
وقد حقق التيار الديني ممثلاً بجماعة الإخوان المسلمين انتصارات ونجاحات، وتمكن من استقطاب واستمالة فقراء الوطن ومعذبيه ومستضعفيه ، ونجح من خلال المشاركة السياسية في الحراك الشعبي، الذي هز عروش الديكتاتوريات العربية ، وعروش الملوك والأمراء والسلاطين العرب، في الوصول الى سدة الحكم وتسلم زمام السلطة وشؤون البلاد في مصر وتونس عبر الانتخابات التشريعية والدستورية ، التي جرت عقب انتصار الثورات والانتفاضات الشعبية ، التي سميت بـ "ثورات الربيع العربي" واطاحت بنطامي مبارك وزين العابدين . لكن حلاوة هذه الانتصارات لم تدم طويلاً ، بعد تراجع شعبية التيار الديني في اعقاب تولي السلطة ، نتيجة الأخطاء التي مارستها وارتكبتها قيادات الإخوان المسلمين ، وفشلها في تلبية وتحقيق مطالب الثورة المصرية ، فضلاً عن تردي وسوء الأوضاع والأحوال الاقتصادية المنهكة بالأساس ، التي شكلت عاملاً رئيسياً وسبباً مباشراً في اندلاع ثورة الجماهير ، كذلك افتقارهذه القيادات للرؤيا السياسية واخفاقها في حل المشكلات العالقة والقضايا المفصلية الجذرية التي تواجه مصر وشعبها . ناهيك عن انتهاكها حقوق الانسان وتفردها بالسلطة وهيمنتها عليها ، واعتمادها سياسة التهميش والاقصاء والتشدد تجاه الآخرين من قوى وأحزاب المعارضة ، وعدم اشراكها في صياغة وبناء ملامح المستقبل المصري . كل هذا أدى بالتالي الى تأجج الغضب الشعبي وانفجار التسونامي الجماهيري ، الذي جعل الجيش المصري بقيادة اللواء عبد الفتاح السيسي من اتخاذ القرار بعزل مرسي والاطاحة بحكم الاخوان المسلمين ، الذي كاد ان يدخل مصر في أكبر فتنة داخلية لا تحمد نتائجها وعواقبها .
يمكن القول ، ان ما حصل في مصر من عزل مرسي، وفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقوة ، واعتقال قيادات الإخوان وزجهم في المعتقلات ، واعلان المحكمة المصرية عن حظر جماعة الإخوان ، كل هذا يمثل انتكاسة كبرى للتيار الديني ولجماعات وحركات الاسلام السياسي ، ويعمق أزمتها ويجعلها في اسفل السلم ، وفي طريق الأفول والزوال عن المشهد السياسي والفكري المصري والعربي .
الانتكاسة الراهنة التي تواجه التيار الديني من شأنه خلق واقع جديد في مصر والوطن العربي وافراز ظواهر سياسية واجتماعية جديدة ، وبعث الروح الثورية ودب الحياة في الفكر السياسي العربي وفي حركة التطور العربية ، واعادة الوهج والنضرة للعقلانية ولفكر التنوير العربي . وازاء ذلك فإن المطلوب من الأحزاب والتيارات السياسية التقدمية العربية ، التي تحمل راية التقدم والحرية والديمقراطية والحداثة والمعاصرة والمعرفة والتنوير والعقلانية تجديد ذاتها ، والتحرر من عصبويتها وفئويتها فكراً وممارسة ، واعتماد الديمقراطية أساساً في النضال والعمل الثوري والممارسة اليومية والاجتماعية ، والعمل على اعادة بناء وارساء صرح النهضة الثقافية والعلمية ، الذي تم بناؤه في أواخر القرن التاسع عشر على أيدي رجالات الاصلاح والتنوير ، ونراه اليوم حطاماً ، وصولاً الى احداث التغيير المنشود والمأمول ، واجراء الاصلاحات الدستورية والسياسية ،وتصفية واجتثاث جذور مجتمعنا الذي يرزح تحت عبء التقليد وتقديس القديم ، وإنشاء مجتمع عصري ومدني حديث ، وانعاش مؤسساتنا الثقافية والعلمية ، وتحقيق الانتصار للعقل والابداع العربي .
0 comments:
إرسال تعليق