رسائل للريح/ ثائرة شمعون البازي

(1)
قالت له:ـ
أعرف أنانيتك...
ومدى دهاءك ومكرك
لكن ليتني في هذه اللحظة أعرف مايكمن وراء هذا الوجه المبتسم

(2)
كان يراها في كل الصور إلا من صورتها الحقيقة
أما هي فقد أدركت أي نوع من الرجال هو, فهو واحد ممن يدفعون حياتهم تحت تأثير ثقتهم بأنفسهم, وممن يخدعهم ذكاؤهم الى حد الغباء..... إذا لم يكن عسيرا عليها أن تكتشف حقيقته من أول لقاء.

(3)
الوقت لا يسرق إلا الغافل, لكن الوقت بالنسبة له وسيلة يمتطيها لتحقيق أهدافه

(4)
قال متباهياً:ـ
الإنسان الذي لا يعرف مايريد ...عليه أن يترك المكان لغيره
قالت بفتور:ـ
وهل تتصور أن الحياة مجرد كرسي يجلس عليه الإنسان ثم يتخلى عنه بسهولة... لآخر؟

ما أوسع هذه الكف: ديوان جمال جاف الجديد

صدر مؤخرا عن دار الغاوون بيروت لبنان ، مجموعة قصائد بعنوان ( ما أوسع هذه الكف ) للشاعر العراقي المهجري جمال جاف، وهي تقع في 80 صفحة من الحجم المتوسط وتشمل على 18 قصيدة متعددة المواضيع والاشكال.
   وشاعرنا جمال جاف الذي عرفتموه من خلال قصائده المنشورة في مجلة الغربة، يعتبر من الشعراء الذين تركوا بصماتهم على جبين الشعر المهجري، وأناروا قناديلهم في عتمات غربتنا القاتلة، لترسل لنا عبر أنوارها نسائم الفرح والسعادة.
   جمال جاف.. يعرف كيف يبسط كفه للكلمة، ويعرف أيضاً كيف يمسك بتلك الكف ناصية الحرف.. لتأتي أشعاره متألقة في كل مكان وزمان.
مبروك يا أخي جمال (ما أوسع هذه الكف).. لأننا تعودنا على خيراتها.
شربل بعيني

في وداع الشاعر الكفرساوي الدكتور سليم مخولي/ شاكر فريد حسن


بوفاة الدكتور سليم مخولي ،ابن بلدة كفر ياسيف البار ، تفقد الحركة الادبية والثقافية والحركة الوطنية والكفاحية في الداخل الفلسطيني اديباً وشاعراً وطنياً حراً وملتزماً ، وفناناً تشكيلياً مبدعاً مؤمناً برسالة الفن والادب الواقعي التقدمي في معارك الحضارة والتحرر والمستقبل ، وتخسر انساناً ابياً خلوقاً عزيز النفس كرس حياته للابداع وخدمة الناس ومداواتهم وعلاجهم ، ومناضلاً مثابراً في الدفاع عن الارض وقضايا الوطن وهموم الشعب ، وفي سبيل حقوق شعبنا الفلسطيني ، ومناصرة الشعوب المستضعفة المقهورة المضطهدة المتطلعة نحو افق الحرية والكرامة والاستقلال.
سليم مخولي شاعرخصب الخيال ، قوي الشاعرية، مطبوع بطابع الحساسية الفنية ، ويعتبر من الاسماء المعروفة ذات الحضور اللافت في المشهد الشعري والادبي الفلسطيني . جمع بين هواية الادب ومهنة الطب ورسالتهما ، ومزج الكلمة بالموقف والكتابة بالنضال ، وحمل لواء القيم الانسانية النبيلة والسامية. نهل من الثقافة العربية الاسلامية والآداب الانسانية العالمية ، وولج محراب الشعر والادب والفن التشكيلي ، وانغمس في عالم الكتابة منذ ستينيات القرن العشرين الماضي ، وكانت اولى تجاربه الشعرية قصيدة بعنوان "القرن العشرين" نشرت في مجلة" آفاق "العكية ، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عطاؤه ولم يجف المداد من قلمه .
شارك المرحوم سليم مخولي في المهرجانات الشعرية والندوات الادبية والثقافية والمعارض الفنية، وكان مشاركاً دائماً في النشاطات والفعاليات الثقافية والنضالية داخل بلده وخارجها . كتب قصائده ونشرها في الصحف والمجلات والدوريات والمنابر الثقافية والادبية ، وخاصة ادبيات وصحف الحزب الشيوعي "الاتحاد" و"الجديد" ، وصدر له عدد من الدواوين والمجموعات الشعرية ، وهي :" معزوفة القرن العشرين، صدى الايام، ذهب الرمال، تعاويذ للزمن المفقود، رماد السطوح ورخام الاعماق، ما يخط القلب في سفر التراب، اليك، رفيقة يومي" بالاضافة الى مسرحية "الناطور" التي تصور الواقع الاليم لمجتمعنا العربي .
سليم مخولي هو ابن النكبة الفلسطينية التي عصفت بشعبنا واقتلعته من ارضه ووطنه وحولته الى لاجئين في الخيام السود ، عاش النكبة ومأساة التشريد والترحيل، وعايش احداثها ، وظل مؤمناً بحق شعبنا في البقاء والحرية والوجود والتطور العصري، مشهراً سيف التحدي وسلاح الصمود والاصرار في وجه مغتصب الارض والهوية ومضطهد الشعب ، ولا بدع اذا قال :
هنا هنا كنا ونبقى
جذع زيتون نشأنا حوله
ولنا في ساحنا "رومية"
ضحكات للريح في خضرتها :
أين روما؟ أينها يا صاح
والقيصر مات!

كان سليم مخولي صاحب مشروع ادبي وفني ، وتمتع برؤية مستقبلية واضحة تحمل تطلعات واحلام الناس البسطاء والمهمشين في عالم انساني خال من الحروب والاستغلال والاضهاد . آمن بالقيم والمثل والمبادئ الانسانية ايماناً راسخاً ، وتمسك بالصدق والاصالة .عادى المظاهر السطحية الشكلية ، وحارب الخزعبلات والخرافات والاساطير والغيبيات،وآمن بضرورة التغيير وبناء مملكة الحب والعدل والرخاء والسلام لكل المعذبين والمضطهدين والمسحوقين في جميع انحاء الكون.
التحم بالقضايا الوطنية والهموم الشعبية ، وسعى الى تعميق وتوطيد العلاقات الانسانية ووشائج المحبة بين ابناء الشعب الواحد والديانات والرسالات السماوية . لم يداهن ولم ينافق لا في حياته ولا في شعره ، لم ينكس الراية ولم تلن له قناة ،ولم يفقد بصيص الامل والتفاؤل يوماً ، وبقي مؤمنا بحتمية انتصار قضية شعبه وتحقيق السلام العادل ، ويبدو ذلك بوضوح في قوله :
ويزهر الزيتون غصناً للسلام .. هل تهجر الأجواء
طير معدنية...
وترف اسراب الحمام
امنية تحيا بقلب البشرية
وحلم ارض هدها طول السقام

سليم مخولي شاعر متبتل في معبد الوطن والعشق الفلسطيني ، امتاز بشعره الوجداني والغزلي والرمزي والفلسفي ، وحملت قصائده الطابع الوطني والنزعة الانسانية ، وتتفجر في نصوصه عذاباته ومشاعره واحاسياسه الوطنية الجياشة ، وتتدفق حباً وصدقاً وعفوية ووهجاً والتزاماً ونقاءً. وهي تحتضن موتيفات ومضامين ذات ابعاد وطنية وانسانية تنصهر مع التراث والجذور، ومع التطلعات والاحلام والآمال الفلسطينية .
تتصف قصائده بطولها ومعانيها المكثفة ، المشبعة بالايحاءات والدلالات الرمزية بعيدة المدى ، التي تغني النص، وتكامل عناصرها الفنية ، ذات الانغام المتعددة. ونلمس فيها الوحدة التعبيرية ،والالفاظ الهادئة ، وقوة الخيال ، وصدق العاطفة ، والرؤية الواضحة ، والروح الثورية التقدمية المتمردة الوثابة ، والنظرة الحادة الهادئة للامور والاشياء، والحس الوطني اللاهب الجميل المرصع بروحه المرهفة وسمو اخلاقه . انها قصائد تفيض بالالم والوجع الانساني وجراحات الوطن الفلسطيني وقضايا الانسان في كل مكان.
سليم مخولي صال وجال في جميع ميادين وفنون الشعر ، فابدع وأجاد، وكان بشعره ناقداً اجتماعياً وسياسياً وانسانياً ، ومثالاً في نزاهة الموقف وشجاعة الرأي ، واحد ابرز من ساروا في طريق الذود عن العقلانية والحداثة والنهضة ، والدفاع عن حرية الآخرين. حظي بالاحترام والتقدير ، واحتل الافئدة والقلوب وعالجها ، ونال مكانة لائقة ومساحة كبيرة عل صدر خريطة الثقافة والابداع الفلسطيني ، ومات شامخاً ابياً ونظيفاً وواقفاً كاشجار زيتون البروة والجليل . فوداعاً يا ابا حبيب ، وعزاؤنا انك تركت سيرة مشرفة ومضيئة ، وقدمت الكثير لبلدك ومجتمعك ووطنك ، ولحركة الادب ، وابقيت ارثاً ادبياً وشعرياً ستحفظه الاجيال الفلسطينية القادمة .

الجزء الثاني من الفصل السادس: شباط 1988/ د. عدنان الظاهر

شباط 1988

نفذت في الثالث عشر من شهر شباط عام 1988 سفرتي او مغامرتي السندبادية الطويلة والمعقدة بعض الشئ اذ خططت واعددت نفسي للقيام بزيارة الدنمارك وبلدين من البلدان السكندنافية هما فنلندا والسويد . لم أزرْ سابقا أيا ً من هذه البلدان علما اني فشلت في الحصول على تاشيرة دخول الدنمارك حينما قررت زيارة هذا البلد صيف عام 1983 وقتما كنت في العاصمة الليبية طرابلس . لم تبين لي سفارة الدنمارك سبب امتناعهم عن منحي الفيزا المطلوبة لدخول اراضيهم كسائح . الا اني اتذكر جيدا ان احدى موظفات هذه السفارة كانت تتكلم اللغة العربية . فبعد صمت طويل خلال مراجعاتي للوقوف على قرارهم نطقت لتقول لي ـ ويا للمفاجاة !! ـ انك عراقي ولست مواطن البلد الذي تحمل جواز سفره !! مفاجاة المفاجآت !! هل كانت هذه السيدة الخبيثة هي سبب حرماني من تاشيرة دخول كوبنهاكن ؟ لِمَ ظلت طوال العديد من الايام صامتة حتى حانت اللحظة الاشد حرجا لتكشف نفسها وتبين دورها فيما وقع لي ؟ وما الضرر في ان اكون عراقيا حاملا جواز سفر غير عراقي ؟ في مراجعتي الاخيرة للسفارة اعتذرت مني بكل ادب وحرارة سيدة في غاية اللطف كنت اعرف انها هي القنصل في السفارة . اردت إغاضتها فعرضت امامها جواز سفري وكانت فيه تاشيرتا دخول كل من بريطانيا والمانيا وقلت لها اني اساسا لست بحاجة ماسة لزيارة بلدكم ... هيا انظري وقارني. صمتت واجمة ً وهي تقلب صفحات الجواز ثم قالت بصعوبة : لِمَ لم تقلْ ذلك قبلا ؟ مع هذه التاشيرات كنا سنمنحك تاشيرتنا دون الرجوع الى وزارة خارجيتنا في كوبنهاكن . قلت لها سوف لن احاول زيارة بلدكم مهما كانت الدواعي والاسباب . ها اني اليوم وبوثيقة سفر المانية قادر على دخول الدنمارك بدون تاشيرة دخول فاين السيدة القنصل لكي اكايدها واباهيها واين تلك السيدة الخبيثة التي كشفت امري باطلا وليس حقا وكيف عرفت اني عراقي ؟
قصة الفيزا الفنلندية
راجعت القنصلية الفنلندية في مدينة ميونيخ مستفسرا عن شروط منح تاشيرة دخول الاراضي الفنلندية واذا ما كانت هناك ثمة من شروط . اخبرني القنصل أنَّ عليَّ ان أملأ استمارات خاصة ارفقها بصورتين صغيرتين لكي يرسلها بدوره وحسب التعليمات الى وزارة خارجيتهم في هلسنكي حيث هناك القرار وليس في القنصلية . قال إنَّ المسالة تستغرق شهرا ً كاملا . عبأت الاستمارات وسلمتها مع صورتين للقنصل صباح اليوم التالي . قال سنكتب لك على عنوان بيتك حال حصولنا على قرار السلطات الفنلندية المختصة . جاءتني من القنصل بعد مرور اقل من شهر رسالة يبين فيها موافقة حكومته على منحي الفيزا المطلوبة . زرت القنصلية ففوجئت بسيدة تشغل مكتب القنصل . وضعت رسالتهم امامها مع وثيقة السفر الالمانية التي بحوزتي . قالت لدينا صلاحية لمنحك فترة شهر واحد تقضيه في بلادنا . قلت لها ربما لا يكفي هذا الشهر لانجاز الغرض من زيارتي لبلدكم ، لذا أقترح منحي ثلاثة أشهر. سالتني عن ماهية هذا الغرض فأفضتُ في شرح تفاصيل مشروعي للبحث في مكتباتهم وأسواق ومحلات بيع الكتب وجمع المصادر والوثائق الخاصة بموضوع العرب وكيمياء الذهب . ثم سازور بعض جامعاتهم والتقي ببعض الاساتذة في حقل اختصاصي . شعرت السيدة بشئ من الحرج والتردد وهي تقول انها ستتصل بوزارة خارجيتهم لاستطلاع الامر . رفعت بالفعل التلفون وتكلمت مع طرف ثان باللغة الفنلندية وبعد قليل قالت حصلت الموافقة على منحك ثلاثة اشهر بدل الشهر الواحد المالوف . قالت هل معك تذاكر السفر ذهابا وجيئة ؟ سلمتها نسخة منها وكانت لحسن الحظ معي في حقيبتي اليدوية . قالت ربما سيسالك رجال الحدود هل معك ما يكفيك من نقود وربما يطلبون منك عرضها امامهم لاحصائها . قلت أجل ، معي كفاية من النقود . ختمت الفيزا على جوازي وتمنت الموفقية لي في سفرتي هذه . هكذا تيسرت الامور الصعبة بسرعة ومرونة وتفهم عميق لحاجات الناس واحترام مشاعرهم والثقة فيما يقولون ويدعون . لا مجال للمقارنة بين هذا الوضع وحالي في سفارة الدنمارك في طرابلس فشتان ما بين الحالين . كنت هناك احمل جواز سفر بلد عربي وانا هنا احمل وثيقة سفر المانية ، وثيقة سفر وليس جواز سفر !! هل منشأ الجواز يقرر مصير الانسان ؟ هل تتقرر قيمة هذا الانسان بنوع ما يحمل من جواز سفر ؟
رحلة السندباد البرمائية
كانت السفرة مزيجا ما بين السفر بالحافلات والبواخر . غادرت الحافلة
( الباص ) مدينة ميونيخ في الساعة الثامنة والنصف من صباح السبت الموافق الثالث عشر من شهر شباط 1988 فوصلنا في المساء ميناء ترافيمونده الالماني
Travemuende
ومن هناك اخذتنا باخرة حديثة كبيرة حتى مدينة مالمو السويدية
Malmo.
استغرقت السفرة بالباخرة بضعة ساعات فقط لم ينم أحد ٌ من المسافرين خلالها رقصا ً وصخبا ً وموسيقى وغناءً إذ كانت أيام أعياد الازياء المعروفة
Fasching
ثم عيد الحب ( القديس فالنتاين )
Valentines Day
الذي يصادف الرابع عشر من شهر شباط .
لم تفارقني سيدة جميلة لا في سفرة الحافلة ولا على سطح الباخرة أبدا ً . أخذت مجلسها في الحافلة بجانبي ثم ادّعت انها سيدة فنلندية تعمل في المانيا وانها ذاهبة الى هناك لزيارة والدتها . خففت رفقتها وأحاديثها معي من وطأة تعب الطريق ولم تتدخل في شؤوني الشخصية ولم تسال من اكون وما الهدف من زيارتي لبلدها فنلندا . لطف المرأة وجمالها روحا ووجها ينسيان الرجل متاعبه وهمومه ويخففان من وطاة الزمن والشعور بالوحدة والفراغ فكنت مسرورا برفقتها . عاملتها بكل أدب وعفة وقدمت لها بعض ما كان معي من حلوى وماكولات أخرى فكانت تتقبلها شاكرة . بل ودعوتها الى مطعم الباخرة لنتناول طعام العشاء معا فلبت فورا دعوتي وشاركتني طعامي .
عند وصولنا الى ميناء مالمو السويدي انزلونا من الباخرة ومعنا حافلتنا التي لم نفارقها ولم تفارقنا طوال الرحلة حتى العاصمة الفنلندية هلسنكي .
اخذتنا الحافلة واتجهت بنا صوب العاصمة السويدية ستوكهولم . لفت نظري كثرة الغابات والبحيرات على طول الطريق لكني شعرت بضيق حقيقي من تواضع الشارع الرئيس الذي سنقطعه حتى العاصمة . ممر واحد ضيق يكفي بالكاد لمرور سيارتين . رأيته لا شئَ مقارنة ً مع الطرقات والشوارع الالمانية المعروفة بسعتها وتعدد ممراتها في اتجاهين متعاكسين منفصلين تماما . المسافة بين مالمو وستوكهولم 650 كيلومترا بالتمام . ركبنا وحافلتنا باخرة اخرى فاخذتنا الى ميناء ( توركو ) الفنلندي في سفرة استغرقت ليلة كاملة . قضيت معظم الوقت امتع النفس بمشاهد البحر الليلية وقطع الثلوج الضخمة تتلاصق حينا مع بعضها وتنفصل احيانا ً أخرى . انتبهت ان باخرة ثانية عملاقة كانت تتبع باخرتنا ليس بعيدا عنا متخذة الطريق الذي مهدته لها باخرتنا بتحطيم قطع الجليد وفصلها عن بعضها . كانت الباخرة الثانية تتوهج بأضوية حُمر ٍ قوية شديدة السطوع مثبتة على واجهاتها الامامية . رايتها لوحة رائعة نادرة وسط ظلام البحر الدامس وقطع الجليد الذي يتكسر أمام وحول باخرتنا . وصلنا مدينة توركو
Turku
الفنلندية فودعتني السيدة الفنلندية رفيقة السفرة قائلة انها ستبقى في هذه المدينة لمدة اسبوع او اسبوعين .
ركبنا حافلتنا صباح اليوم الخامس عشر من شهر شباط متجهين صوب هدفي النهائي : العاصمة الفنلندية هلسنكي
Hilsinki .
المسافة بين مدينة توركو وهلسنكي 150 كيلومترا فقط . طريق ضيق جميل . وصلنا هلسنكي الساعة الثانية عشرة منتصف نهار الخامس عشر من شباط 1988 فاخذت ابحث عن سكن مناسب في المنطقة القريبة من محطة الحافلات الرئيسة في وسط المدينة . وجدت الفنادق غالية جدا فاخترت انسبها : 210 مارك فنلندي أي 80 دولارا امريكيا في اليوم لغرفة بحمام وبقية المرافق ولكن بدون وجبة إفطار . ليس الفطور الصباحي بمشكلة بالنسبة لي ، ذاك أني عادة ً ولأزمان طويلة لا اتناول طعاما في الصباح ولا أحسُّ بجوع أو رغبة في الطعام . اخترت هذا الفندق بالذات اذ جذبني اسمه اليه : فندق فنلندا ( فينلاند ) ... اسم على مسمى . فوجئت أني الزبون الوحيد في هذا الفندق ففي الشتاء لا تكاد تجد سائحا في هلسنكي او هكذا قدرتُ وخمنت . مع ذلك كان في الفندق كثرة من العاملين بين موظفي استقبال وعاملات تنظيف دخلت احداهن يوما غرفتي دون استئذان وكنت وقتها مستغرقا في قراءة مجلة نيوزويك الامريكية الاسبوعية لمتابعة اخبار العالم ... اقرأ في المجلة وأحتسي بين آونة واخرى جرعات من زجاجة الفودكا التي ابتعتها من مخازن الباخرة التي تبيع باسعار سياحية مُخفّضة . افتعلت السيدة جفلة من فوجئ بأمر غير متوقع ثم انسحبت سريعا معتذرة وكان عذرها أتعس من فعلها : قالت حسبتك غير موجود في غرفتك !! يا للغباء او الخبث ! دخلت علي َّ غرفتي دون ان تطرق الباب وما كان الباب اصلا مقفلا فكيف اكون خارج غرفتي ؟؟ كانوا جميعا في غاية اللطف والادب يجيبونني على أيما سؤال ومسالة ... كنت ضيفهم الوحيد العراقي القادم اليهم في عز برد الشتاء حاملا وثيقة سفر المانية . الاكثر غرابة ان ادارة الفندق لحظة وصولي وتسجيلي حسب الاصول لم تطلب مني تسديد اجور اقامتي التي حددتها لهم باسبوع واحد . .. كما هو العرف الجاري في بريطانيا او المانيا مثلا . قالوا تستطيع التسديد متى شئت . كانت غرفتي واسعة مريحة مزودة بتلفون وجهاز تلفزيون أعانني على تحمل الوحدة والبعد وبرد شتائهم الذي يُذكّرني ببرد شتاء موسكو . تمشيت طويلا في شوارع هلسنكي ودخلت الكثير من مخازنها وتعرفت سريعا على اهم معالمها ولا من غرابة ، فالمدينة صغيرة قياسا لباقي عواصم الدنيا . اكتشفت على الفور اوجه الشبه الكثيرة بين نساء فنلندا والنساء الروسيات حتى اني حسبت نفسي اتمشى في شارع كوركي في مركز مدينة موسكو وخاصة نساء مدينة ليننغراد وغيرهن من اقصى الشمال .
هل حقا انا في هلسنكي ؟ كنت احلم أنْ أرى هذه المدينة منذ عهود الشباب اذ كنت اتابع اخبار ما كان يعقد فيها من مؤتمرات عالمية سياسية وعلمية ومهرجانات رياضية ثم كنت أعرف انها كانت يوما ً جزءا ً من روسيا القيصرية . جبت شوارعها في يومي الاول فيها وفي راسي طيفا شخصين عزيزين علي َّ احدهما المرحوم اسامة كاظم حسن الذي اقام هناك وتزوج سيدة فنلندية لكنه فارق للاسف الحياة اواسط سبعينيات القرن الماضي في حادث سيارة مؤسف . زار هلسنكي شقيقه طبيب الاسنان السيد عصام خصيصا ليصطحب جثمان اخيه لدفنه تحت تراب وطنه العراق لكن السلطات الفنلندية لم تسمح بذلك . قالوا لعصام ان اخاك مواطن فنلندي ولا يدفن الا في بلده . كان اسامة ضابطا في الجيش العراقي حتى انقلاب الثامن من شهر شباط عام 1963 حيث اعتقل وسجن ثم أقصي عن الجيش. لوالد اسامة قصة تستحق الذكر لانها هي الاخرى تمثل بحد ذاتها صفحة من صفحات سفر محنة وماساة العراق والعراقيين زمان فترة حكم حزب البعث للعراق . أُعتقِل اللواء المتقاعد كاظم حسن الشطري عام 1970 وتعرض للتعذيب والاذلال في قصر النهاية . اطلقوا سراحه بعد وساطات وتدخلات عشائرية واخرى مناطقية كان البعثي القيادي ( نعيم حداد ) احد اطرافها . نعم ، اطلقوا سراحه ولم يقتلوه في معتقله لكنهم قرروا التخلص منه بقتله في الشارع اذ تعرض لحادث دهس بسيارة مجهولة اثناء محاولة عبوره شارع الرشيد في قلب بغداد . نجا الرجل من المحاولة ولكن تحطمت عظامه وفارق الحياة بعد زمن قصير . صفحة اخرى حالكة السواد في تاريخ حكم حزب البعث . كان المرحوم ابو اسامة قبل احالته على التقاعد احد ضباط العهد الملكي المعروفين وخاصة خلال فترة خدمته العسكرية في اللواء الاول في حامية المسيب سوية مع آمر اللواء محمد نجيب الربيعي وآمر احد الافواج عبد الكريم قاسم نفسه اذ شدتهم جميعا اواصر صداقة شخصية فضلا عن رفقة العسكرية والسلاح . لذا كرمته ثورة تموز فاعادته الى الخدمة مديرا عاما للمزارع الحكومية . اما الطيف الثاني فانه طيف صديقي وزميلي في كلية علوم جامعة بغداد الدكتور رياض رشيد . كنت اعرف انه دأب على زيارة هلسنكي في كل عطلة صيفية وقيل في حينه إنَّ له هناك صديقة فنلندية وربما مصالح تجارية من قبيل محطة بنزين وبعض المخازن . فارق اسامة الحياة فهل من سبيل او فرصة للقاء الآخر ؟ ربما . ربما أحال رياض نفسه على التقاعد وجاء ليستقر مع صديقته نهائيا في هلسنكي وينقذ نفسه من بلاوي صدام وحزبه ومن مغامرات صدام . اتفرس في وجوه المارة لعلي اعثر بينهم عليه . وأطيل النظر في المطاعم الصغيرة عسى ان اعثر على وجه امراة تدير أحدها وتدعوني قائلة : تفضلْ أدخلْ ... لدينا اكلات عراقية ... يبدو من وجهك انك عراقي واكيد تعرف زوجي العراقي الراحل أسامة كاظم حسن !! دارت كل هذه الخواطر في راسي وكنت كالواثق أني ساعثر عليها او هي التي ستكتشفني . كان المرحوم وزوجه يملكان مطعما وشركة سياحية . لم أيأس ، قلت ساجدها او سالتقي صديقي رياض غدا او بعد غد . ظل الامل قويا جدا . عدت متعبا الى الفندق ونمت احلم بلقاء .
انقل بعض ما كتبت في دفتر مذكراتي الصغير :
الثلاثاء الموافق 16.02.1988
تمشيات استكشافية طويلة . مخازن انيقة ولكن البضائع غالية جدا . الناس ودودون مؤدبون يساعدون الغريب . الغداء دجاج مشوي ، نصف دجاجة تكلف ستة ماركات المانية اي ضعف ثمنها في المانيا . عودة بعد الغداء للفندق . حمام ساخن ثم فنجان قهوة مع بعض الحلوى . مشاهدة التلفزيون. تركت الفندق بعد استراحة غير طويلة لاتجول في شوارع المدينة على غير هدى . اين رياض ؟ اين مطعم السيدة ؟ دخلت مخزن اطعمة كبير فوجدت تمرا عراقيا مجففا فكانت فرحتي تفوق الوصف . ها انا ثانية في العراق ومع اهلي في العراق . ما سر وما سحر وما سبب قوة تاثير تمور نخيل العراق على الغرباء من امثالي وممن نالهم الكثير من الحيف والظلم في وطنهم من قبل بعض بني جلدتهم ؟ ابتعت كمية كبيرة من هذا التمر على امل ان يبقى او ان ابقي شيئا منه أعود به الى المانيا !! لم أترك منه بعد اسبوع الا النوى .
الاربعاء 17.02
ريح وبرد ودرجة الحرارة 8 مئوية تحت الصفر. تمشيات في مناطق جديدة وفي منطقة الميناء . الغداء كباب مشوي ورز في مطعم نظيف صغير لم تعرني صاحبته أي إهتمام . اذا ً هي ليست زوج المرحوم أسامة كاظم حسن . عدت بعد الغداء للفندق باقصى سرعة يسمح بها البرد وملابسي الثقيلة المبطنة بفراء صوف الغنم ... إسهال شديد !! سوف لن امر ثانية على هذا المطعم الذي يقدم الرز الجيد والكباب المشوي الممتاز. كباب شهي جيد يليه إسهال حاد ثم ان صاحبته لم تتعرف عليَّ ولم تكشف لي عن هويتها وعمن تكون فقد تكون وقد لا تكون هي السيدة التي ابحث عنها . صرت بعد ذلك أرتاد مطاعمَ أخَرَ منها الراقي ومنها الشعبي .
الخميس .18.02
نديف ثلج مستمر ودرجة الحرارة 5 مئوية تحت الصفر . زرت المتحف الوطني الفنلندي . يفتح ابوابه الساعة الحادية عشرة ضُحى . لا يعكس المُتحف تاريخ هذا البلد ، مظلم ومعروضاته قليلة متآكلة . كتبت لهم ملاحظات في الدفتر الخاص بتسجيل ملاحظات الزائرين عبرت فيها عن وجهة نظري فيما رايت . العشاء دجاج مشوي .
الجمعة 19.02
درجة الحرارة 8 تحت الصفر . ريح قوية . زرت متحف مدينة هلسنكي . صغير ، معظم معروضاته لوحات رسم . محتويات غرفتين رسوم ومعروضات لضباط سويديين . عرض افلام مع موسيقى رائعة . تمشيت طويلا رغم البرد . العشاء في غرفتي ، دجاج مع قهوة .
السبت 20.02
تمشيات في مناطق جديدة ودخول مجمع اسواق لطيف . ثلج خفيف . ابتعت كمية اخرى من تمر مجفف رايته كالتمر العراقي المسمى خستاوي شكلا ثم مذاقا .
الاحد 21.02
ثلوج وتمش ٍ وليس من جديد . درجة الحرارة 10 تحت الصفر . امضيت الامسية في غرفتي في فندق فنلندا مع عشاء خفيف وقهوة . كتبت [ بوست كارد ] لابنتي قرطبة في ميونيخ . في هذه الامسية وفي هذا الوقت دخلت عليَّ عاملة الفندق دونما استئذان ثم اعتذرتْ فخجلتُ انا لكنها لم تخجلْ !! قالت حسبتك خارج الفندق !! كنت حسب التعليمات اترك مفتاح غرفتي اذ اغادر الفندق مع المدير المسؤول الذي يعلقه بدوره في اللوح الخاص بالمفاتيح . وحين اكون في غرفتي من الطبيعي ان يكون المكان الخاص بمفتاحها خاليا . والمنظفات عادة ً يأخذن المفاتيح من اللوح الخاص حوالي العاشرة صباح كل يوم لتنظيف الغرف ، فكيف ظنت السيدة اياها اني ما زلت في المدينة خارج غرفتي والوقت مساء ؟ اما كان الواجب يقتضيها ان تطرق الباب مستاذنة ً قبل ان تدخل غرفتي التي لم تكن مقفلة اساسا ً ؟ هل كانت تروم لاسبابها الخاصة معرفة ما كنت افعله حين اكون وحيدا في غرفتي ؟ كرهتها واحتقرتها ولم أعدْ أحييها حين التقيها في ارجاء الفندق .
الاثنين 22.02
10 تحت الصفر . ثلوج ثلوج وبرد . تمشيت على طول الساحل . البواخر محاطة بالثلوج .
الثلاثاء 23.02
زرت متحف
Ateneum.
لوحات قديمة من القرن الثامن عشر والتاسع عشر . في مدخل المتحف لوحة عملاقة لإمرأة عارية آية في جمال الوجه والجسد تمد يدها في صندوق خشبي عتيق ... ما دلالة الجمع بين الجمال الساحر وصندوق خشب قديم ؟ على البحر عصراً حيث الميناء والبواخر التي غادرت وتلك التي ستغادر . غدا السفر الى السويد .
ملخص الزيارة /
لم ازرْ جامعة هلسنكي ولا اي معهد للكيمياء ، بل لم احاول معرفة العناوين . لم يشجعني وضع المدينة ولا طقسها على البقاء فيها لاجراء ابحاث علمية وهو الهدف الاساس من السفرة . مدينة صغيرة كل ما فيها غال ونساؤها كالروسيات مكتنزات بالشحم . ذكرتني هلسنكي بكل اوجاع معدتي التي عانيت منها طويلا اعوام دراستي في ستينيات القرن الماضي في موسكو وخاصة خلال الاعوام 1065 ـ 1967 . نفس الثلوج ونفس البرد . اذا ً فلاتعرف على المدينة جيدا ثم اغادرها لاحاول ايجاد فرصة بحث او عمل في العاصمة السويدية ستوكهولم أو في الدنمارك أو في بريطانيا .
الاربعاء 24.02
المغادرة الى ستوكهولم .
غادرت هلسنكي الساعة السادسة والربع بالحافلة صوب مدينة توركو . سفرة مريحة ، ومن توركو أخذنا الباخرة العملاقة الى ستوكهولم عاصمة السويد . تسوقت من اسواق الباخرة الحرة .
الخميس 25.02
الوصول صباحا مبكرا الى ستوكهولم
Stockholm
وصلنا العاصمة ستوكهولم الساعة السابعة صباحا وكانت المدينة لم تزلْ مقفلة . انتظرت بجوار مكتب الاستعلامات لاحجز مكانا لي في احد الفنادق . فتح المكتب ابوابه في تمام الساعة التاسعة وكنت اول زبون في ذلك الصباح يطلب استئجار غرفة لمدة اسبوع . سالني الموظف هل ادفع الاجور مقدما ؟ قلت أجلْ . قال ذلك يعطيك تخفيضا وتذاكر للسفر في كافة وسائط النقل في ستوكهولم فضلا عن الحق في زيارات مجانية لكافة المتاحف والمعالم السياحية في المدينة . كان الفندق قريبا من وسط المدينة مطلا على البحر من جهة وعلى القصور الملكية من الجهة الاخرى اذ كنت اشرف عليها من غرفتي في الطابق السادس . فندق رفيع المستوى يقدم الفطور السخي صباحا على طريقة ( البوفيه ) اي اخدم نفسك بنفسك.
الغرفة واسعة مع مرافق صحية كاملة وتلفون وتلفزيون ملون كل هذا مقابل خمسين دولارا امريكيا في اليوم فشتان ما بين فندق هلسنكي وفنادق ستوكهولم . قبل ان استلم مفتاح غرفتي طلب مني مدير الفندق ان املأ استمارة استبيان خاصة فيها اسئلة عن الاسم الكامل وعنوان الاقامة الدائمة واسم البلد الذي أتيتُ منه ثم اسم البلد الذي ساقصده بعد مغادرتي السويد ورقم جواز السفر وتاريخ صدوره والجهة التي اصدرته وتاريخ نفاد صلاحيته . يا ساتر !! تشاءمت !! اكره من كل قلبي مثل هذه الاسئلة ، انها اسئلة شرطة تحقيق . لم يحصل مثل هذا الامر في هلسنكي . ما سر هذا التفاوت بين العواصم ؟
تركت حقيبتي في غرفتي ورحت اتجول في مركز المدينة وهو مني قريب. عدت بعد اقل من ساعتين لغرفتي فقد كنت متعبا مع حاجتي الملحة لاخذ حمام ساخن وهو شعور وحاجة ماسة احس بهما عادة ً كلما عبرت من بلد لاخر وتغير تبعا لذلك الناس والطقس والعادات . نمت عميقا استعدادا ليوم جديد في عاصمة جديدة عليَّ .
الجمعة 26.02
تجوال عام في المدينة ودراسة خرائطها السياحية وشبكة خطوط المواصلات فيها .
السبت 27.02
سالت قبيل الفطور مدير الفندق كيف السبيل للعثور على صديق اعرف انه غادر العراق أوائل سبعينيات القرن الماضي واقام لاجئا في السويد . قال ابحث عن رقم تلفونه مقابل اسمه في كتب التلفونات المتوفرة في غرفتك حسب الحروف الابجدية . عدت بعد الافطار لغرفتي لاقلب الصفحات فلم اعثر على اسم صديقي . رجعت للمدير واخبرته اني لم اجد اسم صديقي في كتب التلفونات فقال : ذلك امر طبيعي ما دام صاحبك لاجئا . سالته عن الحل قال هاك استمارة خاصة إملأها لاقدمها للشرطة وساخبرك بالنتيجة لاحقا . اخبرني صباح اليوم التالي ان الشرطة ليست مخولة بكشف عنوان او رقم تلفون هذا الشخص لانه تحت حماية الدولة .
لكم كنت اود لقاء الصديق الدكتور ( ن.خ. ) الذي ترك بلده العراق مبكرا كانه كان واثقا مما سيؤول اليه امر العراق تحت حكم وتسلط البعث وصدام حسين .
زرت المدينة القديمة ومتحف القصر الملكي . لم أرَ في حياتي ماسا اكبر ولا اروع مما رايت على احد التيجان الملكية .
الاحد 28.02
قضيت النهار في المدينة السياحية المسماة سكانسن
Skansen
وزرت المتحف البايولوجي ومتحفا آخرَ يسمى نورديسكا
Nordiska
ثم المتحف التاريخي . في الطريق سقطت على ثلوج الشارع فالتوت قدمي اليسرى ولم اصل الفندق الا بشق الانفس . مشكلة ، مشكلة حقيقية يواجهها السائح اذا ما حدث له عارض او مكروه غير متوقع بعيدا عن اهله وبلد اقامته . اخذت حماما شديد السخونة وقمت بتدليك القدم المصاب عنيفا وطويلا فشعرت بالراحة . لا كسور اذا ً في عظام قدمي لكني بقيت يومين امشي (( كمشية العَرَنْجلي )) ... أضلع ُوأتمايلُ يَمنةً ويَسرةً وأتحاملُ وأُحمِّل جسدي فوق ما يطيق من اجل ان اتعرف على هذه العاصمة جيدا وان اتمكن من تنفيذ بعض مشاريعي فيها .
الاثنين 29.02 [[ السنة كبيسة في هذا العام 1988 / زيادة يوم على شهر شباط ]] .
قضيت النهار في مدينة أوبسالا
Uppsala
قررت ان ازور جامعة اوبسالا التي تربطها بكلية العلوم / جامعة بغداد اتفاقية علمية تمنح هذه الجامعة بموجبها اساتذة قسم الكيمياء في كلية العلوم مُنَحا لاجراء ابحاث علمية في مختبراتها تتراوح آمادها بين شهر وعام دراسي كامل . سبق وان رشحت نفسي لاحدى هذه المنح لكن رئيس القسم وكالة ( س.ع.م. ) نصحني أنْ أسحب ترشيحي إذ أفاد أنَّ [[ الجماعة ]] تضع شروطا ً لهذه الزمالات وغيرها غير متوفرة فيك وأن ليس ثمّة َ من أمل أمامك !! والحر تكفيه الاشارة !! لقد احبط الاتحاد الوطني لطلبة البعث في الكلية وعناصر أمنه ومخابراته هذا المشروع وغيره قبله وبعده من المشاريع فسحبت ترشيحي في انتظار الفرج في فرصة اخرى قد تسنح يوما ما . حرموني من واحد من ابسط حقوقي الاكاديمية . اقول بهذه المناسبة لشخص معتوه موسوس غبي وأعمى ومشبوه من أيتام الفاشي مكارثي وأحد [[ القنادر الإسرائيكية ]] ومن عبَدة النجمة السداسية ...اقول له واود ان يعرف لو يستطيع ان يعرف ... إنَّ جامعة اوبسالا لا ولم ولن ترفض أستاذا ً عراقيا ترشحه كليته وجامعة بغداد لاجراء أبحاث فيها ... لم يحصل ذلك أبدا ً .
لم تكن تلك المحاولة الاولى ولا الاخيرة في مسلسل التمييز والاجرام بحق العراقيين ، فلقد وافقت بعد ذلك بعام واحد جامعة بغداد ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية عام 1977 على ايفادي عاما كاملا لاجراء ابحاث في احد حقول الكيمياء في جامعة ( هالة ) في المانيا الدمقراطية يومذاك لكن امانة سر مجلس قيادة الثورة لم تسمح لي بالتمتع بهذا الايفاد !! لديَّ اليوم كتاب موافقة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتوقيع الوزير الدكتور محمد المشاط آنذاك .
ركبت القطار المتجه صوب مدينة اوبسالا فاستغرقت الرحلة 45 دقيقة مقابل 76 كرونا سويديا . فوجئت أن َّ مقاعد عربة القطار محجوزة سَلفاً فكنت كلَّ مرة اجلس فيها على مقعد ياتي شخص ويطلب مني اخلاء المكان لانه محجوز له . هل انا في طائرة ام في قطار ؟ بقيت واقفا والقطار يجري مسرعا لاكثر من نصف ساعة حتى شغر مكان فاشار لي احد الراكبين ان احد الامكنة اصبح فارغا فهُرعت اليه وأرحتُ جسدي عليه (( طركاعة على راسي !! )) . كنت اشعر بالكثير من الضيق والحرج حين أُضطر ان أترك المقعد الذي شغلت ويخالجني إحساس مرٌّ كاني لص والجمهور يسخر مني : غريب لا يعرف اصولنا وعاداتنا وتقاليدنا !! كانت تلك تجربة لا انساها لانها كانت الاولى لي مع قطارات اوربا والتي غدت فيما بعد شيئا مالوفا لكني صرت بعدها اكره السفر بالقطار وافضل السفر بالطائرة او الحافلة ... ولم يزل هذا دأبي وخياري .
في جامعة أوبسالا : سالت عن اقسام الكيمياء غير العضوية فدلوني على احدها . قابلت رئيس احد المجاميع وسالته عن بروفسور اعرفه زار مرة ً قسم الكيمياء في كلية العلوم / جامعة بغداد فاخبرني انه غير موجود . سالته عن امكانية الالتحاق بمجموعته للبحث فقال انصحك ان لا تحاول ! ليس لدينا ما يكفي من مال لمواصلة الابحاث التي نريد ، نواجه ازمة في تمويل الابحاث . ثم تبسّط الرجل البروفسور في الحديث معي وشرح لي طبيعة ما يقومون به من ابحاث وقدم لي كتيبا صغيرا فيه عناوين الابحاث التي نشرها مع فريق مجموعته للبحث خلال عامين . ودعته شاكرا وعدت للعاصمة بخفي حنين .
الثلاثاء 01.03.1988
ها انا اليوم في شهر آذار / مارس اول شهور الربيع .
زرت متحف الفن الوطني
Art National Museum
متحف هائل وجدير بالمشاهدة . بالقرب منه متحفان لم أشأ ان ازورهما فقد انهكتني زيارة المتحف الكبير ثم بسبب الالم في قدمي اليسرى .
الاربعاء 02.03.1988
زرت اربع متاحف اذ شعرت بتحسن ملحوظ في وضع قدمي بعد نوم عميق ثم حمام صباحي شديد السخونة . المتاحف هي : متحف التكنولوجيا وهو متحف طريف / ومتحف الاتصالات / ومتحف الاجناس البشرية وفيه جناح خاص مخصص لقبائل الطوارق في النايجر والجزائر / ثم متحف مدينة ستوكهولم وهو لحسن الحظ قريب من الفندق . بعد الغداء واستراحة قصيرة في غرفتي سحت في المدينة ثانية ً ثم صعدت بالمصعد الكهربائي برج المدينة الشاهق المكون من ثلاثين طابقا . شربت فنجان قهوة في مقهى على احد طوابقه العليا وتمتعت من هناك بمرأى منظر المدينة الممتدة تحت البرج .
ستوكهولم كمدينة افضل لا ريب من هلسنكي لكنها كذلك صغيرة ومتواضعة في مخازنها وشوارعها ومبانيها مقارنة مع لندن ونيويورك وميونيخ على سبيل المثال .


دور المثقف بعد ثورة 25 يناير ....عنوان مؤتمر اليوم الواحد بالدقهلية

مواكبة لثورة 25 يناير ينظم اتحاد كتاب مصر بالدقهلية مؤتمر اليوم الواحد تحت عنوان (دور المثقف بعد ثورة 25 يناير) يشارك فيه نخبة من الكتاب والشعراء ويدور حول محورين المحور الأول :دور الكلمة في التمهيد للثورة رؤية عامة ..تشمل مقالات -شعر - قصة.يشرف علي أبحاث الشعر د.مختار عطية , وأبحاث القصة د. سمير حسون.
المحور الثاني ويشمل شهادات الثورة للدكتور محمود اسماعيل والدكتور أشرف حسن , سمير الفيل ,وفكري داوود ومصطفي العايدي ,والأديب ابراهيم جاد الله و محمود بطوش والكاتبة آمال ممدوح وينتهي المؤتمر بأمسية شعرية بعنوان ( ماتقولش إيه ادتنا مصر) للشعراء مصطفي الضمراني , واحمد سويلم واحمد عنتر مصطفي وشعراء اتحاد الكتاب بالدقهلية ..سمير الأمير وفتحي البريشي , وعلي عبد العزيز وصفي الدين ريحان ووحيد راغب, .يدير الجلسات عبده الريس والسعيد نجم وفرج مجاهد ومصباح المهدي .
كما يشارك من الشخصيات العامة الشاعرجابربسيوني رئيس لجنة الفروع ’ ود. زينب العسال والأديبة هالة فهمي والاديبان الصحفيان حزين عمر ومصطفي القاضي , وكذلك اتحاد كتاب الشرقية والغربية ,يرأس المؤتمر شرفيا الدكتور جمال التلاوي ورئيسه الدكتور محمود اسماعيل .يرعي المؤتمر اللواء صلاح المعداوي محافظ الدقهلية , وقد صرحت فاطمة الزهراء فلا رئيس الفرع بالدقهلية أن كل الكتاب بالدقهلية ودمياط والشرقية والغربية يحرصون كل الحرص لإنجاح المؤتمر لإكمال مسيرة الثورة ,والجديد في المؤتمر مشاركة الشاعرين الكبيرين الضمراني وسويلم بدعوة من جمعية رعاية مرضي الكبد الذي يرأسها الدكتور جمال شيحة وبذلك تشارك جمعيات المجتمع المدني في النهوض بالحركة الأدبية , وقد تحدد يوم 23 من نوفمبر الجاري موعدا للممؤتمر

آمال عوّاد رضوان تحاور بروفيسور فاروق مواسي!/ آمال عوّاد رضوان


"أستطيعُ أن أصفَ الوضعَ أفضلَ ممّا وَصفتُ به أهلَنا في العالم العربيّ، لكن ظلالَ الرّيبة تُغيّم أحيانًا، وبقدرِ ما أنا وابن رام الله في هُويّةٍ واحدة، فإنّ ثمّة خيطًا يرسمُ فرقًا.

هل أقول رأيًا لم يرد لدى أحد، وأنا أظنُّه يُحلّق في أجوائنا؟ فثمّة تجاهل يُمْنى به (عرب48)، سواء من الكيان الذي يعيشون بين ظهرانيه يتجلى بعدم المساواة، وبحالةِ الاستلاب المستمرّة هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى- مِن السّلطة الفلسطينيّة– بالتنكّر لنا في كلّ المؤسّسات الرّسميّة، وكأنّهم يُؤكّدون "إسرائيليّتنا" أكثرَ ممّا نبغيه، إزاء ذلك فإنني أخشى إذا طالب الجليل والمثلث وسائر العرب في الدّاخل يومًا ما باستقلال داخلي (أوتونوميا)- بكيان له مقوّماته ومواصفاته الاجتماعيّة والتعبيريّة، وإذا انطلق ربيعُهم العربيّ الخاصّ بهم!" هذا ما قاله الدكتور مواسي في معرض لقائنا به!

*كيف تُعرّف نفسَك أوّلاً- وأنت تصول وتجول في ميادين الأدب، وأنتَ ترسمُ في ألوانَ أدبيّةٍ كثيرة؟

أعرّف نفسي أوّلاً أنني ناقد، ذلك لأنّ النقدَ مِن طبيعتي وتأصيلي، وبي مِثل "شيلي" شهوةٌ لإصلاح العالم، ومِن الغبن أنّه لم يعهدْ إليّ أن أجرّبَ إدارة الدّفة.
ألبسُ عباءةَ النقد، وأزعمُ أنّني موضوعيٌّ نزيهٌ لا يأخذني في قولة حقّ لومٌ أو تثريب. ومَن يهتمُّ بالأبراج أقولُ له: "إنّني مِن برج الميزان".
ناقدٌ، لأنّ شعري محاورة حالة، جوّ، موقفٌ، ومساءلة لذاتي. ناقدٌ، لأنّ مقالتي ترمي إلى الأجمل والأمثل. ناقد، لأنّ قصّتي تراوح فكرةً وتداعبُها علّها تُروى فتروي. ناقدٌ، لأنّ بحثي أدرسُهُ وهو يُوازي قناعاتي، وإلاّ فما أغناني عن أن أعالجَهُ ويعالجَني. وأطلّ على اللغة ناقدًا لها، وتظلُّ معشوقة.

وأمّا المُربّي فيّ فهو ناقدٌ اجتماعيٌّ فلسفيٌّ يزرعُ جنّاتٍ ألفافًا في بيداءِ الظلمةِ الجاهلة.

*إلى أيّ مدًى كان للقرآنِ أثرٌ في مسيرتِك؟

يظلُّ القرآن أستاذي ونبراسي في اللغة، حفظتُ منه ما حفظت، بل كنتُ فيهِ الفائزَ الأوّلَ في حضرةِ شيوخ حفَظة تجاوزوا الخمسين، ذلك في مسابقةٍ رسميّةٍ أجرتها دار الإذاعة سنة 1967.
في لغة القرآن بدأتُ أتقرّى أسبابَ شكلِ اللفظة، وارتباط المعنى به، فإذا كانت (الحمد لله) بالحركاتِ الثلاث على الدّال، فهذا يعني أنّني شرعتُ أخوضُ لججًا لغويّةً ومعرفيّة، وثمّة قراءات أتنغّم بها، وأتعلّم منها.
لغة كنت أترنّمُ فيها وأنا أقرأ مثلاً سورة مريم، وكأنّها إيقاعٌ موسيقيٌّ رهيف.

ثمّة أكثر مِن دراسةٍ أكاديميّةٍ عن تأثير القرآن في شعري، في اللفظةِ وفي الجُملة، في المضمون، وفي التّناص إيجابًا أو سلبًا.

ومِن نافلةِ الإجابةِ أنّني سمّيتُ ابنتي الحبيبتيْن مُستقيًا الاسميْن مِن رافدين- آيتيْن: {فبأي آلاء ربكما تكذبان* جنى الجنتين دان}. هل أقول لكم إنّ (آلاء) و (جنى) جناهما حقًا دان في الدّنيا قبل الآخرة؟!

ورحلتك الأكاديميّة؟ دعنا نصحبك فيها!

رحلتي بدأت مِن خلال قراءاتٍ تترى، تُثري تجربتي كلّ يوم، وتُعلّمني الدّقة والمسؤوليّة في مراجعة الجملة والمقولة، بل محاورة اللفظة التي دخلت نسيجَ النّصّ. فيها معاناة في التنقيب والموازنة، فيها استنتاج، وبناء موقف. فيها استقلاليّة وقناعة– قناعة غير المغترّ، قناعة ليست مطلقة، بل تدع المنفذ للمستجد، فمَن أغلق النوافذ وأحكمَها أصابه العطن.

يومَ التقيت بعضَ الأساتذة في الجامعة، وكانت العربيّة مصدرَ اعتزازي، دهشت لتصويباتٍ كانت على أوراقي، فالتعليقات كانت توحي لي، بل تُلحُّ عليّ أن أفتحَ عينيّ أكثر على مصادر خفيت مساربُها عنّي، وأن أثيرَ مسائلَ جديدة، وأن أُدقّق حتى في رقم الصّفحة الذي نقلته عجلاً.

تعلّمتُ أن أجوبَ وأجول، أراجعَ المـراجع، وأنا أعمدُ إلى جدّيّةٍ هي شفيعي. هكذا انطلقت أحسبُ كلّ حرفٍ وكلّ كلمة، فأخذت أحاسبُ كلّ كتابة، وكأنني ضابطٌ أو رقيب، فهذا البحث أُعلّقُ عليه صفحة مقابلَ صفحة، وآخر أضربُ عنه كشحًا وكأنّني لم أقرأ، وهذا أعجبُ بهِ حتى الثمالة فلا أضنّ على نفسي ولا على صاحبِهِ بكلمةِ ثناء، ولأنبئه عن مسرّتي به، وهناك أكثرَ مِن آخر أسائلُهُ لماذا يُصرُّ صاحبُهُ أن يكتب؟ لماذا؟

*تركّزت أطروحتك للدّكتوراة على أشعار الدّيوانيين (العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري)، بإشراف محاضر إسرائيلي -هو ماتي بيلد في جامعة تل أبيب. فهل قدّم لكَ إرشادُهُ نوعيّة ما حسب رأيك؟ وماذا لو درست في جامعةٍ عربيّة؟

ما ألاحظه على الأساتذةِ الأجانب المميّزين أنّهم يحرصونَ على دقّةِ الأداء، ويَنفرون من فضفاضيّةِ العبارة التي تزخرُ فيها أبحاثنا، فنحن تشدُّنا الاستعارة والكناية والمجازاتُ ببلاغيّتها المُطربة، فلو قال باحث: "هو جزلُ العبارة" – مثلاً- لصعبت الترجمة إلى أيّ لغة وحتّى العربيّة، فما معنى (جزل) تمامًا؟ وماذا أعني بالعبارة؟ الأجانب يبحثون كذلك عن موازناتٍ مع كتاباتِ الغربيّين في المجال الذي يجولون فيه، وهم يضعونَ نصبَ أعينِهم أوّلاً وقبلاً سؤالَ البحث، وكلّ زائدةٍ ناقصة.

لم أتوجّه للدّراسة في عالمِنا العربيّ لأنّ الأبوابَ سُكّرت أمامَنا، وذلك بسبب ما يدّعون أنّه حربٌ بينهم وبين هؤلاء الذين أعايشُهم في برديس حنّا وهرتسليا وكفار سابا..... وقد يعلمُ الله حقيقة هذا العداء، وحقيقة هذه "المقاطعات" الاقتصاديّة؟!

وماذا مع تهمة (التطبيع)؟ وهل جابهتها في غمرة مشاركاتِكَ الأدبيّة في ربوع العالم العربيّ؟

تطبيع! تطبيع! أكثر من مرّةٍ حيل بيني وبين المشاركات الأدبيّة والعلميّة، فجامعة جرش مثلاً تتّصلُ بي لتعتذرَ قبلَ يوم مِن انعقاد مؤتمرٍ فيها عن اللغة، وكانت قد أُجيزت فيهِ ورقتي!
وجامعة الجزائر تدعوني لمؤتمر أطفالٍ أشاركُ فيهِ ببحثٍ عن لغتهم، فإذا بهم يلغون الدّعوة، لأنّني أحملُ "الجواز الإسرائيليّ".
اتّحادُ الكُتّاب في الإمارات يعتذرُ عن عدم دعوتِنا بعدَ أن توجّهنا له، (بناء على رأي دكتور له دالة – هو الصّديق د. صالح هويدي)، فيقولون بصريح القول: إنّه "تطبيع"!!!
في مجمع اللّغةِ العربيّةِ في القاهرة استقبلونا على توجّس، واعتذروا عن عدم تمكّنِهم مِن استقبال وفدٍ منّا في مؤتمرِ المجمع باعتبارنا مُراقَبين، وهيهات! فهذا "تطبيع"!

بالطبع تستقبلُ الدّولة السّيّاح والتجّار والقوّا.... والمقامرين ولا تستقبلُ العلماءَ والباحثين!!!
مع ذلك فقد دُعيتُ إلى جامعةِ اليرموك، والبترا، والأردنيّة، وجدارا وفيلادلفيا في الأردن، وإلى سوسة في تونس. ومع أسفي أعترفُ بأنّني كنت بمثابةِ "ضيف"، وعليّ أن أقبَلَ ما يراهُ المُضيف، وألاّ أتجاوزَ حدّي، أشاركُ وكأنني ذلكَ "القاصر" الذي تجبُ رعايتُهُ والحدب عليه.
سأعترفُ أكثر: لقد تبيّن لي من خلال فحصٍ ومساءلات لي، أنّ المخابراتِ تستقصي وتظهرَ للمسؤولين في الجامعة - بصورة غير مباشرة- عدم رضاها عن الدّعوة. هي لا تحظر، لكنّها توحي، كما اعترفَ لي بعض أصدقائي ممّن يُبادرون لدعوتي.

في المؤتمر الأوّل الذي شاركتُ فيهِ في جامعةِ اليرموك، أخبرني المستشرق ياروسلاف ستيتكيفتش أنّه قرأ في صحيفة الدّستور خبرًا عن المؤتمر، وفيه غمز بأن الجامعة تقومُ بالتطبيع، إذ تدعو محاضرًا يحملُ الجواز الإسرائيلي؟؟؟!!!

وبرغم ذلك، وبرغم لغةِ "التعاطف" فإنّني أشاركُ بنشاط، فأتعرّفُ إلى أساتذةٍ أجلاّء، وإلى أدباءَ أُسَرُّ برفقتهم.
هل أؤكّدُ على أهمّيّةِ أن يعتذرَ لي أكثر من خطيب في المؤتمرات إذا أخطأ أو لحن؟ نعم سأذكرُ ذلك لأدلّلَ على اعترافٍ ضمنيّ بمدى حِرصِنا نحن المُرابطين في الأرض على لغتِنا ووجودِنا وهُويّتنا.

*وهل لهم اطّلاعٌ على أدبنا وحركتِنا الثقافيّة؟

لاحظت أنّ الدّكتور منهم ليس مستعِدًّا للتعرّفِ إلى الحركةِ الأدبيّةِ في الدّاخل، فحسْبُهُ مِن أدبائِنا مَن يعرفُهُ، ليدِلَّ بما يعرفُهُ عنه في جُملٍ مكرورةٍ ومُعادة، أمّا الجديد فيندرُ جدًّا مَن يتدارسُه! بل إنّ صحافتهم لا تكادُ تنشرُ لأحدٍ منّا إلاّ تكرّمًا، أو كأنّ الأمرَ إنجازٌ موقفيّ- ينشرونَ مرّة أو مرّتين، وكفى بذلك وكيلا.

*هل ثمّة متنفّس لدى مناطق السّلطة الفلسطينيّة تبعًا لذلك؟

كان لقاءُ الأدباءِ الفلسطينيّين تحتَ سماءِ الوطن سنة سبع وستين في ظروف احتلاليّة عاتية، ومع ذلك كنّا نكتبُ في صحافةِ الضّفّة، وهم يكتبون في صحافتِنا. كنّا نلتقي أدباءَ القطاع وهم يلتقوننا. نشاركُ ويشاركون في مؤتمراتٍ تُعقَد، وفي ندواتٍ تُنتدى. حتى إذا تغيّرت رياحُ السّياسة، واستبدّ العدوان أكثرَ، فأكثرَ حواجزَ وجدارًا وأسلاكًا ندرت اللّقاءات، اللّهم إلاّ لقاءات يسيرة في بيت الشّعر.
أستطيعُ أن أصفَ الوضعَ أفضلَ ممّا وَصفتُ به أهلَنا في العالم العربيّ، لكن ظلالَ الرّيبة تُغيّم أحيانًا، وبقدرِ ما أنا وابن رام الله في هُويّةٍ واحدة، فإنّ ثمّة خيطًا يرسمُ فرقًا.
*هل أقول رأيًا لم يرد لدى أحد، وأنا أظنُّه يُحلّق في أجوائنا؟
ثمّة تجاهل يُمْنى به (عرب48)، سواء من الكيان الذي يعيشون بين ظهرانيه – يتجلى بعدم المساواة، وبحالةِ الاستلاب المستمرّة- هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى- مِن السّلطة الفلسطينيّة– بالتنكّر لنا في كلّ المؤسّسات الرّسميّة، وكأنّهم يُؤكّدون "إسرائيليّتنا" أكثرَ ممّا نبغيه. إزاء ذلك فإنّني أخشى إذا طالبَ الجليلُ والمثلّثُ وسائرُ العرب في الدّاخل يومًا ما باستقلالٍ داخليّ (أوتونوميا)؛ بكيانٍ له مقوّماتُهُ ومواصفاتُهُ الاجتماعيّة والتعبيريّة، وإذا انطلقَ ربيعُهم العربيُّ الخاصُّ بهم.

*أودّ أن أعرفَ منكَ إذا كنتَ قد نجحت– شخصيًّا- في إبرازِ قضيّتِكَ الفلسطينيّة؟

هذا السّؤالُ مِن شقّيْن: في السّياسة والنشاط فيها، وفي الأدب أو في كتابتي.
أما السّياسة فقد توقفت عن مُعاركتِها، وشرحتُ سببَ قصوري في ذلك. وجديرٌ بالمُهتمّ أن يُتابعَ حواراتي التي كانت لي مع شخصيّاتٍ إسرائيليّة، وذلك في"أقواس" من سيرتي الذاتيّة: ط2 -2011- صفحاتي السّياسية ص156 – 191، ويستطيعُ المُتصفّحُ أن يجدَ ذلك في موقعي أيضًا.
أمّا الوجهُ الأدبيّ فهو في الشّعر وفي النّثر.

إنّ الهُويّة الفلسطينيّة بارزةٌ في كتاباتي الشّعريّة، وذلك عبْرَ التّجلّياتِ التالية:

- ذِكر الاسم "فلسطين" مباشرة وغير مباشرة، تعبيرًا عن الانتماء والهُويّة.

- ذِكر الأماكن والمواقع الفلسطينيّةِ مِن خلال إبرازِ النّغمة التي تشي بالألم، وخاصّة وصف قرى مهدّمة ومهجورة- مِن خلال تبيان المأساة التي ألمّتْ بالشّعبِ الفلسطينيّ.

- رثاء بعض الشّخصيّات الوطنيّة الفلسطينيّة.

- التركيز على بعض المُتردّدات (الموتيفات) الفلسطينيّة نحو “الشهيد”،"الأرض”،"العَلَم”......

كتبتُ قصائدَ كثيرة فيها ذِكرٌ للمواقع وفيها التحامٌ بالمكان، وخصّصتُ قصائدَ خاصّة عن القدس (أربع قصائد) وقيسارية وعكّا ويافا وحيفا، (انظر الأعمال الكاملة ص 256 ،237،236... وكذلك "ما قبل البعد”، ص 27،26،172،8)

قلت في قصيدة لي عن القدس: “وسرُّ القدسِ يُشرقُ في سرائرِنا” (ما قبل البعد،9) حيث تُظهر لغة (نحن) الانتماءَ والمشاركة العميقة.
وقد وقفتُ على أطلال الدّيار في عين غزال وإجزم والسّنديانة، وممّا سجّلته مِن عذاباتي قصيدة "عذاب المدى”، فقلت وأنا أصفُ بنايةً كانت مدرسة في "ماضي الزمان”: (خاطرتي والضوء، ص 14)

“أطفالنا مضَوْا/ الآخرون مَن أتوْا مكانَهم/ وجرحنا درى به طيرٌ يرفُّ فوقَ إجزم.."

وتظلُّ قصيدة "الشّيخ والبحر” التي تتحدّث عن مسجد قيسارية الذي أضحى– بقدرة ظالم- حانة، وهناك يعترفُ الرّاوي الشّاعر أنّه– طلبَ كأسًا" ليذكرَ أو ينسى... يذكر..... يجترّ مهانة”. والقصيدة تقع في خمسة مقاطع رقّمتها أو رتّبتها حسبَ الحروف ب،ل،ا،د،ي، وما أجملها إذ تُجمع!

- في رثاءِ الشّخصيّاتِ الوطنيّةِ الفلسطينيّةِ أظهرتُ البُعدَ الوطنيّ، وكم بالحريّ إذا كانت القصائدُ أصلاً قد كُتبت لرثاءِ وطنيّين بارزين مثل راشد حسين وعصام السّرطاوي وعبد اللطيف الطّيباوي وسامي مرعي وفهد القواسمي (الأعمال الكاملة، من 159،360، 303، 305، 306)، وكذلك أبو جهاد (قبلة بعد الفراق، ص 15)، وتوفيق زياد (لما فقدت معناها الأسماء، ص80)، وإبراهيم بيادسة (أحبّ الناس، ص 76)، وغيرهم..

قلت مُخاطِبًا أبا جهاد قبل أن أزورَ مكانَ مصرعِهِ في تونس:

"غدا أبا جهاد/ غدا تعود/ شوق أمطار تحن إلى المطر/ غدا تعود/ إلى روابينا فداء"

لاحظ خلدون الشّيخ علي في كتابه "صورة الشهيد الفلسطينيّ في أشعار فاروق مواسي"(منشورات المركز الفلسطينيّ للثقافة والإعلام– جنين، 1995م) أنّ لفظة "الشّهيد" لديّ بارزة، ووصفي لها فيهِ نوعٌ من التقديس، فيقول: "الشّهداءُ عندَ مواسي لا يموتون، بل يظلّون ممتدّين، يُطربون الذّاكرة الفلسطينيّة الواعية بالألحان المُقدّسة، يتصاعدون نحو النّجوم، يحملون معهم كلّ الأفكارِ النّقيّة، ويقتلون الطوفان القويّ لليأس" (ص20).

- اما"الأرض" فلا تكادُ تخلو قصيدة من لفظِها ذكرًا أو إيماء، بل إنّ بعض القصائد عن الحبيبة فيها ما يرمز للأرض، وفيها هذا الدّمجُ المتماثلُ الذي شرّعَ نوافذَهَ أوّلاً شاعرُنا أبو سلمى. وقصائدي الثّلاث عن يوم الأرض (ديوان "يا وطني" ص3-17) تؤكّد على هذا الارتباط بالأرض والإنسان الفلسطينيّ عليها، كما أنّ القصائدَ عن كفر قاسم وعن العذاب اليوميّ الذي يُمارسُ علينا، كلّها كانت دليلاً واضحًا على هذه الهُويّةِ التي أشعرُ أنّها غُمطتْ وقُمعت في غفلةٍ من الزمن. وفي تقديري أنّ قصيدتي عن مصطفى كبها وذاكرة الوطن، فيها هذا العشق الذي أتجاوب فيه وهذا النشاط في معرفةِ التفاصيل الفلسطينيّة، بالإضافة إلى القصيدة عن "المفتاح" الذي يحفظُهُ اللاجئ، و"الجدار" الذي يُضيّقُ الخناق، وكأنّهُ أفعى تُساورُنا. (أحب الناس، 17، 23،26)

- أمّا العَلمُ الفلسطينيّ فقد أشرت إليه تعميمًا– أوّلاً في قصيدةٍ كنتُ أطمحُ أن تُختارَ لتكونَ النّشيدَ الوطنيّ الفلسطينيّ، (هكذا عبّرت عن ذلك في أكثر مِن لقاء /حوار في أوائل التّسعينيّات) والقصيدة هي بعنوان "تتويج" (الأعمال الكاملة، ص87):

الأمل المخضرّ على صفحة قلبي/ يسألني يومًا... يومًـا عن دربي/ يسألني هل أملك/ أن أحفظ عِرضي/ أن أعشق أرضي/ والأمل المخضر يقول"نعم"/ البسمة تزهر في عين الأطفال/ وتغطي كل ألم/ والهمة تشرق في عزم رجال/ ويكون علم......

- أمّا هُويّتي في كتبي النثريّة، فتجدُ في القصّة قصصًا تدلُّ على الهُويّة التي يُحاول الأعداء- أعني المتنكّرين لحقّي- طمسَها، كقصّتي التي عبّرت فيها عنها، "لماذا شطبوا اسمي" (أمام المِرآة وقصص أخرى، ص 45).

وفي قصّة "حجر– علم"، فهي تُؤكّدُ بفنّيّةٍ أنْ لا بدّ مِن قيام الدّولة الفلسطينيّة (ص7).. بينما تـُظهرُ قصّة (أين ولدي) واجبَ الذّودِ عن الوطنِ الفلسطينيّ (ص 101).

وظلت القصّة-" أمام المرآة" تواصلاً عميقـًا مع غسّان كنفاني الّذي صرعتهُ يدُ الغدر وهو يلهجُ باسم وطنِهِ (ص39)، وثمّة عدد مِن القصص القصيرة جدًّا تحكي حكاية الحال: "تيمائيل"، "حجر"، "حيفا"، "وطن"، "يافا"، وغيرها. (مرايا وحكايا، ص 34،73، 35، 20، 64).

- أمّا في المقالات فقد تحدّثت عن ضرورةِ الأغنيةِ الجماعيّةِ الفلسطينيّة (حديث ذو شجون، ص3)، وعن ضرورةِ حِفظِ آثارِنا الفلسطينيّة (ن. م، ص 21)، وعن أنّ الوطنيّةَ الحقّة هي المعاملة (ص7).

وفي كتابي (أدبيّات– مواقف نقديّة) تحدّثتُ عن ضرورةِ التّعاونِ مع أصواتِ الآخر النقيّة التي تدعمُ قضيّتنا (ص 88)، وكيف نُعدُّ أنثولوجيا الشّعر الفلسطينيّ (ص 131)، وعن معنى أسماءِ القرى والمدن الفلسطينيّةِ (ص150).

- كما ألّفتُ كتابًا يتناولُ دراساتٍ وقراءاتٍ في الشّعرِ الفلسطينيّ (قصيدة وشاعر– الجزء الأوّل)، يظهرُ فيهِ هذا التّعلّقُ بكلّ جميلٍ في كتابتِنا مِن إبداعِنا نحن.

ولي عشراتُ الدّراساتِ والأبحاثِ التي تتركّزُ على الشّعرِ الفلسطينيّ، وكذلك على القصّةِ والرّوايةِ والبحث. ففي كتابي"هَدْيُ النّجمة" كانت هناك دراساتٌ أخرى في الشّعر الفلسطينيّ، نحو"شاهد على حصاد الجماجم". – عن مجزرة كفر قاسم، و”صورة اليهوديّ في الشّعرِ الفلسطينيّ"، و"القدسُ في الشّعر الفلسطينيّ الحديث"، (وكان هذا المقالُ قد نُشرَ في كُتيّبٍ منفرد، ثمّ طبعتهُ وزارةُ الثقافة الفلسطينيّة في رام الله (سنة 2010)، مُضافًا إليهِ أنتولوجيا بالشّعر الفلسطينيّ- قصيدة القدس). وكنتُ قد أصدرت أوّلاً- عرض ونقد في الشعر المحلي 1976، و الرّؤيا والإشعاع – دراساتٌ في الشّعر الفلسطينيّ– 1984 م.

فيما بعد أصدرتُ نبضَ المَحار (2009)، وفيهِ دراساتٌ عن الأدبِ الفلسطينيّ، كما أصدرتُ كتابَ محمود درويش- قراءاتٌ في شِعره (2010).

ويقيني أنّ كتاباتي السّياسيّةَ الوطنيّةَ كانت تعبيرًا عن مشاعري ومشاعرَ أبناءِ مجتمعي. ويحضرُني قولُ شاعرِنا محمود درويش في هذا السّياق (أقصد محمود في بداياتِهِ لا في خواتيمِه):

قصائدُنا بلا لونٍ ولا طعمٍ ولا صوت/ إذا لم تحملِ المصباحَ مِن بيتٍ إلى بيت/ إذا لم يفهم البُسطا معانيها/ فأولى أن نذريها / ونخلدَ نحن للصّمت

بعد هذا، ما رأيُكَ في مسيرةِ أدبِنا في الدّاخل، أو ما اصطُلح عليه (عرب 48)؟

- ثمّة نصوصٌ راقية تُنشرُ هنا وهناك، لكن الصّورة بمُجملِها غيرُ كافيةٍ ولا شافية. عندما أتصفّحُ مجلّة "شعر" أو "إبداع" أو "فصول" المصريّة، "نزوى" العمانيّة، و"دبي الثقافيّة"، و"أفكار" و"عمّان" و"مجلّة العربي" وملاحق "الدّستور" و"الرّأي" الأردنيّة، أعرفُ كم نحنُ بعيدون عن المتابعةِ الثقافيّةِ العربيّةِ والعالميّة، ومِن جهةٍ أخرى: لماذا لا أقولُ عن الثقافةِ العبريّة الجادّة.
أستطيعُ أن أطمئنّ أنّ معظمَ أسماءِ الرّعيلِ الأوّل هي هي التي تُثبت للترجمة وللبحث وللتأصيل، وسيظلُّ مَن يُردّدُ أشعارَ زياد والقاسم ودرويش ومَن واكب مسيرتَهم مِن حيث رسالةِ النّصّ، ومن حيث معايشةِ الحدَث والانطلاق منه، فهُم حتّى الآن الوجهُ والواجهة. وما بدأتُ بهِ أختم: ثمّة نصوص جميلة لكُتّابٍ جُدد تتبدّى نصوصُهم حيويّةً وذكيّة، ولها إشراقاتٌ وإيحاءات. فلا بدّ لهم مع تصفيقِنا لنماذجهم ولهم إلاّ أن ننصحَ بالتزوّد، فإنّ خيرَ الزّادِ هنا هو ثقافة وثقافة وثقافة- ليست بالعربيّةِ فقط، وليست بجُملٍ متناثرة.

*تحفلُ مكتبتُكَ الشّخصيّة بعشراتِ الإصداراتِ الثقافيّةِ والأدبيّةِ والنقديّةِ والاجتماعيّة. كيف تنظرُ لإصداراتِكَ في ظلّ واقعٍ يتّسمُ بانخفاضِ منسوبِ القرّاء والقراءة، والاتّجاه نحوَ الإعلام الإلكترونيّ، وفي الوقتِ ذاتِهِ كنتَ مِن السّبّاقين ممّن اتّجهوا للإكترونيّ أيضًا؟

- ثمراتُ فكري فيها خلاصةُ عمري، أحبُّها لأنّها بناتُ أفكاري، أو فلذاتُ دماغي، وأجدُها تصبو كلُّها إلى نشدانِ الحقّ والخيرِ والجَمال، وتتغنّى بالحُبّ بكلّ تجلّياتِهِ. أحزنُ أنا لأنّني لا أجدُ القارئَ غيرَ العابر، وقد نشرتُ أكثرَ مِن مرّةٍ دعوةً للقرّاء بأن يزوروني في منزلي، وعلى فنجان قهوةٍ أُهديهم ما تيسّرَ لي مِن نُسَخ، فما نفر إلاّ نفر يسير.
ثمّة ظاهرة أجدها لدى الكثير مِن "القرّاء" هي "التصفّح" أو قراءة بضع صفحات، ثمّ إلقاءِ الكتاب على رفٍّ ما. أسألُ على ضوءِ ذلك أو عتمتِهِ: لماذا نكتب؟ ولمن؟ أتعزّى بأنّ الكتابة قدري وأثري، فلا بدّ ممّا ليس منه بدّ! حقًّا كنتُ مِن السّباقين في ارتياد الشّبكة، وأقمتُ لي موقعًا يزورُهُ بضع عشرات يوميًّا، فأغناني هو ومواقع صديقة عن أعتاب صحفٍ طالما نشأتُ فيها ونشأتْ معي، فانقطعت بيننا السُّبُل، ورأيتُ أنّ قراءتي هنا متيسّرةٌ أكثرَ لمَن شاءَ أن يجدَ مادّةً لديّ، بل هناك زاوية أجدّ فيها، وهي "اسأل فاروق مواسي"، أفيدُ منها وأنا أبحث، وأُفيدُ فيها وأنا أشرح.

* بلغت دواوينُكَ الشّعريّة خمسة عشر، فما هو ديوانك الشّعريّ المرتبط بالذّاكرة، ولم تتنازلْ عن حقّكَ في استرجاعِهِ واستحضارِهِ؟

- ليس هناك تخصيصٌ، فلكلّ مِن أبنائي مَعزّته. ذلك لأنّ كلّ قصيدةٍ في أيّ ديوانٍ هي جزءٌ من كينونتي، وأنا أعجبُ لمَن يتنكّرُ لنصٍّ له، أو لمَن يحذفُ أو يُغيّر. تولدُ القصيدة كائنًا في أحسن تقويم، فهل مَن يستطيعُ أن يُغيّرَ يدًا أو عينًا؟!
صحيحٌ أنّني أُفضّلُ هذه القصيدة أو تلك في هذا السّياق أو ذاك، لكنّني أحتضنُها جميعًا، وأُخاطبُها وتُخاطبُني في شعريّةِ الذّاكرة.

- لو استقبلتُ مِن أيّامي ما استدبرتُ لدوّنتُ لي ولمعرفتي ظروفَ النّصّ، وأبعادَ الألفاظ، وظلالَ مرماي، فذلكَ نوعٌ يُضافُ إلى المُذكّرات، ولا أخالُ ذلك إلاّ ترجمة حياة، فأنا لا أكتبُ إلاّ اضطرارًا، وإلاّ بإلهامٍ أو وحيٍ أرى له جنّيّة أو (موزا) تداعبُني وأداعبُها، وتُغالبُني وأغالبُها. مِن هنا أعجبُ لمَن يكتبُ لأنّهُ أرادَ أن يكتب، يفعلُ ذلك دون اهتزازٍ وجدانيٍّ ونفسيّ!

*مع بلوغِكَ السّبعين– مدّ اللهُ عمرَكَ بالعافية- أصدرتَ مُؤخّرًا "أقواس من سيرتي الذاتيّة"، فهل لنا أن نتصفّحَهُ معك!

يبدأ الكتابُ ببيت شعرٍ مُعبّر: فقد وفّيتـها سبعين حولا ونادتني ورائي هل أمام؟
الكتابُ هو أقواسٌ يتناولُ في كلٍّ منها موضوعًا، كان مواسي قد نشرَ بعضَها، وهي على التوالي:

صورٌ مِن الطفولة، مِن صفحاتِ التّربية والتعليم، صفحاتٌ في الكلّيّة، من رحلتي الشّعريّة، الهُويّة الفلسطينيّة في كتابتي، مع فدوى طوقان، مع عبد الوهاب البياتي، مع نزار قباني، مع عبد اللطيف عقل، من رحلتي النقديّة، جولاتي القصصيّة، رحلتي في رحاب لغتي، جولاتي في التّرجمة، الكتاب متعتي ونزهتي، عن كتابتي، صفحاتي السّياسيّة، مع الشيوعيّة وعن رمزيــْن فيهــا (إميل حبيبي وتوفيق زياد)، رحلتي في مذهبي، معالم وشخصيّات أخرى: مع ماتي بيلـد، جامعة النّجاح في ذاكرتي، في حضرة الدّكتور محمود السّمرة، محمود درويش كما عرفته، تعرّفت إلى يحيى حقّي، زكي العيلة، مع سرجون بولس– قليلاً، عن معنى السفـر، رحلات- الرّحلة الأولى والسّفر بالطائرة، رحلتي الأولى إلى مصر ولقاء أدباء. عن معنى الخوف. من حكاياتي.

في تقديمِ الكتابِ أُجيبُ عن سؤالٍ يَهمُّ المُتلقّي: لماذا أكتب سيرتي؟

يظلُّ التّعبيرُ عن الذّاتِ التي عانت وصارعت جزءًا من الأدب، وكم بالحريّ إذا اتّسمَ هذا الأدبُ بالدّفءِ والحميميّةِ والتّواصل. ثمّ إنّ أدبَ الاعترافِ فيهِ كشْفٌ وتجَلٍّ، وذلك بالاستذكارِ والاستقصاءِ، وليس هناكَ مَن هو أعرفُ مِن الكاتبِ بنفسِهِ أو ذاتِهِ، فإذا نَقلَ مراحلَ منها بأمانةٍ وصراحةٍ قدْرَ طاقتِهِ وإمكاناتِه، فإنّهُ يَسفحُ عمرَهُ على الورق، ليقولَ لنا في نهايةِ المطاف: إنّها حكايةُ جِـدّ، سأسردُها لكم إن أحببتم.

السّيرةُ الذّاتيّة فنٌّ عرفَهُ العربُ قديمًا، ومَن يُطالع "طبقات الأطبّاء" لابن أبي أصيبعة مثلاً، سيجدُ عشراتِ النّماذج على هذا الإفضاء بالسّريرة، وهذهِ المتعة في متابعتِها.
وظلَّ هذا الفنُّ يَخبو ويظهرُ، إلى أن طالعنا "أيّام طه حسين" بضميرِهِ الغائب، فحياة أحمد أمين بلغةِ السّردِ الذّاتيّ، وتلت ذلك مئاتٌ مِن السّيَر الذّاتيّة، وكلُّها تَروي قصّة عمر، وقد يكون فيها عبرةً لمَن اعتبر.

يقول غاسدورف: "السّيرةُ الذّاتيّةُ هي المرآة التي يلتقي الفردُ فيها مع ذاتِه"، وجلالُ الإنسان كما يرى صلاح عبد الصبور: "أنّه يقدرُ أن يُواجهَ نفسَهُ ذاتًا وموضوعًا في الآونة نفسِها". والسّيرةُ الذّاتيّةُ هي حكايةُ القلق الذي استقرّ صاحبُهُ في واحة، ليُقدّمَ فيها للوافدين الماءَ والثّمرات، يُقدّمُها لمَن يُحاولُ أن يبحثَ عن أحوال النّفسِ المُرهفةِ ومقاماتِها.

إنّها رحلةُ المَدارج بل المَعارجِ إلى ظلالِ الجَمالِ والكمال. إنّها محاولةُ اقتناصِ عيشةٍ أخرى مضافة للمعيشة التي مرّت. ترى ما الذي يدعو الكاتبَ إلى تعريةِ نفسِهِ؟ إلى بوْحِهِ؟ ربّما يكون بدعوى المشاركة الوجدانيّة،
ربّما للإمتاع والمؤانسة، ربّما هي مراجعةٌ أخيرة لكتابةِ الفصول، يَستعرضُها فيَعرضُها قبلَ أن تدبرَ أنفاسُه.

سألني صديق: أتعرفُ لماذا يُحبُّ القارئُ أن يقرأ السّيرةَ الذّاتيّة؟
قلت: أفِدني ممّا ترى!
قال: لأنّهُ يقرأ كاتبًا يُحدّثُ عن نفسِهِ، فيقرأ بعضًا من (أناه) هو، بمعنى أنّهُ يجدُ صورًا ممّا عايش وعاين.
قلت: وكيف تفسّرُ ذلك؟
قال: ألا ترى أنّه لو عَثرَ في منزلِهِ على مخطوطاتٍ وكتاباتٍ تركَها جدُّهُ، ألا يُقبلُ عليها بلهفةٍ، كأنّهُ عثرَ على كنز؟! إنّه يقرأ الكتاباتِ وكأنّها جزءٌ لا يتجزأ مِن كيانِه.

قلت: حقًا، يبدو أنّ الماضيَ في السّيرةِ هو لعبة الزّمن تردُ إلى الفردِ أو الجماعة لتقولَ لهم:

هنا أنتم، فاقرؤوا حكاية ما كان!

هذه الأقواس: قبلَ عقد من الزّمان– يومَ أن ودّعتُ السّتّين- أصدرتُ أقواس مِن سيرتي الذاتيّة.
ولاحظ قرّاءُ السّيرة أنّني نهجتُ نهجًا جديدًا في كتابةِ السّيرة، إذ أفردتُ لكلّ موضوعٍ قوسًا أو بابًا، أمرُّ فيهِ عبْرَ مراحلي المختلفة، مِن الخطوةِ الأولى وحتّى السّباق في الشّوط. وهكذا تحدّثت عن طفولتي، فتجربتي الشّعريّة، فالنقديّة فاللّغويّة...إلخ.

كان كلُّ بابٍ قوسًا ذا لون، وهذه الأقواس جميعُها ألّفت القوسَ الذي يبتسمُ في حياتي، غب المطر أو قُبيلَه.

في هذه الطّبعةِ المَزيدةِ والمُنقّحةِ أضفتُ ما استجدّ في العقد الأخير، مِن رحلةٍ دفعتُ ثمنَها تكاليفَ حياة لم أسأمْها، وأضفتُ أقواسًا أخرى جديدة، لا بدّ منها، لأصحبَكم فيها إلى عالمي وسفري.

إذا كانت السّيرة الذّاتيّة توجبُ فتحَ الملفّ بدون تحفّظٍ، فإنّني هنا أستميحُكم عذرًا إذ أتغاضى عن هذا الشّرط، مع أنّ كلَّ تعتيمٍ هو ثغرةٌ في الصّميم. ذلكَ لأنّ مِن حقّ المُتلقّي أن يأخذ الأمرَ بجُماعِهِ وافيًا لا خافيًا، ولكن مِن حقّي مع الآن وهنا أن أُخفيَ فصولَ المرأةِ في حياتي، وأن أتجاهلَ مواقفَ مُدّعي صداقةٍ تركوا ندوبًا وندوبًا.

ماذا يُجدي الحديث عن علاقةٍ أمامَ مجتمع مراقِبٍ محافِظٍ، أو كَيديٍّ، ينتظرُ الكثيرون منه فرصةً للغمزِ واللّمزِ والهمز؟ فهل كاتبُ السّيرةِ فريدٌ في عصرِهِ لدى المُعجبات؟ أو في عقوقِ بعض الأصدقاء؟
وماذا تُقدّمُ التّجربةُ سوى الإساءةِ لنفسي قبلَ أن أسيءَ لسواي، فلستُ روسو في اعترافاتِهِ في شبابِهِ، أو هنري ميلر في اعترافاتِهِ وهو في الثّمانين، وليسَ عقوق "الأصدقاء" بدعًا لدي. ثُمّ إنّ كلَّ كتابةٍ يجبُ أن تكون وصفًا حيًّا مُثيرًا فيهِ إبداعٌ وإمتاع، وأخالُني قد لامستُ ذلك في شعري، والشّعرُ الصّادقُ هو سيرةٌ ذاتيّة رغم أنّ لوجون يستبعدُهُ مُشترِطًا النّثرَ في صياغتِها.

مِن جهةٍ أخرى لو أجزت لنفسي الحديثَ عن إلإساءات، وعن إنكارٍ للجميلِ والعرفان، وعن عدوانيّةٍ غير مُبرّرةٍ لأسأتُ لنفسي قبلاً، ولن تعلوَ لي رتبة، فأنا "لا أحملُ الحقدَ القديمَ عليهم"، رغمَ ألمٍ يتسرّب، وذاكرةٍ تتناسى.

ربّما أغمط نفسي هنا إذ لا أُدوّنُ لقاءاتٍ جرت لي مع أعلامِنا ألأفذاذ، وأساتذتِنا الكبار نحو محمود أمين العالم، ونجيب محفوظ، وأحمد عبد المعطي حجازي، وسعيد الكفراوي، وإبراهيم عبد المجيد، وناصر الدّين الأسد، والياغيين هاشم وعبد الرحمن، ومحمّد أبو دومة، وحسن طلب، ويوسف إدريس، وعبد القادر القط، ولويس عوض، وجمال الغيطاني، وسهيل إدريس، وإبراهيم أصلان، وعبد الله الغذامي، ويوسف زيدان، وحلمي سالم، والشّهاويّين أحمد ومحمد، وفاروق عبد القادر، وعشرات غيرهم جمعتني بهم معارضُ الكتاب في القاهرة أو في عمّان ومؤتمراتٌ نقديّة حظيتُ بدعوتِها، وكانت لي محاوراتٌ ومساءلات، ربّما سآتي عليها، ولا أدري متى وكيف. ومع ذلك يُلاحظ القارئُ أنّني قمتُ بجولةٍ معه لزيارة يحيى حقي وصلاح عبد الصبور، وفدوى طوقان والبياتي ونزار قباني وغيرهم.

لي كذلك علاقاتٌ طيّبة مع معظم أدبائِنا الفلسطينيّين في مختلفِ مواقعِهم، وقد رويتُ لكم عن شاعرِنا محمود درويش كما عرفتُه، وبالطبع عمدتُ إلى الصّدق ما وسعتني الحيلة، وقدّمتُ صورتَهُ كما لمستُها وقرأتُها وصحبتُها في لقاءاتٍ عابرة. كما التقيتُ عشراتِ الأدباء العبريّين البارزين، بحُكم اتّصالي بهم ممثلاً للأدباءِ العرب، ونائب رئيس نقابة الكتّاب في إسرائيل، وكانت لي نشاطاتٌ سياسيّةٌ وأدبيّةٌ حدثتكم عنها في صفحاتي السّياسيّة.
وبعد، فلو فتحتُ صفحاتِ الحوار ومدى ما أفدتُ وأفدت لما انتهيت، ورحم الله ياقوت الحموي الذي كتبَ في مادّة "مقدّس": "وليس كلّ ما أجدُهُ أكتبُهُ، ولو فعلت ذلك لم يتّسعْ لي زماني".

آمل لك قارئي صحبة مُمتعة، لا تنطلقْ مِن بحثٍ عن هفوةٍ أو كبوة، بل تلمّس الصّدق، وأمانة القول رغم الانتقائيّة التي لا بدّ منها في كلّ سيرة.

لتصفح الكتاب في موقع الشاعر فاروق مواسي:

قصة: في السينما/ أنطوني ولسن

أستراليا
التحقت بالعمل بإحدى المؤسسات العربية في سدني، وكان مكتبي مواجهاً لمكتبها. شابة في السابعة والعشرين من عمرها، مرحة، تحب الضحك وتكره العبوس، تشعر بالارتياح اليها منذ اللحظة الأولى التي تقع عليها عيناك.
وجودها يملأ المكان مرحاً وسعادة، وأصبح لغيابها تاثير على كل العاملين . نما بيننا هذا الشيء الذي نسميه الالفة، ولا أعتقد أن شعوراً آخراً كان يربط بيننا.
حقيقة اننا عازبان، ولم تكن فكرة الزواج تراودني، ولا أظنُّ انها راودتها أيضا. فأنا أكره القيد ولو كان في قفص من ذهب. أحبُّ الحرية وأحبُّ أن اكون سيد نفسي. على الرغم من انني أكبرها بحوالي أربعة أعوام، الا انه كان يحلو لها دائماً مناداتي بالختيار أو العجوز.
ذات يوم بعد الغداء، احضرت لي فنجان القهوة ووضعته امامي فوق مكتبي، قبل ان تغادرني متجهة الى مكتبها، أمسكت بيدها وقلت لها:
- ميرنا. مارأيك في العشاء معاً هذا المساء ومشاهدة إحدى الأفلام؟
فجاء ردُّها مرحاً متهكماً.
- عجوز وختيار.. واسَّاك «قلبك أخضر».
- أخضر، أحمر، أصفر.. ليس المهم، ما رأيك؟
- افكر..؟
- اريد جواباً الآن..
- انت هكذا دائماً طلبك..( حامي ).

ضحكت.. التفت اليها وما زالت يدي ممسكة بيدها «اكملت حديثها»
- اوكي .. اوكي.
في المساء توجهت الى منزلها واصطحبتها إلى إحدى المطاعم ( الصينية)، حيث تناولنا العشاء، وتبادلنا أحاديث كثيرة متفرعة بلا هدف. نتحدث ونضحك.. نضحك ونصمت.. لم تختلف العلاقة التي بيننا، ما زالت هي امامي «ميرنا» الزميلة في العمل، وأعتقد انني بالنسبة لها، لم اكن اكثر من «سام» الزميل في العمل.
بعد أن انتهينا من العشاء بنفس الروح، خرجنا إلى الطريق نضحك ونتابع احاديثنا. إلى أن وصلنا إلى أحدى دور العرض السينمائي الكبرى التي تضم أكثر من صالة عرض.
لم نفكر مسبقا أي فيلم نشاهد، أخذنا قرارا خاطفا للخروج والعشاء ومشاهدة فيلم معا. أي فيلم؟ ليس مهما. لذا عندما سألتني (الآنسة المختصة) في حجز التذاكر، أي عرض أريد أن اشاهد.. أشرت بأصبعي دون تحديد معيّن. فجاء الحجز عشوائياً، سواء من حيث اختيار الفيلم الذي سنشاهده او من حيث المقاعد، ذلك ان لدى دور السينما مقاعد مخصصة للمحبين بعيدا عن انظار الفضولين من الناس. لكن كوننا زميلين، فليس من المهم اختيار المكان، حتى لو كنا رجلاً وامرأة.
خُففت الأضواء، وتدريجياً بدأ الظلام يزحف ويغطيِّ المكان كله. وبحركة لا شعورية، تلامست يدانا وتماسكت وانفرجت الاصابع لتتلاحم الكفّان، ثم تحركت الأصابع في دغدغة خفيفة وكأنها موسيقى كلاسيكية خافتة تأخذ المشاعر والاحاسيس وتُطهرَّها وترتفع بها عالياً في سماء اللانهائي حيث لا مكان لتفكير أو تدبير.
بدأ العرض، وتنازعتني افكار واهواء. الزمالة في حدِّ ذاتها شيء مقدَّس، لكنني تمنيت في هذه اللحظة ان يكون العرض رومانسياً يأخذني في سيمفونية الحب، وقد بدأت اصابعنا عزفها دون اوركسترا.
أرخيت جسدي فوق المقعد، ونظري معلَّق على الشاشة الكبيرة وفكري سارح بعيداً عن السينما وعن الفيلم. عدت الى عهد «الصبا والشباب» عندما كنت شاباً في الثامنة عشرة من عمري، حيث كان آخر عهدي بالسينما، بصحبة فتاة، ما تجرَّأت بعدها أن ادعو فتاة للسينما مرة أخرى.
كان ذلك بعد نجاحي في السنة الثانية من التعليم الثانوي، وكانت فرحتي كبيرة أني بعد عام سأنهي دراستي الثانوية لالتحق بكلية الشرطة وأصبح ضابط شرطة.. قد الدنيا، يهابه الناس ويخافونه، وترتمي الفتيات تحت قدميه راكعات طالبات الحب والحنان.
نادية «بنت الجيران» عرفت بنجاحي، فقد كانت تتابع تحرُّكاتي دون أن أشعر بها، وكانت كما قالت لي مرَّة معجبة بي، تبهرها خطواتي وأنا «أتمخطر» على حد تعبيرها في تيه وكبرياء يشعل النار في قلبها، ولم تجد ما يطفئها لأنني في واد آخر بعيد عن واديها، وان لم يفصلنا سوى اتساع حارة صغيرة من حارات حي شبرا بالقاهرة.
هذا ما قالته لي عندما انتظرتني في ذلك اليوم عند نهاية شارع الأهواني وتلاقيه مع شارع شبرا، حيث يقع محلّ والدي على بعد خطوات.
كنت قد خرجت من عند والدي بعد أن اخبرته بنتيجة نجاحي واخذت منه «المعلوم» الذي لم يبخل به علي.. أعطاني «جنيه بحاله» وفوجئت بها تناديني باسمي.
- سام..
التفتُّ ناحية الصوت، وجدتها واقفة في حياء وخفر.. عرفتها، فهي جارة العمر. ولدنا في نفس المنزل ونشأنا وتربينا في نفس الحارة. لعبنا في طفولتنا وصبانا المبكر معاً مع بنات وصبيان الحي. الحقيقة انني كنت دائماً مُترفعاً عن اولاد الحارة لا التحم بهم، ولا ألعب معهم كثيرا. والدي تاجر والعائلة اكثر يسراً من اي عائلة، في الحارة. تمنيّت دائماً ان نترك الحارة إلى مكان آخر أفضل. لكن والدي كان متمسكاً بالسكن في المنزل الذي ورثته أمي ضمن ما ورثت عن والدها.
التفت اليها وأتجهتُ نحوها وقلت لها:
- نادية.. أهلاً وسهلاً.. ماذا تفعلين هنا؟
- انتظرك..
- أنا؟؟
- نعم..
- خير..
- خير.. اريد فقط أن أهنئك على نجاحك.
- في هذا المكان؟ الا تخشين أن يراك احد؟
- وماذا افعل وانت لا تلتفت اليّ!..
أشرتُ اليها ان تصمت وتتبعني، سرت ناحية «مخزن الترام» ثم عبرت شارع شبرا متجها إلى شارع المقسي، بعدها عرجَّت يساراً في حارة صغيرة اخذتني الى شارع روض الفرج، عبرته الى محطة الترام.
تبعتني دون ان التفت اليها. جاء الترام. ركبنا. وعندما وصلنا قرب سينما «دولي» أومأت اليها بالهبوط. كانت الساعة تقريبا الثانية والنصف بعد الظهر. انتابني زهو غريب، أنّني ناجح وتسير ورائي «ناديه» أجمل بنات الحارة، كجارية تتبع سيّدها ولا هم لها سوى ارضائي..
بترفع وكبرياء نظرت اليها وقلت:
- والآن ما هي قصتك؟
- لا شيء، أردت فقط ان اهنئك بالنجاح.
- وما الذي يمنعك من ان تأتي الينا في المنزل؟
- عندما سأجلس مع شقيقاتك البنات، لن استطيع أن اراك أو أتحدّث اليك.
- ماعلينا.. قلتها في غلظة وجفاء ، والآن ماذا؟
- لا شيء، اريد ان اقول لك «مبروك» على نجاحك.
- شكراً.
توقّفت عن السير.. كنت أسبقها بخطوات. التفت اليها، فإذا هي تبكي بصوت مسموع، فاجاتني بهذا التصرُّف.. رقّ قلبي.. توجهت اليها، اقتربت منها، احتويتها بين يدي، هدّأت عن روعها، ثم اكملنا السير جنباً الى جنب دون ما كلمة.
وصلنا الى حيّ «جزيرة بدران» وعند مثلّث التلاقي بين شارعي شبرا والترعة البولاقية عرّجنا الى شارع الترعة البولاقية وفي طريق العودة كان كلٌّ منا يُحدّث نفسه.
بالنسبة لي، مجرد سيري في الطريق العام مع ابنة الجيران، كان شيئاً غير مالوف لدي. لم أُفكر ابدا في مصاحبة الفتيات والسير معهن امام الناس. كان الابتعاد عن الجنس الآخر في تلك الفترة من حياتي، شيئاً مقدّساً، او قل.. كان ضرورياً لنجاحي في دراستي وتحقيق احلامي. لذا مجرد السير مع ناديه، اثار عندي مشاعر ومخاوف جديدة، مشاعر لذيذة وجميلة، فلأول مرة اشعر برجولتي، واشعر انني نضجت وكبرت واصبحت رجلاً تتهافت عليه الفتيات ويسعين الى التعرّف اليه ولقائه.
أما المخاوف، فكانت من احتمال ان يراني احد اقاربي أو أحد أصدقاء الأسرة، وأنا سائر جنباً الى جنب مع نادية، ابنة حارتنا.. والمصيبة، ان رأنا احد اقاربها، فلن انجو عندئذ من «علقة محترمة»، ارتجفت أوصالي لمجرّد هذا الخاطر.
كنا قد وصلنا الى سينما «شبرا بالاس» فخطر لي أن اتحاشى السير في الطريق ونتوارى داخل السينما حيث لا يرانا احد.. عندها استطيع أن استمع الى ما تريد ان تقوله، واقول لها ما اريد قوله.
طلبت منها الابتعاد عني، توجّهت الى شبّاك حجز التذاكر، فتناولت تذكرتين، انتظرنا فترة الى ان فتحت الأبواب وبدأ الناس يدخلون الصالة، في الداخل أمسكت بيدها وأجلستها على أول مقعد في الصف الأخير.
بدأ العرض السينمائي، تشابكت ايادينا، نادية وأنا تماماً كما يحدث الآن مع ميرنا.
ضغطُ أصابع ميرنا على أصابعي، أعادني الى واقعي بعيداً عن الذكريات. واحداث الفيلم تدور حول حرب أهلية في اميركا الجنوبية.
مدنيون يهربون رجالاً ونساء واطفالاً، فتاة في عمر الربيع مُتسخة الوجه، بان جسدها الغض من خلال ثوب مهلهل تجري فزعة.
ازدياد ضغط اصابع ميرنا أعادني مرة اخرى الى حيث كنت مع نادية في سينما «شبرا بالاس» في القاهرة. أصابع نادية متشابكة بأصابعي، موسيقى فريد الأطرش وصوته لعبا على اوتار قلبي.. التهب جسدي شوقاً اليها. سحبت يدي من يدها، مددت ذراعي خلفها، مالت نحوي، اسقطت رأسها على صدري، عبقت رائحة شعرها في انفي. رفعت عينيها.. تلاقت الشفتان.. لن أنسى طعم القبلة الاولى ما حييت.. لا أحمر شفاه ولا «ماكياج» بل شفاه بكر لم يعبث بهما اغراء المساحيق.. أغمضت عيني ايضا، وحسبت نفسي في جنة تغمرها السعادة وتمنيت ان تدوم.
الهدوء يملأ المكان، الكل مشدود الى قصة الفيلم، أنا في سمائي هائم. فجأت قفزت صارخا، فقد هوت علي من خلف كف غليظة أعقبها سيل من الشتائم يا ابن ... انت فاكر نفسك فين يا وسخ يا ابن ...
ترنحت.. لم ادر ما افعل او كيف اتصرّف؟ فطلبت من ناديه أن تهرب، وأنا أحاول أن اتخلص من ناس انهالوا عليّ ضرباً ولكماً وركلاً وسباً بالفاظ ما أبشعها!
ياتي صوت صراخ ميرنا المفاجئ فيوقظني من كابوس تلك الذكريات ليضعني تحت وطأة كابوس من نوع آخر. ميرنا تصرخ في حالة هستيرية طالبة مني أن احتضنها واضمها إلى صدري.
ضممتها وحاولت أن أُهديء من روعها. اخذتها خارج المقاعد وهي ترتجف كطائر مد بوح وتشهق بصوت مسموع، مما اضطرنا ان نغادر صالة العرض وانا اتلفت ورائي خوفاً من ان يظنّ احد المشاهدين بي سوءاً فينهال علي ضرباً وركلاً ولكماً.
عبثاً أحاول أن أهدّيء من روعها، اسندت رأسها إلى صدري، وأنا في حالة ذعر أسألها ما حل بها، أو هل تتألم من شيء. وكلما الححت بالسؤال، زاد تمسكها بي وزاد ارتعاشها وقد بلّلت دموعها ملابسي.
لا ادري كم مرّ من الوقت ونحن على هذه الحال،ولا سمعت ماذا كان المارة يتمتمون وهم يمرُّون بنا ولم الح عليها بالسؤال ما جرى، مخافة أن اسكب غازاً على النار التي اشتعلت دون ما اعرف سبباً لاشتعالها. اخذت اربّت على شعرها في حركة رتيبة لابعث الطمأنينة الى نفسها وقد نجحت في هذا. فقد رفعت رأسها وفي عينيها توسل وقالت:
- ارجوك خذني الى المنزل الآن.
عندما اوقفت السيارة امام منزلها، تمالكت نفسها وخرجت بعد أن طلبت مني الا ارافقها الى الداخل، مؤكدة أنها بخير وأنها ستراني غداً في العمل.
تركت السينما في القاهرة وأنا أتألم من شدة الضرب الذي انهالوا عليّ به، وتركت السينما في سدني ومعي ميرنا تتالم من كابوس مخيف حلّ عليها فجأة دون أن أعرف عنه شيئا. انها لبنانية وأنا مصري، زمالتنا جمعت بيننا دون ما هدف معين، خروجنا جاء عفوياً، ولم اكن اعرف عنها الكثير لانها لا تتحدَّث عن نفسها. تحبّ الضحك وكأنها تهرب من شيء يسيطر عليها. هذا ما كنت المحه في بعض الأحيان، إذ كنت أشعر ان سحابة سوداء تُخيم عليها تنتزعها من جوِّها المرح ومن اجواء الحديث، فتشعر أنها بعيدة عنك.. بعيدة ، حزينة دون أن تعرف أين هي وما سبب حزنها، لم أحاول ابداً أن اقترب أكثر لاكتشف أسباب كآبتها، فللزمالة حدود احترمها وخاصة بين الرجل والمرأة.
تلك الليلة لم يغمض لي جفن، قضيت الليل كله احاورها واحاور نفسي، فما اهتديت الى امر يفسّر حزنها المرير الذي انفجر بشكل مفاجيء، بكاء بل نحيباً متواصلاً جعلني اشاطرها الحزن دون أن اعرف السبب..
ثلاثة ايام، لم تأت ميرنا إلى العمل، وفي كل يوم وساعة بل وفي كل لحظة مرت عليّ خلال الثلاثة ايام، كنت أُفكر فيها.. مشاعر غريبة تتملكني، هي مزيج من القلق والاسى.. كلما هممت بالاتصال بها، تبتعد يدي عن الهاتف وأحدث نفسي ماذا أقول لها..؟ أطمئن عليها؟ وماذا أفعل لو رفضت الحديث اليّ؟.. لا انا ما أسأت اليها، لكن قد تفسد زيارتي لها أو السؤال عنها، علاقتنا. فأنا الذي اخذتها في تلك الليلة المشؤومة خارجاً.. وكان عليَّ أن أعرف الكثير عنها حتى لا اسبب لها ما حدث.
في مساء ذلك اليوم الثالث، ازداد قلقي وصرت لا احتمل تأجيل زيارتها والسؤال عنها. طرقت الباب، وحين لم يستجب احد لطرقي، هممت بالعودة من حيث أتيت، وإذ بالباب يفتح وسيدة تظل براسها خارجاً تبحث عني، وعندما رأتني قالت:
- تفضل يا بني.. عذراً لتأخرّي..
جلست في غرفة الاستقبال، فيما غابت السيدة عني دقائق حسبتها دهراً. سألتها عن ابنتها ميرنا، فأجابت أنها بخير.
ساد الصمت بيننا فترة، ثم سألتني:
- هل لك أن تخبرني يا ولدي ماذا حدث عندما خرجتما معاً؟
- كنا يا «خالتي» في السينما نشاهد فيلماً عادياً. فجأة انفجرت بالبكاء وانهارت، عبثا حاولت تهدئة خاطرها، وعبثا حاولت أن اعرف سبب بكائها. اصطحبتها الى المنزل عندما طلبت مني ذلك، لكنها فضّلت الا ادخل، فعدت ادراجي وأنا قلق عليها.. وها هي ثلاثة أيام تمرّ دون أن تأتي الى العمل، قلت لنفسي.. أذهب وأطمئن عليها.
- كنتم في السينما.. كم نهيتها عن حضور افلام السينما.. انها حساسة جداً.. ما هي القصة؟!
- اية قصة؟
- قصة الفيلم يا ابني..
- انها تدور حول حرب أهلية في احدى دول أميركا الجنوبية.
انتفضت الأم.. امتعض وجهها ولاذت بالصمت. اختلط عليّ الأمر، لا اعرف ماذا اقول أو كيف أتصرَّف. لكني بعد برهة قصيرة سألتها:
- خالتي.. هل قلت شيئاً أغضبك؟
- لا يا ولدي. إنه قدرنا الذي لا نستطيع أن نهرب منه حتى في أستراليا.
- أنا أخشى أن أكون السبب في كل ما حدث لها.
- الذي حدث لها، حدث لكثيرات غيرها.. ونحمد الله ونشكر فضله على كل شيء. إنها الحرب يا ولدي وآثار وذكريات الحرب مؤلمة وجارحة، ولا تفارق من اكتوى بنارها وذاق مرارها وعذابها... وهذا قدرنا ونصيبنا، والله يلطف بنا. دقيقة يا ولدي لابلغها انك هنا.
تذكرّت ما وقعت عليه عيني في الفيلم، الفتاة الصغيرة التي لم تناهز الثانية عشرة من عمرها وهي تجري مذعورة خائفة في الاحراش، وذلك الرجل يطاردها، لم انتبه الى ما حدث بعد ذلك لأنني كنت غارقاً في ذكرياتي وقصّتي مع السينما في مصر.. لقد صرخت ميرنا بعد ذلك بفترة وجيزة..
قطع علي تفكيري، عودة الأم وطلبها مني ان اصطحبها الى غرفة ميرنا. فما ان دخلت الغرفة حتى حيّتني بنظرة من عينين ذابلتين،وجهها شاحب، جسدها بادٍ عليه الاعياء الشديد وكانها مريضة بمرض فتّاك يقضي على نضارة الجسم. أشارت إليّ أن اجلس فوق كرسي موضوع إلى جوار «سريرها».
جلست وسألتها عن حالها وحاولت أن أخفِّف عنها، بإن ما اصابها وعكة لا بد ان تذهب وبسرعة، فاجأتني حين اجابتني:
- حظك يا عجوز النحس.. قلنا نخرج لقضاء وقت ممتع.. لكن ما باليد حيلة.
- ميرنا.. ارجوك لا تتحدثي، اشعر بأنك تمرِّين بأزمة نفسية حادّة اثارتها مشاهد الفيلم. مهما كانت الاسباب ارجوك ان تهتمي بصحتك و..
أجهت بالبكاء، اقتربت من فراشها وهي راقدة. أطلت النظر اليها، ووجدت نفسي اقول لها:
- ميرنا هل تقبلينني ابا لاولادك؟
كانت الدموع ما زالت تتدحرج على وجنتيها كحبّات اللؤلؤ، والحزن يغلِّف وجهها، لكنها كفكفت عينيها بظهر يديها وهمّت ان تتكلَّم. فما وجدت نفسي إلا واضعاً إصبعي فوق فمها هامساً أطلب منها الاَّ تتكلم الآن، ولا تتسرَّع بالجواب.
أمسكت براحة يدي واحتضنتها بين راحتيها، قرّبتها إلى خدِّها، وفي حنان، مال رأسها وشعرت بدفء الدمع يتدفّق مبللاّ يدي التي بين يديها...
تمت ...

