حضورهم، محبتهم فتحفر في قلبي. وأغرقُ في التأملات..." وفي 16/10/1999:" هذا الصباح كنت أسقي بالابريق البلاستيك حوض الزهور في الطابق العلوي. لا أدري كيف سقط الابريق من يدي. ارتطم بالارض وبقي واقفاً. وصرخ صوت في داخلي: أنا مثلك ايها الابريق سابقى واقفاً، ممتلئاً، ولن أفرغَ ألى الابد..." وفي لحظات تأفف قليلة يكتب في 23/10/1999: " كم تمنيت أن يخرسَ جرسُ الهاتف وأن توصدَ الابواب ويتناساني الاهل والاصدقاء لهذا اليوم..." وفي 24/10/1999 تتكاثر عليه النصائح فيصرخُ صامتاً:" آه لو يعرفون..." وفي 27/10/1999 يتساءل: " أستسلم؟ لا... من حريتي استمدّ ثقتي بوجودي..." 
عرضتُ عليكم حبّاتِ قمحٍ قليلة اخترتها من بيادرَ عامرةٍ بالخير والبركة. أغلبكم يعلم أن نعيم خوري لم يكن شاعراً فحسب بل كان شاعراً مبدعا في نثره أيضاً. والعمل الابداعي كما يقول نعيم " هو وحده العظيم. بل هو الاعظم والابقى في مسيرة الحياة..." وفي آثار نعيم الكثير مما لم يُنشر بعد، ويستحقّ ان يرى النور. فمن لهذه المهمة؟
وهنا عودة الى كتاب الاستاذ كامل المر:" نعيم خوري: الشاعر والانسان" حيث سأنهي بما انتهى اليه البرفسور نديم نعيمه موجِهاً الحديث الى المؤلف:" أنحني خاشعاً من كل قلبي لهذا الاخلاص وهذا الاندفاع وهذه المحبة الصافية التي تغمر بها محبيك... ميزة الكتاب الاهم في رأيي هي ميزة الوفاء. وفاء كامل لنعيم..."
خمس سنوات مضت ونعيم في " الوجدان والذاكرة" كما كان يحلو له أن يقول. ولو لم يتوفر لنعيم صديقٌ بمستوى كامل المر لما كان هناك ذكرى ومن يتذكرون. فعندما تتخلى جالية عن تاريخها وذاكرتها، وتراثها. وعندما تتخلى عن مبدعيها الراحلين تبقى جالية من وزن الريشة في مهب رياح التطور والتغيير. لذلك أغتنم هذه المناسبة وأقترح على الاعلام العربي، خاصة الصحافة التي أحبّها نعيم حتى الانخراط الكلّي فيها، أن تخصصَ ملحقاً سنوياً يسلطُ الضوءَ على أحد المبدعين الراحلين. انها مهمة لا يمكن لصحيفة واحدة أن تقوم بها. فلماذا لا تتضافر جهود أكثر من صحيفة ومجلة مع جهود رابطة احياء التراث العربي، مع جهود نخبة من الاقلام المهجرية، لتنتج ملحقاً ثقافياً واحداً سنوياً توزعه الصحف والمؤسسات التي اشتركت في هذا العمل. وأول الاضواء يجب أن تُسلّط على نعيم خوري.
وكأني به، بعد أن سمع اقتراحي، يقول: أتريد أن تسلط الضوء عليَّ؟ لا ليس عليَّ يا جورج! أما على أعمالي فهذا شأنكم. نحن في هذا العالم لا نهتمّ بما تهتمّون له انتم... وقبل أن أقول: هذا ما قصدته يا نعيم، إنطلقَ باتجاه صديقته الشمس، مطلقاً ضحكته الطفولية الرنانة بعد أن ألحقها ببيت شعرٍ لم ألتقط منه الا: ... وأجمل الضوءِ ما فاضتْ به ذاتي ...

CONVERSATION

0 comments: