في نعيم الأبدية عملاق الطرب العربي الدكتور والفنان الكبير وديع الصافي عبقرية الصوت واللحن والكلمة، والأرزة السامقة الخالدة/ مفيد نبزو

- محردة -...
تبدأ قصة الفنان الكبير الأستاذ وديع الصافي عبقرية الصوت العربي ،والأرزة السامقة الخالدة عندما غنى أول مرة في إذاعة راديو الشرق عام 1938 باسم وديع فرنسيس ،ولكن اللجنة المؤلفة من الملحن الكبير سليم الحلو والموسيقار ميشال خياط والشاعر الصحفي ألبير أديب والفنان محي الدين سلام وصفته بصاحب الصوت الصافي ، ومنذ ذلك اليوم اشتهرت الصفة وغاب الاسم الحقيقي .
وديع الصافي من مواليد ((نيحا الشوف )) بتاريخ 1 –- تشرين الثاني 1921 ، وهو أول من بدأ تطوير الطابع الغنائي اللبناني مع الأخوين رحباني ، فغنى بحنجرة وإحساس وعاطفة وروحانية قلَّ ما يجود الزمان بنظيرها على هذه الأرض ، وفي أرجاء المعمورة .
غنى فأطرب، ووعى ما وهبه الله من قدرة خارقة أهلته ليتربع على عرش الأغنية العربية ،ويكون الوجود الفني الخاص الذي استطاع فيه أن ينتصر على الفناء .
قال له والده يوم رأى محبة الناس له : انظر يا ابني كيف يحبك الناس فلا تتكبر على من يحبونك .ومنذ تلك اللحظة حتى يومنا هذا وملك الفن والطرب مثال يحتذى في التواضع والصدق والمحبة.
لقد سألته في إحدى حفلاته في دمشق: يتساءل بعضهم كيف تقبل أن تحيي حفلا ً
في مواقع متواضعة مثل هذا المكان الذي لا يندرج ضمن خمس نجوم سياحيا ً ، فقال : أغني لمن أحبه ويحبني ولو كان في الشارع .
كانت أغنية فريد الأطرش ((ما قلي وقلتلو يا عوازل فلفلوا )) الشرارة الأولى التي أشعلت نيران أغنية الصافي(( عاللوما اللوما اللوما)) التي نالت شهرة واسعة آنذاك عام 1952 ومن بعدها غنى(( يا عيني عالصبر)) ومن ثم غنى وغنى وغنى ،وكل ما غناه سراً ليس بعده سر ، وأعجوبة من أعاجيب التناغم والانسجام والقدرة الخارقة التي تحطم أمنع قلاع النفس وتلج إلى قلوب الإعجاب ولب النشوة الحقيقية حين تجتاز حدود الفرح الإنساني وتلتحم بعناق أزلي مع الفرح السرمدي السماوي .
وعندما غنى الصافي لبنان بغربته وإقامته ، بأتراحه وأفراحه كان صوته الذي يجمع الشمل ((وحدة محبة )) والتئام جرح حين ارتفع بحالة التجلي (( يا رب لا تترك سما لبنان وتتركوا للبوم والغربان )) لتعود حمامة السلام ترفرف في سماء الأرز وتبعث من جديد روح الفرح والإلفة والحياة .
وصلى مبتهلا ً للجنوب كي يتحرر من رموز الظلم وجيوش البطلان ،وينتصر صوت الحق على قوى الشر والزيف والبهتان .
الله معك يا بيت صامد في الجنوب
يا التحت سقفك عالوفا ربيتنا
مش كتيرة عليك لوترخص قلوب
غنى الصافي من أجل العروبة لأنها في خضاب دمه قبل أن ترتاد بصوته ذروة المجد وقبة الخلود .
لم يبحث الفنان الكبير وديع الصافي عن الشاعر بل عن الكلمة ، ولا عن الملحن بل عن اللحن ، وهذا مفتاح استمرارية النجاح إلى الأنجح ،والعظمة إلى الأعظم ، والإشراق إلى التألق الذي يحرك كواكب المجرة ويعانق الأجرام السماوية حتى أصبح تاريخا ً في مطرب ومطربا ً في تاريخ وللتاريخ الذي دخله من أوسع أبوابه ،بل أغنية الأزلية التي نقشها الصافي في ذاكرة الأبدية .
ومن هذا ندرك إدراك اليقين أنه عندما يغني الوديع الصافي تؤوب الطيور المهاجرة إلى خمائلها الغَّناء، وتورق أغصان الفرح ، وتتدفق الجداول ،وترقص الينابيع .
بلدي آه يا بلدي يا قصة الجداول يا لون الفرح يا ملعب عصافير يا حكاية
نواطير يا دهب السنابل وكروم الدهب يا ملفى الجوانح يا مواسم الإلفة.
ولأنه بصوته تنتشي الكروم ،وتنتعش الوديان وتشمخ الجبال ، وتهوج أمواج البحار((عندك بحرية يا ريس )) ، ويختال القمر بثوبه الفضي في عرس السماء.
