روعة ُالحقيقة/ محمود شباط

"الحقيقة مُرَّة" . سمعتُ تلك العبارة مرات ومرات وتساءلتُ باستهجان : هل الحقيقة مُرَّة فعلاً ؟ ولماذا نسبغُ صفة الحلاوة على الصدق وننعت الحقيقة بالمرارة ؟ قد يكمن أحد الأجوبة في كون الحقيقة مؤنث والصدق مذكر، لئن صح ذلك التفسير يكون قد لحق بالحقيقة الغبن الذي لحق ويلحق بالعديد من شقيقاتها من التسميات المؤنثة كالشائع في لغتنا بأن الذكر حيٌّ والأنثى حيّة (ثعبان) . والذكر قاضٍ والأنثى قاضية (الموت) والذكر نائب والأنثى نائبة (مصيبة) وإلى ما هنالك من تسميات مشابهة لا تنصف نصفنا الناعم ، بل النصف الأفضل في المجتمع .
ما يجري في عالمنا من تطورات متسارعة نحو الشفافية والتحرر والتطور لم يعد يسمح لنا أن نكتم دهشتنا ممن يرى أن الحقيقة مُرة، و لا أن نجاريه في رغبته لتفصيل واقع على مقاسه وطبقاً لمصلحته وأهوائه. صحيح بأن هناك فئة طيبة لامبالية تلفظ عبارة "الحقيقة مرة" إنما تلفظها بحكم العادة و بحسن نية، وليس كأولئك الذين يكابرون ويصرون على أن ما يقولونه ويفعلونه هو عين الصواب وما يقوله ويفعله سواهم هو الخطأ. كثر هم ضحايا هذا المنطق الذي يفسد الصداقات ويشتت الأسر ويزعزع مقاعد الحكام .
مهما بلغت مرارة الحقيقة لن تصل إلى مرارة عكسها. هي أسمى وأعذب من أن تشبَّه بطعم العلقم لأنها مشتقة من الحق، والحق أحد أسماء الله الحسنى، خـُلـِقَت لتنطبق على كافة أجناس البشر، وهنا أتذكر بالخير أحد زملائي في الشركة التي أعمل لديها وهو من البوذيين الذين لديهم إلههم. تقضي الأمانة أن أقولَ بأني ما رأيت أصدق من ذلك الشاب قلباً ولساناً إضافة إلى طيب معشره ودماثة خلقه.
على أساسات الحقيقة بُنيَ الكثيرُ من مداميك الرقي والحضارة والتمدن كحرية التعبير عن الرأي ، وحرية التجمع السلمي ومبدأ حرية الصحافة الذي تعمل بموجبه كافة الدول التي تحترم دساتيرها ومواطنيها، والذي يعود الفضل في إرسائه إلى صحفي ألماني مهاجر إلى أميركا ، اسمه جون بيتر زينغر الذي دأب على تكرار انتقاد الحاكم الملكي البريطاني ويليام كوسبي في ولاية نيويورك . ضاق الأخير ذرعاً بالنقد المتكرر فأمر باعتقال زينغر، وكان ذلك في العام 1735. وكَّلَ زينغر محامياً قديراً اسمه أندرو هاميلتون للدفاع عنه . وقد تمكن ذلك المحامي البارع ليس فقط من انتزاع حكم البراءة لموكله زينغر من هيئة المحلفين الذين قرروا بأن زينغر "غير مذنب"، بل أيضا من وضع حجر الأساس لمبدأ حرية الصحافة من خلال عبارته المشهورة الموجزة البليغة التي دخلت التاريخ : " يحق للمواطن أن ينتقد ويعارض حكومته طالما أن ما يقوله عن إجحاف وتعسف حكومته هو حقيقة " .
مائتان وستة وسبعون عاماً مرت على الحقيقة الحلوة لتلك الحقيقة الحلوة ، و لازال عدد من مسؤولينا يفبركون أبواقاً تردد أصداء تزويرهم للحقائق المرة، ويعقدون مؤتمرات وندوات ويتحفوننا بطلاتهم البهية على الشاشات كي يزرعوا بعقولنا ، غصباً عنا ، شوك بهتانهم على أنه رياض الحقيقة الزاهرة كما يريدوننا أن نراها .
المؤسف المخزي في آن هو أن نجد من يصدق ترهات منتهكي حرمة الحقيقة كما لو كانت كتاباً منزلاً لا يحتمل التأويل. وفي خضم مستنقعات الغفلة تتكاثر طحالب المنتهكين ويتكاثر المغفلون الذين يسعون إلى الشقاء والتخلف بأقدامهم . والويل والثبور لمن يحاول تنبيههم من سباتهم الأسود.

CONVERSATION

0 comments: