" وعلينا نحنُ أَنْ نحرسَ وردَ الشّهداءْ
وعلينا نَحْنُ أَنْ نحيا كما نحنُ نشاءْ " / محمود درويش
(1)
رسالة وصلتني قبل أيام ، أغلى عندي من الحياة نفسها

(2)
حياتي موتٌ كَتَمَ أنفاسه تحت الماء ، يطفو بعد قليل ، ليتنفس العدم . ما أكذب البشر . أسمع دقات الموت الغريق ، ولا أكتب الشعر دائماً ، حتى لا يزداد فزع الناس ، وَ كراهيتهم لي . آه ! ماذا أقول لك يا ابنتي عن الشعر ، إنه كما قال السياب " الماء في الجرار ، والغروب في الشّجَرْ " ، ناوليني الماء البارد ، الشاعر مليء بما ليس منه بُد . نعيش هذا الألم الفظيع ، التقشف الشعري والكتمان ، لحفظ ماء وجه الشعراء عبر التاريخ ، نصنع كما صَنَعَ أسلافنا ، كتابة قصائد قليلة . ضعي يدك هنا ، على صدري ، كل هذه الذئاب تعوي ، أليس كذلك ؟ ، إنها جائعة ، تتضور جوعا .
(3)
أهمية الكاتب مرتبطة بالقضية التي يمثلها ، بالمغامرة التي يخوضها ، بالخطر والتضحية والمعاناة . لا يمكن لكل متقاعد ، و عاقر ، و هاربة من زوجها ، أن يكون كاتبا مبدعا ، و كاتبة مبدعة ، هذه الفوضى يجب أن تتوقف . السؤال المهم هو ، لماذا يصبح كتاب السلطة جذابين ؟ . التكريس ، والأضواء ، والشهرة ، و دعم الحكومة ، يجعل من كاتب محدود الموهبة ، عبقريا في نظر الناس . كيف يحدث هذا ؟ . كنت أعمل في شركة أمريكية كبيرة ، تتبع أسلوبا غوغائيا ، يشبه غوغائية الثقافة العراقية هذه الأيام . ولاحظت بأن معظم المدراء ، والمناصب العليا فيها لليافعين ، شباب بلا خبرة ، ولا معرفة . لكن الراتب ، والسلطة ، والثياب الأنيقة منحت الفتيان ، ثقة كبيرة بالنفس . ومع الوقت يتحسن خطابهم ، و أداؤهم ، فيظهر عليهم الوقار ، والهيبة ، و تهوي إليهم أفئدة الناس ، و توسلاتهم ، و نفاقهم ، و أسرارهم الخفية القبيحة . نفس الشيء في الثقافة .
(4)
مشكلة المثقف أنه يفكر كسياسي . هذا خطأ كبير . أنت كاتب لا علاقة لك بالواقع والممكن ، و غير الممكن . يمكنك أن تخرج بحلول كالإنتحار الجماعي للبشرية ، كما فعل شوبنهور . لا تغير من شراسة كلماتك بسبب الواقع ، والناس ، والعامة . اكتب كما يحلو لك ، كما لو أن المدنيات كلها تحترق ، وأنت آخر قصيدة على ساحل الخراب البشري ، و سقوط الحضارات . أو لا تكتب . نحن بحاجة إلى انتحاريين من النوع الثقافي ، يستحمون بالماء المالح ، يلبسون الكفن ، ويقولون الحقيقة في حشد غفير من الكذابين والمنافقين . هذه هي حرب التطهير الحقيقية ، وهذا هو الجهاد المعرفي .
(5)
عندي وجهات نظري الخاصة التي لا أتخلى عنها . منها اعتقادي الراسخ ، بأن غياب الأدب الملحمي في تراثنا ، هو الذي جعلنا نفهم التاريخ الإسلامي فهما طائفيا . لأننا نفهم الصراعات بوصفها نورا و ظلاما ، وليس تحولات تاريخية تأخذ شكلها العنيف الطبيعي . معاوية بن أبي سفيان مثلا ، ابن عم عليّ بن أبي طالب ، ومن سادة قريش ، مؤسس علم السياسة في التاريخ العربي الإسلامي ، بشهادة مؤلف قصة الحضارة وول ديورانت ، واحد من عباقرة العالم . أما عليّ بن أبي طالب ، فهو من أكبر الروحانيين في التاريخ البشري ، أخلاقي عظيم ، و صاحب أعظم نظرة مأساوية لمصير البشر ، متشائم كبير من متشائمي التاريخ . تقاتلا كما يتقاتل الأبطال في الملاحم الهوميروسية ، كما يتصارع الخلود مع الخلود . ما شأنكم يا براز الضفادع الأخضر ، الطافي على مزابل التاريخ الآسن ، ويا طحالب الفناء ، وبثور الزمن . هؤلاء رجال رأوا في مناماتهم آلهة الفردوس و الجحيم ، حتى حملوا مصيرهم إلى أقصى ضمير في التاريخ . لماذا بعد آلاف السنين نبول على قبر معاوية ؟ . أو نجعل قبر عليّ سوقا ، و حصالة نقود ، و عصبا سياسيا ، و مستودعا لضعفنا ، و دموعنا . ما شأن الذين يقبلون أيدي رجال الدين وأقدامهم ، بذلك الذي كرّم الله وجهه ؟؟ .
(6)
أحيانا تسكت ، لأنك تشعر بأنك أمرضت قراءك ، بقسوة كلماتك . الآن علي أن أعتذر لقرائي ، بانحناءة نادل مهذّب ، في حانة راقية ، بباقة ورد في حفلة تنكرية ، بمقالات فيها دقات قلب ، بدلا من قرع الطبول . القاريء الحبيب ، كنزي ، وثروتي ، و عشيرتي في هذه الدنيا . كثيرا ما يمرض القاريء و يموت ، بسبب غباء الكاتب . الحوذي الغبي ، يجلد حصانه العزيز حتى يقتله ، والعاشق الغبي ، يكسر قلب معشوقه . لن يحدث هذا لسيدي القاريء ، العناية المركزة بالكلمات ، هي عناية مركزة ، بصحة القاريء ، و شهيته . أصر على الكتابة باللغة العربية الفصحى ، فالذين يعتقدون بتفوق اللغة المحكية ، على اللغة الفصحى . لا يعرفون ما تفعله اللغة الفصحى ، حين تطلق أرواحها القديمة بالكلام . أنا مُخَرّب كبير ، لقد طرقتُ أبوابكم في الليلة الممطرة ، وقلتُ أطعموني ، قبل أن أبكي ، و تسمعني العاصفة ، ما زال أنفي ينزف ، من اصطفاق أبوابكم الثقيلة بوجهي . الآن جاءت العاصفة ، تخلع تلك الأبواب الموصدة ، كأبواب جهنم . الشاعر يكون غامضا ، و نائيا مثل كتابته . الكثير من الصور في المراقص ، والحدائق ، و طاولات الطعام . لا تجعل منه شاعرا ، بل ممثلا .
0 comments:
إرسال تعليق