لبسوا الغباني ومشوا ما عرفت مينن هن
ما عاد رح يرجعوا يا قلب حاجي تعن
لا مهر جايب حدا ولا سرج عم بيرن
ضحاك سنك دهب خليه يبان السن
يا حب اسمك حلو حنيتلك تتحن .
((هوى الوديان ذكرني بهواكم هوى الوديان )).
أغنياته مواسم الفرح في موعد العشاق :
على الله تعود بهجتنا والفراح
وتغمر دارنا البسمة والفراح
قضينا العمر ولف طل ولف راح
وضاع العمر هجران وغياب .
أغنياته بيادر الخير في مواسم العز والعطاء ، وعيد العذارى في مهرجان العطر والسحر والوفاء . فإذا غنى بفرح تفجرت ينابيع الفرح في أعماقنا وما هذا الفرح إلا عزاء الحزانى وسلوى المتعبين ، أما إذا غنى الضيعة فيعيش ابن المدينة في هذه الضيعة الريفية المسكونة ببساطتها وحقيقتها وجوهر جمالها :
فوق سطوح ضيعتنا العليانة  
عنا براج من الحمام الطاير 
والناطور بعيونو السهرانة
ناطر دوم والرزقة بشاير،
ومع الضيعة تلك الفلاحة النشيطة ، وأولئك الحاصدات في لوحة طبيعية لم يصورها أبدع الرسامين :
هل تذكرين ضيعتي والمنحنى والرابية
والأوف من فلاحة نشوى بخمر العافية
هل تذكرين الحاصدات على ربانا الغالية ؟
وكذلك يأخذنا إلى الكرم والناطور والطيور والجبال والبحر والوديان ، فيعيش ابن الصحراء والنخيل في كروم الصافي وجباله وبحره ووديانه . فتكون تلك المفردات التي تعيش بأعماقنا قد أعادها إلينا ،ولكن بأسلوبه وجمالياته التي أخذت منحى روحانياً لايمكن أن تنسى من خلال ذكر: المزراب ، البير،الفطور ، معزة ،الشمس ، الخيمة ،النبعة ،الجدايا ،الجرة ، التنور ،الخبز ، العجنة ،العرزال ،منجيرة الراعي ، إلخ
لقد غنى فناننا الكبير الكلمة مجردة عن أي اعتبار ، وهذه الكلمة تحولت بصوته العجيب إلى عبقرية مذهلة ،وكذلك اللحن أعزيف من جن أم موسيقا من عبقر ؟؟!!.
غنى المهاجر فأشعله بركاناً من شوق ، وهزه عاصفة من حنين : (( يا مهاجرين ارجعوا غالي الوطن غالي )) .
فللعتابا والميجانا وهيهات يا بو الزلف عند الصافي أجنحتها وشموخها :
حباب القلب في قلبي محُّلن
محُّلن يعتبوا عليِّ محُّلن
دمع العين من خدي محا اللون
الماوردي وقبل ترمو الليل شاب .
يا ميجنا ويا ميجنا ويا ميجنا
جنوا العدا وما فرقوا بيناتنا
لاتغضبوا يا أهل المحبة كيفوا
وكيف ما ردتوا هواكم كيفوا
ضلوا الحبايب لاحقوهم كي يفوا
نحنا وعدنا وما خلفنا بوعدنا .
يا ميجنا يا ميجنا ياميجنا
كرجتِ كرجة الحجلة ع سلسال
تبسمتِ ومن شفافك عسل سال
بكيت ِ والدمع دحرج ع سلسال
الدهب وتطعَّم اللولو بدهب .
وللقصيدة ثورتها وانسيابها :
قالت وقد صبغ الحياءُ بياضها
لوني كما صبغَ اللجينَ العسجدُ
اليومَ وعدكمُ فأين الموعدُ
وهيهات يابو الزلف عيني يا موليَّا
لا تكسري بخاطري وبتندمي عليَّا
يا بنت يا مدلعنة يحرس أبو بيك
دورت حمص وحلب ما لقيت ع زيك
يا ريتك مشمشة واقعد أنا بفيك
وكلما يهب الهوى توقع ثمرة عليَّا.
وللأغنية نكهتها وصداها الذي لا يزول ، وعمره عمر الزمن الذي تزهر دائما ً فيه أغصان شجرة الحياة :
طلوا حبابنا طلُّوا نسِّم يا هوى بلادي
بين ربوعنا حلُّوا ضحكت زهرات الوادي
نحنا حكايات ببالوا منا نغمات موالو
لما النسمات تحلالو بين الغابات بينادي .
غنى الصافي للسيدة أم كلثوم فلقب : أبو كلثوم العرب ، وقال عنه الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب : مطرب المطربين وعاصمة الأصوات ، وروي عن عبد الوهاب قول : لو وهبني الله حنجرة وديع الصافي وعود فريد الأطرش لغزوت العالم .
ومما لقب به (( جاجارين الأغنية العربية )) وجاجارين أول رائد فضاء يغزو المجرات ، وكذلك لقب بجبل من لبنان يغني والحنجرة الذهبية بل الماسية ، ولقبته الأرزة الخالدة علماً بأنه أكبر من كل الألقاب لأنه قلعة من قلاع الفن وهرم من أهرامه .