رواية مدن لقلوب قلقة/ علاء فاضل


لم تأت المدينة لتكون دلالة على الأبعاد الجغرافية أو الموروثات الحضارية أو القيم الثقافية والفكرية، كما لم تكن لتمثل مرابع الطفولة أو شاهدة نزوات الصبا وحسب بل هي كل هذا وذاك.
حين تصبح المدينة جرحا فإن نكأه يعني توارد إنثيالات العاطفة والتاريخ بكل إرهاصاته التي تنمو معنا كلما كبرنا ودار الزمان علينا، ويعني أيضا أنها مناسبة لجريان نزيف الذاكرة الذي يتأطر بالحسرة والمرارة، فحتى اللحضات الحلوة والجميلة تأتي هنا في سياق الجرح والألم على ما أرتكبنا من أخطاء.
إن مواجهة التاريخ الشخصي ـ التي تعني بشكل من الأشكال مواجهة مع التاريخ العام ـ تمثل مواجهة تستدعي التفاصيل الصغيرة التي كان لها الأثر الكبير في تحديد مسارات حيواتنا وتجعلها ماثلة أمام نواظرنا التي تستجمع كل حزن الارض وأساها حين تنظر اليها وكأنها شريط سينمائي وحين تدرك أن راهنها هو شكل أسهمت كل تلك التفاصيل في تركيبه.
رواية (مدن لقلوب قلقة) لدينا سليم تستمد أهميتها من تعاملها مع المدينة إنطلاقا من كونها شرارة تشعل فتيل أرشيف الماضي لتؤسس لذاكرة مستقبيلة تستند بالأساس على إيحاءات المدينة وتأريخها وقيمها المعنوية والمعرفية، كما تكتسب أهمية إضافية في كونها رواية لإمرأة شمرت عن ساعديها لتهوي بمعولها على كل ما يحد من ممارساتها كذات واعية، همها في المقام الأول الكشف عن المخبوء والمسكوت عنه في النفس البشرية من وجهة نظر لاتعير كثير إهتمام لتوصيفي الذكر والانثى وإنما لتثبت إكتراثها وعنايتها بما هو إنساني محض، عبر حبكة روائية تتصاعد من خلال ما يصطلح عليه بالصراع الساكن الذي تمثًّل انموذجه الريادي في (بيت الدمية) لهنريك ابسن فهو صراع محتدم الا انه لايتبدى للعيان كما هو الحال في روايات (الاكشن) كونه صراعا يستجيب لنزعة الكشف عن تجاذبات النفس البشرية وهواجسها الوجودية.
رواية (مدن لقلوب قلقة) عمل إبداعي ينقل القاريء ألى عوالم الذات التي تستدعيها اللحظة بفعل إنفعال ما في لحظة ما، وهو خارج إطار الايديولوجيا والقوالب الفكرية الجاهزة.__,_._,___

العمري يوقع روايته الجديدة "أوديستي" في دار الخليج

وقع بحمد الله تعالى الكاتب والروائي الأردني: أحمد سليمان العمري مساء الخميس الموافق 03/11/11 مع ودار الخليج للنشر والتوزيع روايته الجديدة بعنوان "أوديستي". وقدم العمري أمام حضور من المهتمين في دار الخليج نبذة مختصرة عن عمله قال فيها:
تزامنا مع بداية انهيار لأول نظام عربي - النظام العراقي - ومعه رمز الشجاعة وصدر الرجولة وذراع العروبة، كانت تكتب آخر كلمات من هذا الوجع، الوجع العربي الذي جسدته في الشخصيتين الرئيسيتين جناح وبغداد، وجع يخرج عن الألم العربي حتى يطول حس كل من يقرأه.
أوديستي هي ليست رواية تقرأ مرة وتوضع على الرف بين أخوتها من الكتب، إنما هي مفاعلٌ حسيٌ نشطٌ يمد حامليه بمشاعر مفعمة وتقرب له وجع الكلمة كأنه في أعضائه ظاهرٌ في أطرافه. وهي أيضا ترياق قلوب لمن شغلت حياته هموم يومه ومقاومة صخب الحياة بين إرهاق نفسي دائم مزمن وأحجام الواقع الصخري لأحلامنا أو العمل عليها....
هي أيضا له فسحة تخرجه من ضجيج وفوضوية وعلها رتابة الروتين القاتل حتى لو كانت ساعات قراءتها و ساعة ما بعد قراءتها. أوديستي هي وجعي ووجع الماضي أفضحه اليوم، عله يكون مواسياً لمن له رذاذ كوجعي ليرسم له الأمل في مرمى بصره حيناً و يثبت جذوره ويوطد خطاه آخر. أوديستي ليست طفلي الوحيد المدلل، وليست حجب أمي على صدري يحرسني من السمراء والقمراء، إنما هي أنصافٌ لمن تاه في موج الحياة وتغرّب عنه حسه، وخطابٌ روحيٌ في وقت يُستهجن فيه حديث الروح، وكأنه خروج عن العرف وعلى القانون. هذه هي فضيحتي، معاناتي، هذه هي أوديستي.

أحمد سليمان العمري
Buchautor: Ahmad Alomari
Mintropstr, 28, 40215 Düsseldorf Germany

شوكت الربيعي .. فضاء ابداعي متوهج .. سابع اصدارات مؤسسة المثقف العربي


صدر عن مؤسسة المثقف العربي / سيدني، ودار تموز / دمشق كتاب: شوكت الربيعي .. فضاء ابداعي متوهج، وهو الاصدار السابع لمؤسستنا.
تضمن الكتاب ما نشر في ملف تكريم الاستاذ الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، الذي اقامته مؤسستنا ضمن برنامجها في تكريم الرموز والشخصيات. ونشر على صفحات المثقف
www.almothaqaf.com

يقع الكتاب في 572 صفحة، من الحجم الكبير، بطباعة أنيقة على ورق ابيض، ويظهرالغلاف بحلة جميلة وإخراج متقن، يتناسب مع حجمه. قام بتصميمه الفنان التشكيلي الاستاذ الدكتور مصدق الحبيب
وقد اشتمل الكتاب على عدة اقسام استوعبت جميع المساهمات :
رؤى نقدية
مقاربات نقدية
دراسات
هم الذين ابصروا (شهادات حية)
انفاس ادبية
ملاحق لـ 26 لوحة من لوحات الفنان شوكت الربيعي

جاء في مقدمة الكتاب:
جاء الملف متكاملا، شاملا، استوعبت القراءات النقدية فيه، جوانب مهمة من منجزه الفني، وسلطت الضوء على لوحاته ورسوماته، بحرية نقدية كاملة. واستغرق بعض الكتاب في تحليل تلك الرسوم من اجل اكتشاف ابعاد فنية جديدة فيه، بينما راحت الشهادات الحي تؤرخ لمسيرة الربيعي، انطلاقا من بيئته الأولى، في ارض العراق، حيث الاهوار، والقصب، ورائحة الماء. عندما كان فتى تلهب مشاعره صور الطبيعة ومناظرها الخلابه. فسجلوا حكايات تكشف عن نبؤة مبكره لدى الاستاذ الربيعي، وتميزا حقيقيا انفرد به عن اقرانه ومجايليه. رغم حياته القاسية، ورغم ما كانت تعتري البيئة الاجتماعية من عادات وتقاليد، وما كان يعانيه من شظف العيش، وانعدام الخدمات.
لقد تعلق الربيعي بالألوان وبرع في خلطها، واعادة تركيبها، وهذا بعد اخر امتازت به لوحاته، كما اكدت ذلك القراءت النقدية، من قبل نقاد ورسامين محترفين.
وجاءت النصوص الادبية المهداة لتزين الملف، الى جانب معرضه الفني، فكان ملف التكريم كما الملفات السابقة حافلا بالكتابات والنصوص والشهادات، تقديرا واحتراما لرجل نذر نفسه من اجل رسالته الفنية. غير ان بقعة التميّز في الملف هو الحوار المفتوح، الذي راح الربيعي يرد من خلاله على اسئلة السيدات والسادة، عبر اكثر من مئة وسبعين سؤالا، سجل خلالها مسيرته وحياته وكشف عن قضايا مهمة، ذاكرا ارقاما واسماء وحوادث كثيرة، فكان الحوار رحلة اكتشاف، رحلة ممتعة، تابعها القراء بشغف وحرص كبيرين. فقد اطل الربيعي من خلال ردوده على بيئآت ثقافية مختلفة، سواء منشئه، او العواصم والمدن التي جالها وعرض فيها معارض فنية مختلفة.
ولم يكن الربيعي فنانا تشكيليا فقط، وانما هو ناقد فني متميز، ترك منجزا كبيرا، ارخ خلاله لمسيرة الفن، بالعراق والوطن العربي، والعالم اجمع، وتحدث خلال منجزه عن رموز الفن التشكيلي، ومنجزاتهم الفنية. ويمكن بسهولة التعرف على اعماله من خلال ما كتبه عن سيرته الفنية والادبية والثقافية. وقد عرضنا خلال الملف قائمة طويله باعماله ومعارضه.