لم يترك الصافي في أرض الغناء العربي مساحة لم يزرعها بشتلات عطوره ،وغرساته المباركة .
كيف التلة والوادي كيف بلادي
كيف حال الجو الهادي كيف ولادي
خبرني يا طير .
و ينقلنا وديع الصافي لجناته على بساط الريح فنسمو عن تفاصيل الحياة وهمومها :
جنات ع مد النظر ما بينشبع منها نظر
وطيور ع نغماتها بينام وبيصحى القمر.
وديان موردها غني وجبال عصيت ع الدني
ومروج خضرا ملونة لوحات مليانة صور .
ومن يسمع الموال السبعاوي البغدادي الذي يسميه الصافي الشرقاوي لا يمكن أن ينساه ، وكأني به كلما ذقته طلبت المزيدا:
لك يا زمن حالات يصعب معي حلها
وهموم في مهجتي ترحالها وحلها
قالوا الفرج بالصبر ليت الصبر حلها
ويضيق صدري بها أصرخ يا دنيا أوسعي
كيف انتصر ع الزمن إلا بجد وسعي
غبِّي يا نفسي مسرة من المآسي وسعي
من دائها داوها ومن مرها حلها .
ولكاتب هذا المقال موال سبعاوي لحنه وغناه بصوته الفنان الكبير وديع الصافي فنال شهرة واسعة :
يا طائر الروح ع جناح الهوى ودني
من مثل ودي أنا ما شفت مَن ودني
ما قلتلك يا قلب عوف الخسيس والدني
عاشرت أهل الهوى أصدق ما فيهم جار
بدَّل وصالي بجفا عاف المودة وجار
قلبي لجمر الهموم وللمتاعب جار
يا طير ضاقت على قلبي الوسيع الدني
يا طير ضاقت على صدري الوسيع الدني
يا طير ضاقت عليَّ الأرض والدني .
ويسأل بعضهم عن الفن كيف يكون ساميا ً؟ !
وعن المطرب كيف يكون مطربا ً، وعن الأغنية كيف تكون أغنية ، وعن الشهرة كيف يمكن أن تستمر مدى الدهر وتتفتح مع براعم الأمل ،وتتجدد في كل ربيع .
وديع الصافي هذا المعلم الخبير القدير في أكبر جامعات الطرب والفن والغناء العربي الأصيل ،هذا الهرم الحضاري الرائع الفريد ، سمعناه بالأمس يصرح أن العطاء لا يشيخ ،ومن يتوقف عن العطاء يموت ،وهو يرفض ويأبى أن يموت إلا مرة واحدة ،ولذا سيبقى ديدنه العطاء لأنه يتوجب على الإنسان أن يترك بصمته على جدار الحياة .
وديع الصافي قدوةٌ خيِّرة ومثالٌ صالحٌ وحالة استثنائية ، وإننا بتاريخه المضيء ،بمساحات قلبه الناصعة البيضاء ، ومساحات صوته الواسعة الشامخة الخضراء لفخورون فمبروك له أوسمة الحب وقلائد الشمس وأكاليل الصدق والعطاء ، مبروك له رسالته في مهرجانات العطر والسحر، والقمح والضوء ، والكرم والطيور ، والليل والعشق والغزل .
وديع الصافي له العرش والتاج والصولجان في مملكة الغناء العربي على مر الأجيال .
**
مفيد نبزو وعائلته في محردة بسوريا يقفون اليوم مع عائلة الصافي الكريمة المفجوعة لتقبل العزاء والمواساة بانتقال الأب الروحي الكبير وديع الصافي أبو فادي إلى الراحة الأبدية حيث الأبرار والصديقون ، ولا يسعنا في هذا الفقدان الجلل والخسارة الجلى إلا أن نعزي الأم العظيمة أم فادي وإخوتي بالروح أبو وديع فادي الصافي وعائلته وأبو شربل جورج الصافي وعائلته وأبو بشارة أنطوان الصافي وعائلته والأخت دنيا الصافي وعائلتها والأخت مارلين الصافي وعائلتها ، والأخ ميلاد الصافي وكل أقرباء ومحبي وعشاق ملك الفن العربي العريق وقديس الطر ب الأصيل في الشرق و في الوطن والمهجر وفي كافة أنحاء المعمورة .
**
هنالك أناس أعلى من جنس البشر بممتلكات خاصة ميزتهم عن غيرهم فارتفعوا إلى مصاف القديسين ،و أدوا رسالتهم التي لا يستطيع أحد أن يؤديها بطريقتهم وإمكانياتهم الخارقة لنواميس الطبيعة والكون ، وكانوا كالمعجزة التي تحدث لمرة واحدة فوق هذه الأرض ، فكان في غيابهم الحضور ، وفي انحلال الجسد إشراقات الروح .. 
عرابنا الأب الروحي الكبير وديع الصافي أبو فادي الحبيب من هؤلاء البررة المختارين لفرح الأرض ومجد السماء .
**

CONVERSATION

0 comments: