إيماءات فاتحة/ د. عدنان الظاهر

لفت نظري معرفة ثم إعجاب الشاعرة المغربية السيدة ( فاتحة مرشيد ) ببعض شعراء العراق حتى إنها إستعارت بيتَ شعر للمرحوم الشاعر العراقي ( بلند الحيدري ) كمُفتتح لمجموعة شعرية ضمن ديوانها تحمل عنوان ( رشفات ). قال بلند :

لا... لن تموتَ نشائدي
ما دامَ في قلبي وَتَرْ

[ ديوان ورقٌ عاشق / فاتحة مرشيد، طبعة أولى 2003 ].

ثم إستعارت شيئاً من أشعار ( مظفَّر النوّاب ) لتقدِّمَ به ديوانها الأول
[ إيماءات / الطبعة الأولى 2002 ] وضعتها مباشرة بعد إهداء الديوان لوالدها الكريم الذي يرقد الآن جريحاً في أحد مستشفيات مدينة ( جدّة ) السعودية إثر تعرّضه وقرينته أثناء موسم الحج لحادث تصادم مؤسف أودى بحياة القرينة تاركاً الوالد طريح الفراش ليس في جواره إلاّ كريمته الشاعرة ( فاتحة ) غارقةً في سوادٍ أجبروها على إرتدائه لأنها هناك مجرد ( حُرمة ).... العباءة والحجاب أمران لازمان وواجبان.

كيف أهدت الإبنة الكريمة الوفية كتابها لأبيها ؟

إلى من غرسَ في قلبي بذورالأدب،
إليكَ أبي....
بعضَ إيماءات عبرتْ زمنَ الصمت.
" الأدب "... وُلِد في الشاعرة ... وُلد فيها معها وظلَّ ملازمها حتى بعدَ أنْ تخصصت طبيبةً في طب الأطفال. حب الأدب من جهة وحب الأطفال من الجهة الأخرى. حياتها مُقسَّمة بين الإثنين. في الأدب أبوها، وحب الأدب من حب أبيها الذي ترفعه إلى درجة القداسة.

الآن، ما أخذت ( فاتحة الشاعرة الطبيبة ) من مظفّر النواب :

كيفَ تُعاتبني، كيف أتوبُ
هلْ تاب النورسُ من ثِقلِ جناحيهِ المكسورينْ ؟

أعطاها ( بلند الحيدري ) وتراً تنشد فيه أو عليه أشعارها، بينما
أعطاها ( النوّاب ) جناحي نورس جريحين كسيرين. لِمَ الجناحان الكسيران وما تفسير الثبات والإصرار على حمل الأجنحة الكسيرة أو المتكسّرة ؟ وهل يطير طائر بجناح مكسور ؟ ألا يشعر بثقله مجروحاً مهشَّماً ؟ أفلا يعيقه الجرح والكسر عن الطيران الحُر ؟ وهل من حرية لجريح كسير ؟ ثمَّ... مِمَّ تتوب المرأة الشاعرة ومن تُرى هو صاحب العتاب ؟

حزن فاتحة / المرأة / الإنسان / الطبيبة / الأم

ليس صعباً وضع اليد على حزن الشاعرة الواضح كل الوضوح... فكتاباها مسربلان بتلاوين الحزن الصريح في أغلب الأحيان والمبطّن والمرموز في أحايين أخرى. حزن يتفوّق على الذات البشرية، حزن مكابر رافع الرأس فخم المحتوى جليل الإشارة ، وهو في كل ذلك ليس سوى لسان الشاعرة الناطق بإرادتها وبما تهوى. إنه هي.... الفاتحة.... فاتحة الحزن وإنها هي القادرة على تصميم الختام .... خاتمة الحزن.

أعجب ـ وأنا أقرأ الأشعار ـ من خلوها ولو من مجرد بارقة فرح أو إنتشاء بأمر من أمور الدنيا الثابتة والزائلة. لكأنَّ الدنيا بكاملها لا تغريها
ولا ترفع لها عيناً أوجفناً تجاه مسألة أو ظاهرة أو حق للمرأة طبيعي أو لها كإنسان. ما سبب هذا الزهد والبعد عن الحياة وهي لما تزل في ريعان الشباب ؟؟ إنْ تكلّمت عن الحب في بداية إحدى القصائد أنهتها نهاية حزينة أو متشائمة أو فيها الكثير من الشكوك. إنها تغلق الدائرة على نهايات حزينة، فنرى البداية شيئاً والمنتهى شيئاً آخر. أمثلة من ( ديوان
إيماءات ) . { سأجمع الأسطر للتكثيف وإختصار المساحة... ولا تأثير لذلك على المحتوى الشعري }.

قصيدة " نَفَس "

يتنامى خِلسةً بداخلي
يُجمّلني
يمحو السنينَ عن جبيني
نَفَسٌ دافيءٌ
في فاترات الليالي...
أَحقاً عاد لي أمْ تُراهُ
صدى النغماتِ الخوالي ؟

في البداية أمل، وفي الختام شك وليس غير الصدى... والصدى وهمٌ أو كالوهم، لأنه يُردد الماضي.... يكرر شيئاً حدث في الزمن الماضي... ولا رجعة لما مضى أبداً أبداً. الزمن يتحرك أماماً.... إلى الأمام لا إلى الخلف.

نقرأ في قصيدة " خوف " خوفاً حقيقياً تعاني الشاعرة ـ الإنسان منه أيمّا معاناة. كان هناك شكاً، ولكن نواجه هنا خوفاً كالغول مخيفاً، خوفاً حتى من الذات، من النفس:

أخافُ منهُ وقد فاضَ بداخلي...
أنْ تفضحه عيوني
أخافُ من غدٍ يُعلِنُ عن سرّي وجنوني
أخافُ من أحلامنا معاً
أخافُ منكَ ومنّي.

هنا إمتزج الخوف بالشك، الشك في الزمن، الشك في المستقبل. الخوف من الآتي... مما سيحمله الغد لها من مفاجآت غير محسوبة. (( أخافُ من غدٍ يُعلن عن سرّي وجنوني )). الغد... المستقبل هو ما سيكشف أسرارها، لذا فخوفها أساساً من الغد وليس من إفتضاح أمر هذه الأسرار.
(( أخافُ منكِ ومنّي )).... يضع هذا التعبير أمامي ما قرأت صيف عام 1982 في حدائق قصر أو جامع ( قرطبة ) في بلاد الأندلس من شعر قالته ( ولاّدة بنت المستكفي ) في شاعرها ( إبن زيدون ) :
أغارُ عليكَ من نفسي ومنّي
ومنكَ ومن زمانكَ والمكانِ

في قصيدة أخرى جمعت الشاعرة الطبيبة بين الثلج والنار، كما فعل أبو الطيّب المتنبي قبلها بأحد عشرَ قرناً من الزمان عندما قال :

وما الجمع بين الماءِ والنارِ في يدي
بأصعبَ من أنْ أجمعَ الجدَّ والفهما

كتبت في قصيدة " رجلٌ من ثلج ونار "

يا رجلاً من ثلجٍ ونارْ
ليتني أعلمُ متى تهبُّ ريحاً
متى يؤرّقني منكَ الصقيعْ
متى تزهو الفراشاتُ
ومتى يتلفُ الجرادُ الربيعْ .

الوئام... الإنسجام.... الهارموني البشري مفقود.... مستحيل كإستحالة الجمع بين الثلج والنار. الشاعرة في عزلة.... في شرنقة عصية على الإنفتاح رغم أنها تحمل إسم ( فاتحة ). خلطت بعض الأمل بالكثير من اليأس والسوداوية العدمية لدرجة تتمنى معها حالة من حالات الفناء.... موت الربيع.... موت الحياة بآفة طبيعية أو كارثة تأتي علينا جميعاً ونحن في لحظات إنتظار الربيع.... موسم النماء وتفتح البراعم وخضرة الطبيعة.
(( متى يتلفُ الجرادُ الربيعْ )). لماذا يا فاتحة وأنتِ الجميلة وأنتِ الجليلة وأنت الكريمة وإبنة الناس الكرام وإبنة المغرب السَمح والمفتوح على بحار ومحيطات الدنيا وجهاتها الأربع ؟؟ أتدرين أنَّ فيك قدرة خارقة على نقل عدوى تشاؤمك ويأسك وحزنك الذي يشابه حزن ( عشتار سومر ومناحتها على تموز ) إلى نفوس قرّائكِ ؟؟ إذن رحمةً بنا وأنتِ الفاتحة وأنت الخِتام.
نعم، حزنك يا فاتحة هو حزننا ، وحزننا عليك أكبر من كافة أحزانك، فالصدى دوماً أكبر وأعلى من الصوت الأصل. ورعد السماء المجلجل المخيف مبدأه صوت بسيط متواضع بين الغيوم. أنتِ الصوتُ وقرّاؤكِ الصدى.

للشاعرة قدرات غير محدودة للتعبير عن الخوف والقلق والشك وكل المشاعر التي درجنا على تسميتها بالسلبية. تعبّر عنها لا بالألفاظ المألوفة، إنما بنوع من الحس الخفي يأتيها من أعمق أعماقها السحيقة، يفرض نفسه عليها وعلى القاريء بطريقة لا إلتباس فيها ولا عَوَج. تضع إحساسها الهادر والطاغي على طاولة القاريء طاقاتٍ فيها القدرة على التدمير حيناً وعلى البناء أحياناً. إنها مهندس النفس البشرية قلقاً أو حزناً أو شكّاً أو إنتحاراً عاطفياً أو إنتكاسة نفسية طارئة أو...أو...أو...إنها فنان تشكيلي يلعب بالألوان كما يلعب الساحر فيبهر مشاهديه. وهذه هي، بلحمها ودمها، إمرأة وإنسانة كما هي. لا تخشى طبيعتها ولا تُخفي مخاوفها وقلقها ولا تكابر أبداً. تتخذ من القاريء طبيباً نفسانياً وتطلب منه أن يعالجها بالتحليل أو بالتنويم المغناطيسي، لكأنما تقول لنا جميعاً : أنا أمامكم لست إلاّ واحدة منكم وفيكم. أنا أنتم وأنتم أنا. إذا ما كنتم خائفين من أنفسكم فأنا الجريئة بينكم. أنا التي لا تخاف من شيء في الوجود. أحمل أجنحتي المهشّمة وأطير مثل مليكة النحل حتى أعلى أُفق في الكون.

[[ أنا أنتم وأنتم أنا ]] / قال الحلاّج :

أنا من يهوى ومن يهوى أنا
نحنُ روحان ِ حللنا بَدَنا

الخُذلان / القلق / الغرق / الإختناق

هذا ما يجده القاريء في قصيدة " إختناق ".

رئتاي بحجم الفضاءِ ويخذلُني الهواءُ
ما عُدتُ أدري والقلقُ يعصفُ بي
إنْ كنتُ أخشى الغرقَ أمْ كنتُ أخشى الإختناقْ ؟

في قصيدة " الوزرة البيضاء " تكشف الشاعرة ـ الطبيبة عن ولعها الأصيل باللون وسحر تأثير الألوان في نفوس البشر. لكنها تمزج اللون بالألم كأنما تريد أن تقول واحداً من أمرين : سطوع وقوة تأثير اللون لا تخفف ولا تزيح آلام الإنسان. أو أنَّ الألم البشري يبقى ألماً بشرياً رغم ما في اللون من سحر وجاذبية ورموز. اللون يعمِّق شعورنا بالألم ، وبعض الألوان تعكس ما في دواخلنا من مشاعر وتتطابق مع ما نحن فيه من حزن أو فرح . تضعنا الشاعرة في هذه القصيدة مرّةً أخرى أمام ما تعاني من آلام وحيدة الجانب (( أنصتُ لآلام الأخرين ولا أحدٌ ينصتُ لآلامي )).
نُصغي لما تقول الشاعرة تخاطب نفسها ساعة أن تتأهب للذهاب إلى عيادتها لتزاول مهنتها طبيبةَ أطفال. إنها تتحرك وتتدرّج مكانياً ولونياً. تغيّر اللون والمكان.
تضع أحمر الشفاه وتكحِّل عينيها الجميلتين وترتدي ملابس الطبيبة البيض. تغادر بيتها إلى عيادتها ثم تستقبل مرضاها لتعينهم على قهر آلامهم والتخلّص مما فيهم من علل وأوجاع. تُصغي لآلامهم فمن يُصغي لما فيها من ألم ؟ أين العدالة ؟ حياتها طريقٌ ذو ممر واحد، وحيد الإتجاه. يا للحسرة !! تنتهي كل هذه الحركة الدافقة والملأى بالحيوية وكل هذه الألوان من الأحمر والكحلي ثم الأبيض .... تنتهي إلى نهاية حزينة مأساوية سوداوية : لا من يسمع في نهاية يوم عمل كامل أو يفهم أو يُصغي لألم من أزالت آلام سواها. حركة الصباح تؤول إلى خراب. فرحة أول النهار المتفائلة بالأحمر والأبيض تنقلبُ في آخر النهار إلى غم وألم. أهذه عاقبة العمل الإنساني وجزاء التضحيات من أجل الآخرين ؟ من يعالجها ومن يُشفيها ومن يُشفقُ عليها ؟ هل الإنسان ماكنة تعمل ولا تسمع كلمة ( شُكراً ) ؟ رداء الطبيب الأبيض المتفائل في أول النهار ينتهي إلى مجرد كفنٍ أبيض في آخر النهار. (( لا أحدٌ يُصغي لآلامي )). هذا منطق وشعور الشاعرة لا الطبيبة كما يُخيّلُ لي. مرضاها كُثرٌ .... أطفال وأمهات. لا وقتَ لديها خلال ساعات العمل للتفكير في أمر نفسها وفيما يخالجها من مشاعر الألم. يداهمها هذا الشعور بعد أن تقفل عيادتها وتتجه نحو بيتها. في البيت، نعم، هنا في البيت تجد المرأة ـ الإنسانة نفسها وجهاً لوجه مع الألم. هل هو ألم نفساني أو إنه ألم جسدي حقيقي ؟؟ أخشى الجواب. لماذا ؟ لأنَّ في هذا الديوان قصيدة تحمل العنوان المرعب
( سرطان / الصفحة 63 ) !! قصيدة قصيرة لكنَّ فيها كلمات تُفزع القاريء حقاً : (( الدمار )).... (( النفي )) .... (( إحتضار )).
في قصيدة " يأس / الصفحة 55 " ما يؤكد صواب ما ذهبتُ إليه قبلَ قليل. قالت فاتحة ـ المرأة ما يلي :

مع الغروبِ يبزُغُ نهارها
ما عاد يهمّها مَن سيكونُ هذا الذي يمتطي جوادَها
جاهزةٌ لموتها.

الألم العميق يُميت الحواس، يشلّها حتى بلوغ حالة اللامبالاة القاتلة. لفظ الحياة والإستعداد للموت. [[ جاهزة لموتها ]].
جواد المرأة أقدس ما فيها، فلِمَ تسترخص الشاعرة هذا الجواد وتبيحه لكائنٍ من كان ؟؟ بمَ يختلف جواد فاتحة عن جواد أبي الطيّب المتنبي ؟
قال المتنبي كنايةً عن نفسه حين كان في مصر منزعجاً من كافور الأخشيدي ومما يُعاني من إصابته بحمّى :

يقولُ ليَ الطبيبُ أكلتَ شيئاً
وداؤكَ في شرابكَ والطعامِ

وما في طبّهِ أني جوادٌ
أضرَّ بجسمهِ طولُ الجَمامِ

الشاعر هنا هو الجواد، جسداً وروحاً، لا إنفصال بينهما ولا إنفصام. الراحة والإقامة الإجبارية أضرّتا بجسده لا الطعامُ ولا الشرابُ. منشأ علته الجسدية سبب نفساني لا أكثر. جواد الشاعرة ـ الطبيبة فاتحة شيء آخر قابلٌ وغير قابلٍ للإنفصام عنها. إنه الجسد أُنتزِعت الروحُ منه. سبقها المتنبي فقال :

مَنْ يهُنْ يَسهلِ الهوانُ عليهِ
ما لجُرحٍ بميّتٍ إيلامُ

راكب الجواد المنزوع الروح كطاعنٍ في جسدٍ ميّت.
هكذا تتحفنا الشاعرة بأفكار عميقة جداً تغلِّفها بأنسجة فلسفية أو حِكمٍ كتلك التي نقرأها في شعر أبي العلاء المعرّي. من أين يأتيها هذا العمق الفكري وهذا المنحى الفلسفي ؟ من أية ينابيعَ تغترف ؟ علامَ هذا السواد اليائس وهي المترفة والناجحة في حياتها الدراسية والمهنية والإجتماعية كما أحسب ؟ لا أعرفُ شيئاً عن حياتها وعلاقاتها العائلية الراهنة . هل في هذه العلاقات ما يُكدِّرُ الصفو ويُعكِّر مباهج الدنيا ؟؟ لا أدري.


الشاعرة والوالد


من بين روائع أشعار ديوان " إيماءات " ما خصصته الشاعرة لمعالجة موضوع أبيها في قصيدة أسمتها " شيخوخة ". تتكون القصيدة من ثلاثة مقاطع أو صور ثلاث. صوّرت الوالد في أطوار يومية حياتية أو زمانية ثلاثـة، تدرّجت من مرحلة في العمر إلى أخرى. أفرغت فيها فلسفة الوجود والعدم وما بينهما من مراحل.

الصورة ـ المرحلة الأولى / مهادنة ( مصادقة ) الزمن

نصارع الحياة كدّاً وأتعاباً وتنشئةً لأطفالنا تسديداً لضريبة الحياة في أعناقنا لمواصلة نَفس ونبضات الوجود الحي فينا وخارجنا. تحدي الزمن بمعنى التعايش معه وقبول أحكامه الصارمة حسب فلسفة الشاعر أبي الطيّب المتنبي إذ قال :

ومن نَكَدِ الدنيا على الحُرِّ أن يرى
عدوّاً له ما مِن صداقتهِ بُدُّ

. نعم، أطلق على هذه الصورة الأولى نعتَ " صورة الزمن ". صورة شديدة الحركة دينامية الإستمرارية كثيفة بالإحساس بالزمن. إنها بحق لوحة الزمن. قالت فاتحة وهي تُزيح الستار عن اللوحة الأولى في إحتفالية شديدة المهابة مُسربلة بالجلال وشموخ تحدي الحياة :

جالسٌ ههنا بمحاذاة الزمن

أية جلسة هذه التي تحاذي الزمن ؟ هيئة يتحدى الإنسان فيها هذا الزمن وما سيحمله له وسوف لا يحمل له في نهاية المطاف إلاّ الإنسحاب من الزمن ومن حكم الزمن : الموت. حركة راجعة إلى الوراء، إلى عهود ما قبل الزمن. الزمن هو مقياس الحركة، لا حركة بلا زمن. الزمن يحتشد في هذه اللوحة فتزداد الحركة كثافةً. نستمع للشاعرة ـ الفيلسوف :

جالسٌ ههنا بمحاذاة الزمنْ
يُحاكي الذاكرةْ
يَصمتانِ حيناً وحيناً يمطرانِ
وبين زخّةٍ وأخرى دمعةٌ عالقةٌ تقاومُ حتفها
تتنكّرُ لسيلٍ يزحفُ ... يجرفُ... يتلفُ
ملامحَ ما عادتْ تعكسُ نبضها.

يواجهنا الزمن في كل حركة وفي كل خطوة تخطوها الشاعرة أمامنا. نجده في الذاكرة. الشيخ يحاكي الذاكرة أي يحكي معها. الحكي حركة اللسان والشفاه، والرجوع إلى الذاكرة كذلك حركة. الذاكرة تعني التذكر، والتذكر حركة راجعة إلى الزمن الماضي. الرجوع إلى الخلف هو حركة.
الحكي ( أي المحاورة ) والتذكّر هما حركة مزدوجة. بعد فترة صمت قصيرة ينزل المطر من كليهما : من شيخنا ومن الذكرى أو الذكريات. ينزل المطر بشكل زخّات .... الزخ حركة عنيفة. الزخ العنيف لا يقدر أن يدفع دمعة واحدة يتيمة إلى السقوط. تبقى عالقة بين الجفون. رمزٌ رائع لكبرياء هذا الأب الذي أضحى شيخاً بحركة الزمن التي نسميها " العمر ". دمعة عزيزة عصيّة على السقوط. قطرة أو دمعة واحدة لا أكثر تتصدى للسيول الزاحفة والجارفة والتالفة. الثبات يتصدى ويوقف الإجتياح الغازي. أكاد أرى الشاعرة في هذه الدمعة.... طفلةً محرومةً من الأم، يتيمة أو كاليتيمة. وفي هذه الطفلة اليتيمة يجد الأب ـ الشيخ قوّته الشامخة
وقبوله تحدي الزمن ومحاورته محاورة الند للند لا محاورة ضعيف مستكين لقوي جبّار مستبد. القوة والبركة والسمو فيك أيتها الشاعرة والإنسان النادر الوجود. منك قوة ومقاومة الأب.
هذه صورة اللوحة الأولى. لوحة الزمن المتحرك بعنف والمتحدي بجبروت وإستعلاء، يَضعُف ويستخذي أمام طفلة يتيمة دمعةً عالقةً بين جفنين هما برزخا ثنائية الموت والحياة.

الصورة ـ المرحلة الثانية / العمر لُعبة شطرنج

تنقلنا شاعرتنا الفيلسوفة من لوحة الزمن الأولى إلى فضاء المكان المختلط بالزمان في اللوحة الثانية. واجهنا الزمان هناك، بينما نُفاجأ هنا بالمكان. تقول في المفتتح :

جالسٌ ههنا على عتبة الدارِ
يفسحُ مكاناً للإنتظارْ

لا حركة إنتقالية في الجلوس. ولا حركة في مداخل بيوتنا... العتبات لا تتحرك. جمود في جمود. تتضاءل حركاتنا مع وعند الكِبَر. اللوحة الثانية أعقبت الأولى. جاءت زمنياً بعدها. نجد أنفسنا فيها قد كبرنا قليلاً أو كثيراً.
ولكن مهلاً. لا فضاء بدون حركة. لذا تختلط هنا الحركة بالمكان. فكيف عبّرت الشاعرة عن هذا الإختلاط الزماني ـ المكاني وكيف رسمت لوحته كأروع ما يكون الفكر والإبداع الإنساني المتفوّق ؟؟ كيف جمعت الزمن والمكان وكيف حرّكت الموجودات في رقعة صغيرة بمساحة رقعة شطرنج ؟؟ كان الحوار في الصورة الأولى ما بين الشيخ والذاكرة. أما حوار الصورة الثانية فإنه حوار بين الشيخ والإنتظار. كان حوار الصورة الأولى حواراً ودياً... ودوداً.... يجري بين صديق وصديق. حوار الأنداد. أما الحوار الثاني فليس كذلك. إنه حوار صراع، صراع موتٍ أو حياة يجري على رقعة شطرنج . وموت الملك في لعبة الشطرنج هذه هو رمز واضح لموت الوالد الشيخ. يخسر لعبة الحياة محاصراً في مربع صغير
تستحيل عليه فيه الحركة. هذه هي اللعبة التي يعرفها كل من مارسها. الحركة رمز الحياة. وتوقف الحركة لا يعني إلاّ الموت. يموت الملك ـ الرجل الشيخ واقفاً في مكانه المحدد لأنه لا يستطيع الحركة. يختنق بمكانه الضيّق. المكان يقتله لأنَّ الزمانَ قد خانه. كان يتحرك من خلال تحريكه لقطع الشطرنج من أبراج ( نٌسميها في العراق قلاعاً ) وبيادق ( نسميها جنوداً ) و مطايا ( نسميها أحصنة أو أفراساً ).... تجري تنقلات أو نقلات هذه القطع محكومةً بالزمن. الحركة زمن. وحين يكون الملك عاجزاً عن أن يحرك قدميه يموت. نقرأ مع ( فاتحة ) قصيدتها الرائعة :

جالسٌ ههنا على عَتَبة الدارِ
يُفسِحُ مكاناً " للإنتظارِ "
يستأنفانِ معا على رقعةِ " شطرنج "
لُعبةً طالت بينهما
تعِبَ الملكُ من أبراجهِ
من بيادقهِ ... من مطاياه
يستعجلُ مُنتهاه
ليتَ بيدهِ القرارُ !

ذكّرتني نهاية هذه الصورة بحال جدتي لوالدتي حين ثَقُلت عليها أوجاعها
وتقدّم بها العمر. كانت تردد [[ ربي... خُذْ أمانتك.... لا تعذّبني يا ربَّ العباد ]] . كانت تتمنى النهاية ـ الموت.

الصورة الثالثة / الرقود

لم يمت شيخنا في اللوحة الثانية. ملك لعبة الشطرنج هو مَن فارق الحياة.
بقي الشيخ يقاوم ويصارع الحياة كما فعل شيخ (( إرنست همنغواي )) في قصة (( الشيخ والبحر )) في صراعه مع أسماك القرش التي نهشت الحوت الضخم الذي كان قد إصطاد وهو في عرض البحر. جلس الشيخ في الصورة الأولى مع الزمن. وجلس في الثانية مع المكان يكافح طغيان الملوك....ملوك الشطرنج. كان في كلتيهما جالساً. أما ملَّ من الجلوس ؟ أفلمْ يتعبه الزمن ؟ أفلمْ يملَّ المكوث في المكان ؟ بلى، تعب الرجل وملَّ. وليس في لُعبة الزمن مجاملةٌ أو إستثناء. تعبَ فرقدَ. الجلوس شاقولياً أو عامودياً على كرسي أو على الأرض. أما الرقود فإنه وضع أُفُقي سواء على الأرض أو على أريكة. تقاطعَ الفضاء في هذه اللوحة مع فضائي اللوحتين السابقتين. تحوّل نوعي وإنتقالة نحو وضع جديد : التأهب للموت.
تعب الشيخ من محاورات الأنداد وأنهكه الصراع في رقعة الحياة على مُلك لا يدوم وسلطان زائل فآثر الرقود ناشداً الدِعةَ والهدوء والسلام رغم ضجة الأحفاد وحركتهم التي هي إمتداد لحركة الحياة. بل إنهم إمتداده الطبيعي الحيوي. منه جاءتهم الحياة وفيهم وضع عُشبة خلود الجنس البشري بالتواتر والإمتداد. فلنتابع وضع الشيخ الراقد على أريكة فوق سطح الأرض لا تحت التراب.

راقدٌ ههنا على سرير الذهولْ
نجماً عابراً ينتظرُ الأفولْ
تترامى جلبةُ الأحفادِ إلى سمعهِ
همساً.... وتُخرَسُ الطبولْ.

ملحمة.... ملحمة عبقرية رسمتها الشاعرة الدكتورة ( فاتحة مرشيد ) في أعماق نفوسنا بالألوان. شاعرة مقتدرة على الحركة في كافة الإتجاهات. ولها القدرة على تحريك ما لا يتحرك. وفي قلمها وأصابعها قوة سحر فعل الأمر { كُنْ فيكون }. الأفكار والألفاظ والصور تحت أمرها وطوع بنانها المخضَّب دوماً بالحناء.

الشاعرة وأمها / الزهراء
لم أقرأ رثاءً في حياتي أبلغ أو أروع من رثاء شاعرتنا للمرحومة والدتها. لقد تفوّقت في هذا الشأن على رثاء ( الخنساء ) لأخيها ( صخر ) :

يُذكِّرني طلوعُ الشمسِ صخراً
وأذكُرهُ بكل طلوعِ شمسِ

ألا يا صخرُ لا أنساكَ حتّى
أُفارقَ مهجتي ويُشقَّ رمسي

أجادت الشاعرة كما رأينا في متابعة سيرة أو مسيرة والدها وقد فارق عهد الشباب. رسمت له صوراً ولوحات عبقرية وإنتقالات وتصرفات في كل من الزمان والمكان. ثم إنتقلت مباشرةً لتخاطب وتناجي من أنجبتها لتتركها بعد حين وتنسحب من حياتها حيّةً بملء إرادتها، ثم لتغادر الحياة نهائياً رغم إرادتها. هنا نجد الشاعرة ـ الطبيبة ـ الإنسانة والمرأة الأم بين نارين لا ترحمان. والدةُ رحلت في زمن طفولتها المبكّرة من جهة، ووالد قارب سن الشيخوخة. فإلى أين وإلى من ستتجه وعلى أي صدر ستريح رأسها المتعب ؟ يُقال.... يُقال إنَّ المرأة تنسحب عاطفياً من ذويها ( أبويها ) بعد أن تتزوج وتُنجب. هذا القول غير صحيح فيما يخص حالة ( فاتحة ).... الأم بلا أم.... تواجه أباً شيخاً بلغ من العمر عِتيا. ما أن يجمعها لقاء بوالدها حتى يشخُص وجهُ والدتها الراحلة أمام عينيها. كان وجهاً (( مليحاً )) كما وصفته فيما سأنقل من شعر. هو بالضبط وجه الشاعرة فاتحة كما إخال. كيف نموت إذنْ ونحن ما زلنا أحياءً ؟ سؤال لا ينفكُّ يحير ويعذِّب الشاعرة الرقيقة المرهفة والطبيبة. ألا يساعدها ما تعلّمت وما مارست من طب على نسيان أتراحها ويخفف من آلام عذابها إذ تتذكر مناجاةً أمها التي أنجبتها صورةً أخرى دقيقة منها ؟؟ مّن ـ تُرى ـ يُنسينا أحبابنا الذين رحلوا ؟ من يعيدهم ثانيةً إلينا ؟ الوالد الشيخ ؟ كلاّ، إنه لا يستطيع . إنه عاجز. لا من بشر قادر على إعادة عقارب الزمن إلى الوراء. للزمن إتجاه واحد فقط لا مَحيدَ عنه : إلى الأمام.
الوالد لا يعوِّض الأم ولا يقومُ مقامها وهنا غصّة فاتحة الكبرى.

خاطبت الشاعرة أمها التي رحلت بقصائد أسمتها " رسائل إلى أمي "، ثم أتبعتها بقصيدة أسمتها [[ الزهراء " في ذكراها " ]]... ولست أدري هل كانت مناسبة ذكرى يوم مولد الوالدة أم يوم رحيلها ؟ أو مناسبة ميلاد فاتحة نفسها حيث غدت تحتفل بالمناسبة في غياب الوالدة.
إستهلّت الشاعرة مقاطع قصيدة " رسائل إلى أُمّي " الستة الأولى بكلمتي (( إليكِ أَكتبُ ))، في حين إفتتحت المقاطع الستة الأخرى بلفظة (( أُمّاهْ ))
التي أقرأها فيتفطر قلبي حزناً وتضامناً مع الشاعرة. بل أكثر من ذلك : كأنَّ هذه اللفظة تخرج من فمي.... كأني أخاطب بها والدتي التي رحلت في اليوم الخامس من شهر حزيران ( يونية ) عام 1972 في بغداد. هكذا جرَتني ( فاتحة ) إلى مواقعها الإنسانية القوية بفضل قوة شعورها وصدق وفائها وعمق معاناتها المركّبة من عدة عناصر. قد يفجّرُ سببٌ واحدٌ فينا أسباباً أخرى. هي حالة من حالات ( الرنين ) الفيزيائي...( الريزونانس
) . Resonance
هناك شعر شعبي عراقي بالغ الدلالة يقول : وبحجة الحلمان أبكي على كيفي. في حالات تأزم الإنسان يروح يبحث في ماضيه وذكرياته عن سبب أوعذر يستدرجه إلى البكاء تنفيساً عن همٍّ أو حزن أو معضلة آنية راهنة يواجهها في الزمن الحاضر. حالة "" إستدعاء "" لإشكالية أبكتنا في الزمن الماضي، ونحن "" الآن "" أحوج من نكون لها.
الشاعرة تعاني من متاعب لا تتردد في الإفصاح عن أغلبها. قد يكون موت الأم في رأس قائمة هذه المتاعب. من يساعدها ؟ من يقف معها وحواليها ؟ من يشاركها حزنها ومن يخفف عنها وطأة هذا الحزن ؟

رسائل إلى أُمّي


سأكثّف المقاطع مفترضاً موافقة السيدة ( فاتحة )، ففي التكثيف قوّتان في الأقل : قوّة التأثير ثم قوة الدفع. التأثير في مشاعر القاريء ودفعه لمواصلة القراءة وتقفّي الكلمات وفهم دلالاتها العميقة. سأختارُ بعض المقاطع ... لأنني سأتكلم فيما بعد عنها.

إليكِ أكتبُ دون أملٍ أنْ تقرأيني يوماً
أنتِ التي ما عرفت القراءة،َ فأحساسكِ الفطريُ أغناكِ عن الكُتُب.
إِليكِ أكتبُ يا أماً هربت من طفولتي
صالحتني بها.... وبنفسي أُمومتي
يا أُمّاً أحببتها دونَ بَوحٍ
عُمراً بعمرِ معاناتي.

إليكِ أكتبُ لأصرعَ الفراغَ بداخلي
لازمني سنينَ طوالاً من زمن الضياع
كان أملي أنْ نُعيدَ التأريخَ معاً
أنْ نُقرَ بعبثِ الصراعِ وها أنتِ ترحلين
فمن يملأُ بعدكِ هذا الفراغ ؟

إليكِ أكتبُ يا ضَحوكةٌ
يا بشوشةٌ يا طفلةٌ رفضتْ أنْ تكبرَ
يا لاهيةٌ أحبّت الحياةَ وعبثتْ بالحياةِ
كيف هان عليكِ الآنَ مفارقةُ الحياةْ ؟
....
....

إليكِ أكتبُ ووجهكِ المليحُ تحت التُرابِ يٌعزّيني
وصوتكِ في أُذُني يقولُ : لا تحزني
إبتسمي حبيبتي فالحياةُ أكبرُ من الحزنِ
أكبرُ من الحبِّ أكبرُ من لقاءٍ أكبرُ من فِراقْ.

أُمّاهْ
ما بالُ الإلهام فارقني
لا الأنغامُ تُطربني ولا الأصيلُ يُشجيني
ما بالي كطفلٍ ضيّعَ لُعبتَهُ
لا شيءَ.... يُسلّيني !


قبلَ أنْ أنهي دراستي لديوان الشاعرة الدكتورة فاتحة مرشيد، أقفُ لدى مقاطع قصيدة " رسائل إلى أُمّي " عند إشارتين وردتا في مقطعين من هذه القصيدة. أحاول أن أتحرى جذريهما ودلالتيهما فيما يخص طفولة الشاعرة وعلاقتها بالوالدة الفقيدة. ربطت الشاعرة الإنسانة المُرهفة الإحساس ثم طبيبة الأطفال... ربطت ما بين أمرين بالغي الأهمية بالنسبة لها. أذكر ما أعني ثم أحاول تقديم التفسيرات المناسبة. قالت شاعرتنا ما يلي :

إليكِ أَكتبُ يا ضَحوكةٌ
يا بشوشةٌ يا طفلةٌ رفضتْ أن تكبرَ
يا لاهيةٌ أحبّتْ الحياةْ .

وفي المقطع الآخر قالت الشاعرة :

أُمّاه
ما بالُ الإلهام فارقني
لا الأنغامُ تُطربني ولا الأصيلُ يُشجيني
ما بالي كطفلٍ ضيّعَ لُعبتهُ
لا شيءَ يُسلّيني

ما تفسير عروج الشاعرة على عهود الطفولة وأزمنتها وإمتيازاتها في لحظات مناجاة والدةٍ رحلت.... مناجاة لا تخلو من وضع التجلّي والإنفتاح على عالم الروح الفائق الصفاء ؟
ليس عسيراً على قاريء شعر هذه المرأة ـ الإنسانة المثلى أن يربط بين الرجوع إلى عهود طفولتها وبين حرمانها من والدتها يومَ أنْ كانت لم تزل طفلة في سنوات طفولتها الأولى. كانت بمسيس الحاجة ليس لأمٍ حسب، إنما لطفلة ـ دُميةٍ تلاعبها وتناغيها كما تفعل كافة الطفلات الصغيرات. تريد من أمّها أن تكون هذه الدُمية ـ الطفلة الحية من لحم ودم. كانت ما زالت دون سن الفِطام العاطفي. تريد أن تلعب وأنْ تلهو كما تفعل بقية أترابها. خاطبت الفقيدة ب [[ يا طفلةٌ رفضتْ أن تكبر... يا لاهية أحبّت الحياة ]]. أجلْ، تريد فاتحة أمّاً ـ دُمية تشاركها عوالم طفولتها فرحاً وحزناً. تُريد أُمّاً تلعب معها، فاللعب هو عالم الطفولة والأطفال. ثم تنقل الشاعرة المفجوعة بفقدان والدتها.... تنقلُ المشهد المأساوي ( الدرامي ) إلى عالمها الخاص بعد أنْ يئست من عودة دميتها ـ والدتها إلى الحياة ثانيةً. تقول [[ ما بالي كطفلٍ ضيّع لعبته ]]. الآن هي الطفل... لكنها طفل فاقد دُميته. اللعبة هنا مجازٌ لغوي، يُشير أو يدلُّ على تلكم الدمية التي تكلمتُ عنها قبل قليل : الأم ... الأم التي ضاعت. الأم التي ضيّع الموت جسدها وأبقى روحها حالّةً في روح فاتحة... الطفلة ـ المرأة التي نضجت وشبّت لكنها ما زالت تحنُّ لعهود الطفولة التي خسرتها .... ضاعت منها بموت الوالدة. طفلةٌ ـ أُمٌّ ضاعت، وطفولة ضاعت فالخسارة والضياع مزدوجان والمحنة مُركّبة.

ملاحظة ( 1 )

علمتُ أن للشاعرة ديوانَ شعرٍ جديداً سيصدر باللغتين العربية والفرنسية. وأنَّ في هذا الكتاب قصيدة تحمل العنوان (( مُذكَّرات لوحة )). يرسمُ فنانٌ لوحة لسيدة تقع في غرامه فتخاطبه قائلةً :

طفلٌ أنتَ
تُطاردُ الفراشاتِ وتبكي
لو لطّختْ ألوانُها الأصابع.
أنا كلُّ الفراشاتِ
إنْ أحرقتَ واحدةً بُعِثتْ أُخرى من رمادك.

هذه هي اللوحة الأجمل والأكمل. الشاعرة هي سيدة النهايات بحق. إنها تحترق بوله وحب فنانها لكنَّ من يحترق أخيراً هو هذا الفنان نفسه. تشعل في جسدها وروحها النيران لكي يتقدَّ الفنان الذي نفَّذ َ لوحةً تحمل صورتها. الحريق حريقها لكنَّ الرمادَ رماده. وإنها مثل طائر{ العنقاء } الذي ينهض حيّاً من رماده. الشاعرة لا تموت، الفنان هو المكتوب عليه أن يموت. لِمَ إقتربَ من العنقاء ؟
في مثل هذه القصائد تنأى الشاعرة عن حزنها الذي عرفنا في ديوانيها الأول والثاني. نطالبها بالمزيد من هذه الأشعار التي تُدخلُ البهجة في نفوسنا والدهشة، وتجلبُ لها الأمل والقوّة وقوّة التفاؤل.
واللهِ إني لأتمنى أن أكونَ هذا الرسّام الفنان ولكن بوضع معكوس : أنا الذي أحترق حبّاً بمن أُخاطب وعمن أكتب وأن أظلَّ رماداً يُجدد حياة التي أُخاطب. لا أطلب النهوض والقيام من رمادي، إنما أطلب الخلود للعنقاء التي أحببتُ وهويت.

ملاحظة ( 2 )

يشاء القدر الغامض والساخر من البشر أن يقضي بوفاة والد الشاعرة في حادث مؤسف أثناء أدائه شعائر الحج في مكّة. لقد إنتقل إلى العالم الآخر الحاج ( مرشيد ) والد الشاعرة والطبيبة والإنسانة المبدعة السيدة ( فاتحة
مرشيد) يومَ السبت الموافق الرابع من شهر فبراير من عام 2006 قُبيلَ أنْ أُنهي كتابتي لقراءتي لديوان " إيماءات ".... فلا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله. الصحة والقوة والصبر والسلوان والمزيد من الإبداع للشاعرة فاتحة مرشيد.

الرقابة العسكرية الاسرائيلية على الصحف الفلسطينية في رسالة دكتوراه للاعلامية ندى الحايك خزمو

القدس-
بحثت الاعلامية الفلسطينية ندى خزمو في الرقابة العسكرية الاسرائيلية على الصحف الفلسطينية من العام 1981 حتى العام 1997، من خلال رسالة تقدمت بها للحصول على شهادة الدكتوراه.

وقالت الباحثة خزمو إن دافع البحث في هذه القضية هو تجربتها على مدى سنوات من العمل في مؤسسة البيادر، التي عانت أسوة بالصحف والمجلات الفلسطينية من الرقابة العسكرية.

ويذكر أن هذه الأطروحة هي الأولى التي تطرح كيفية التعامل مع الرقابة العسكرية ومواجهتها من خلال القانون الذي وضعته هي، فجميع الدراسات السابقة كانت تشير إلى الرقابة الصارمة ولكنها لم تتبنَ قضية المواجهة مع الرقابة.

وقد أوصت الباحثة بتشكيل هيئة قانونية كفؤة وذات خبرة لمتابعة أمور الرقابة على جميع وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية، وللبحث عن الثغرات في جهاز الرقابة وقوانينها ودراسة أوامرها، لتستطيع أن تقف في وجه قوانين الرقابة العنصرية وتدافع عن الصحفيين ووسائل الإعلام وحقوقهم، وأهمها حقهم في الوصول إلى المعلومات الذي تحاول إسرائيل بكل الطرق منعهم من الوصول إليها .

وكانت لجنة أكاديمية من مجموعة من الكفاءات الأكاديمية تشكلت في لاهاي لمناقشة هذه الرسالة، حيث استعانت لاحقاً ببعض الأكاديميين الفلسطينيين للخروج بتقييم للرسالة.
وقد منحت جامعة لاهاي في هولندا الباحثة درجة الدكتوراه بتقدير جيد جداً، وأوصت بنشر الأطروحة في كتاب، لاسيما وان ذلك يقدم خدمة بحثية مهمة للمكتبتين الفلسطينية والعربية.
**
مجلة الغربة التي أفرحها هذا الخبر نظراً ما للباحثة خزمو من تقدير واحترام عند أسرتها وقرائها، تتقدّم منها بأطيب التهاني وتقول لها بالفم الملآن: ألف مبروك يا ابنة فلسطين، ألف مبروك يا دكتورة ندى الحايك خزمو.

عن بنات أفكاري لميسون أسدي

صدرت عن دار فضاءات للنشر والتوزيع- عمان، المجموعة القصصية المتميزة والموسومة بـ " عن بنات أفكاري" وقد صمم غلافها الفنان أسامة مصري، ويقع الكتاب في 200 صفحة من القطع المتوسط.

ما أن تلج الصفحات الأولى للمجموعة حتى تدرك أنك في حضرة قاصة متميزة، ولا بد لك من الاستعداد لسيل الأسئلة الذي ستخلقه في ذاكرتك ومع كل سطر تقرأه، فميسون لا تمارس الكتابة -كما يتضح لك من خلال قدرتها السردية المتقدمة- كترف أو كنوع من تزيين اسمها والبحث عن شهرة ما، فجرأتها كفيلة بإغضابك واستفزازك، تماما كما هي قادرة رغم ذاك على انتزاع دهشتك وإعجابك، والاهم أنها قادرة على خلق الأسئلة وإشراكك في النص، فميسون وان كانت تمتلك حافة الأجوبة إلا أنها تضن بها وتخبأها خلف المفردات وعليك أن تفتش عن الدلالة خلف البعد المباشر للغة، أنها تراهن على وعيها الحاد الواضح من خلال تركيبة الجمل القادرة على طرح رؤى قادرة على الإدهاش، حد تسألك.. هل ما تقوله حقيقي حد الخيال.

تتكون المجموعة من أربع وعشرين قصة قصيرة تتناول العديد من القضايا بجرأة متميزة، وتبحث في موضوعات مسكوت عنها: مقتل سحر تحت الدرج، بصقة في القلب، عصفور باليد- الحدث الغريب في استقبال الغريب- المسبحة - قهوة بطعم الصراصير- أنا كلب- عن بنات أفكاري- قصة مثل- رحلة الصيف والشقاء- باص الريح الشرقية-كلمات متقاطعة- قالت لي ستـّي- أبو حمامة- المصيبة الأعظم - باليد حيلة- نفس يعقوب- الحبيب اللدود- أنا- طب الجرة- عندما تكلمت دنيا زاد- إلى...- للإيجار- شماعة ميرون.

وعن مجموعتها يقول الناقد الدكتور ثائر العذاري: يكمن نجاح ميسون في قدرتها على تعرية الواقع ببساطة متناهية، ويمكننا أن نصف هذه المجموعة بأنها (مجموعة شخصيات)، فليس الحدث فيها هو المحور الذي تبنى عليه، بل إن كل قصة تعرض شخصية واقعية تمر بموقف حياتي معتاد، لكنه لا يحظى بالاهتمام، أو هو من المسكوت عنه، مواقف ربما لا نعير اهتماما لأثرها على الشخصيات التي تمر بها، لكننا لا نعلم مدى تأثيرها على تلك الشخصيات التي ستعيش بسببها أزمة تغير حياتها إلى الأبد. فكأن ميسون أسدي تصدمنا برؤية صور تمر كل يوم أمام أعيننا لكننا لا نراها أو نتجاهلها غير آبهين بخطورتها متوهمين أنها عابرة وبسيطة. وهي من خلال تشريحها لشخصياتها ربما تحملنا على الشعور بالذنب بسبب مواقفنا اللامبالية تلك.

ستصدمك ميسون أسدي كعادتها بجرأتها وصراحتها، وستعجب لهذا الكم الهائل من المعاناة الإنسانية غير المرئية التي ستأخذ بيدك إليها، وحين تدخل عالمها سترى رجالا ونساء وأطفالا وشيوخا تعرفهم، لكنك لم تكن تعرف حجم المرارة التي تنطوي عليها دواخلهم، المرارة التي تزيح عنها ميسون ستار التجاهل والتناسي.

إنها مجموعة جديرة بالقراءة من زاويتين؛ فهي أولا فن جميل ممتع، وهي من زاوية أخرى محاولة رائعة وجريئة لرؤية الواقع كما هو من غير خداع للنفس.

ومن الجدير بالذكر أن ميسون أسدي مواليد7/11/1963 قرية دير الأسد- الجليل الأعلى وتعمل كمديرة لوكالة "تفانين للإعلام الفني والثقافي الفلسطيني ولها العديد من القصص التي نشرت في الصحافة الفلسطينية والعربية العالمية.وقد حازت على جائزة "العودة" لقصص الأطفال- 2008 وعلى جائزة "العودة" للقصة الصحفية- 2010، وكرمت في مهرجان المرأة في يافا على مجمل أعمالها الأدبية والصحفية- 2010 وصدر لها حتى الآن:

1. "فايقة ونعسان"- قصة للفتيان- طبعة أولى عام 1992، طبعة ثانية عام 2010.

2. "بيت بيوت"- قصة للأطفال عن حق العودة وفازت بجائزة "البديل"- 2008.

3. "كلام غير مباح"- مجموعة قصصية للكبار- 2008.

4. "تيعا تيعا.. بيتك بيتك" قصة للأطفال عن حق العودة- 2009.

5. "فضائي في الدير"- قصة للفتيان- 2010.

6. "موعد مع الذئب"- قصة للأطفال- 2010.

* كتب جاهزة للطباعة:

1. "عن بنات أفكاري" مجموعة قصصية للكبار.

2. "فريد لا يسمع الكلام" قصة للأطفال عن الصم والبكم.

3. "تفاحة جلال" قصة للفتيان.

4. "مسابقة الإخوة ألاثني عشر" قصة للأطفال.

5. "إيدها مكسورة" قصة للأطفال عن ذوي الاحتياجات الخاصة.

6. "هيا نكتب قصة" قصة للأطفال، مبنية على ارتجالات حقيقية للأطفال.

يحكى أن/ ايمان حجازى


يحكى أن ... أن إيه ؟؟ ليلى كانت .. كانت إيه ؟؟ قاعدة بتلعب فى جنينة بيتها , بتلعب مع عروستها ,,

وجالها الولد الشقى , وفضل يقرب منها ,, وليلى تبعد بلعبتها ,, وتفتكر كلام مامتها , لا يجب أن

نقترب من الغرباء ولا نسمح لهم بدخول بيتنا ,, لكن الولد الشقى فضل يقرب وليلى تبعد , يقرب

وهى تبعد ,, وبعد شوية ليلى نسيت كلام مامتها , وإطمنت لوجود الولد الشقى , وقربت منه ,,

لعبت معاه , لكن الولد الشقى طلب ياخد من ليلى عروستها ,وقالها لا تخافى سأحافظ عليها ,

ليلى رفضت لأنها كانت تحب عروستها جدا ,, وظل الولد الشقى يلهو ويمرح مع ليلى وعينيه على

عروستها حتى رق له قلب ليلى فسمحت له أن يلعب بعروستها ,, أعطتها له بيدها , فأخذ الولد الشقى العروسة وذهب بعيدا , وصار يداعبها ويحلق بها فى السماء ويهبط بها على الأرض وليلى ترقب وتبتسم ,

فقد أسعدها أن ترى عروستها مدللة سعيدة فرحة بقرب الولد الشقى , حتى أحس الولد الشقى

بإطمئنان ليلى على عروستها معه , فغافلها ومزق شعرها , وكسر يدها ورجلها , وأخرج عينيها ,

إعتمد على أن ليلى لا تراه ونسى الولد الشقى أن الله يراه , وأن الله أمرنا ألا نخون الأمانة ,

ومن خان الأمانة يكون إنسان بطال شرير ,,, وعندما عادت ليلى ,صرخت من أعماقها لما فعله الولد

الشقى فى عروستها , وسألته ودموعها تملأ عينيها وتسيل بحرقة على خديها لماذا فعلت هذا ؟؟

أنا إئتمنتك عليها ؟؟ وعدتنى ألا تؤذيها ,, إنت بهدلتها !!!!

أخذت ليلى عروستها ورجعت الى حجرتها باكية تسمع صوت أمها يرن فى أذنيها , لايجب أن نلعب

مع الأغراب ولا نسمح لهم بالقرب منا , وضعت ليلى عروستها أمامها وظلت تبكى وتمنت أن تجد والدها

الآن يدخل عليها وينظر الى ما صنعته بحماقة فيأخذها بين زراعيه ويربت على كتفها , يمسح دموعها

ويوعدها بعروسة جديدة

ظلت ليلى تبكى طوال ليلها وتنقل عينيها بين عروستها الممزقة التى أتلفها الولد الشقى و بين

الباب الذى حلمت أن يدخل منه والدها حاملا العروس الجديدة ,,, وكم تمنت أن يكون ذلك حلما , حتى ولو بدرجة كابوس ,, كم تمنت ألا تكون قد رأت ذلك الولد الشقى , ولا إهتمت لأمره , ولا سمحت له بالدنو منها واللعب بعروستها , كم تمنت ألا تكون قد أمنت له وإطمأنت على عروستها معه ,, كم تمنت أن تفيق ,

تستيقظ من نومها فترى أنه كان حلما وتجد عروستها الجميلة كما كانت بدون عاهات ولا كسور ......... ولكن لأول مرة فى عمرها تجد ليلى أن الولد الشقى كان حقيقة وليس حلما , كان حقيقة جارحة , أدمت قلب العروسة ,, فحملت ليلى أنقاض عروستها ووضعتها فى علبتها , تابوتها الأخير , ترحمت على أيامها , أيام

كانت تشبع الدنيا غناءا , وكان صوت ضحكاتها يسحر القلوب , تتذكره ليلى , فتذرف من عينيها دمعة ساخنة تنزل على خدها ,

وللحق لم تكن ليلى تبكى عروستها وحدها ,بل كانت تبكى إعتيادها على وجود الولد الشقى , من إعتبرته صديق , كانت تستيقظ مبكرا وتجرى إلى شرفة حجرتها تنظر لتجده فى الجنينة ينتظر , وإن لم يكن ينتظر كانت تستدعيه , تتذكر ليلى كم كانت تقضى بصحبته أسعد أوقاتها , كم كان طروب مسلى , حضوره كنسايم العصارى المعبقة برائحة الزهور , وكلماته كرنين الصو والدو كفراق الفا وحنين الصول ,فكم كانا سويا

يتسلقا السلم الموسيقى عزفا لأجمل دوويتو تهفو له الآذان,,, الآن لم يعد فى أذن ليلى إلا صوت

أمها يعلو ويعلو , يرن ويجلجل قائلا بلا تردد ,

هذا جزاء من لم يسمع كلمة ماما

فطيْرُ الرعب/ شوقي مسلماني

بجوارِ سياجٍ، يمتدُّ بلا نهايةٍ في أرضٍ خلاءٍ، وقعتُ على أوراقٍ لا نهايةَ للعنفِ في العالم إذا لم يوضَعْ حدّ بمختلفِ السُبلِ لأصحابها، والغريب أنّ عنواناً لها هو: "طبقُ اليومِ"!. ومن نظرةٍ سريعةٍ على الأوراق تبيّنَ لي أنَّ "طبقَ اليومِ" هو عين "فطيرُ الرعبِ" الذي تحتكره جماعةٌ تصنيعاً واستهلاكاً، وهو فطير لا يشبه أي فطير معروف في العالم إلاّ شكليّاً. قلتُ لذاتي القلقة مثلي: "وفطيرُ الرعبِ مكوِّنُه الرئيسيّ هو الدم البشريّ"!. وألتفتُّ كالملدوغ، ومسحتُ بعينَي كلَّ الناحية، ولم أر أحداً.
وهبّتْ ريحٌ، وخُيِّلَ إليّ أنّي سمعتُ صوتاً يقولُ لي: "خذْ حذرك". الشمسُ في كبد السماء، وفقط سياج شائك لا يلحق بآخره البصر، والأوراق التي في يدي. قالتْ لي روحي وقد جحظت عيناها: "أنجُ يا سعد هلك سعيد". وعدوتُ مبتعداً مستعيناً بكلِّ طاقتي على الركضِ، لكنْ إلى أين؟ الخلاءُ لا نهائي. وجلستُ القرفصاء، وتلفتّ، واطمأنّيتُ أنّ أحداً لا يتبعني. وذباب أزرق حولي. وسألتُ ذاتي وروحي أن يعيناني على النظر إذا جيفة في المكان، لأنّ الجيَف يستهدي إليها الذباب الأزرق، ولم يكن أثر لجيفة، وسألتْني ذاتي إذا كان الذباب يهرع إلى الجيفة قبل موت صاحبها؟. وفهمتُ، وركضتُ من دون توقّف، وفجأةً وجدتني أقفز، وإذْ قدمي المتقدِّمة تنفذ في غلالة، وأرى ذلك، ثمّ أنفذ كلّي، وأجدني على الرصيف المقابل لبيتي، وأعبر الشارع متلفّتاً إذا أحد ما يتبعني.
وأفتحُ البابَ بالمفتاح الذي رفعتُه من جيب بنطالي. وأنا أدخل لمحتُ الأوراق، فهي لا تزال في يدي، كيف سهوتُ عن رميها؟. ومن شدّة فزعي رميتها خارجاً في الوقت هبّتْ ريح وقذفتِ الأوراقَ إلى الداخل، أصابني الذعر، هل أجمع الأوراق أوّلاً وأعود إلى رميها خارجاً أم أغلق خلفي أوّلاً؟. وأغلقتُ خلفي أوّلاًَ، وهرعتُ أجمع الأوراق. جمعتُها. قالت لي روحي التي بدت شاحبة كأنّها تفقد روحها: "لقد عرفوا عنوان البيت". وفهمتُ أنّهم سيأتون إليّ بحسب الخطّة المرسومة. أسرعتُ إلى النوافذ وأسدلتُ الستائر، قال لي عقلي: "عجّلْ أيّها المجنون وأشعل الضوء، إنّهم يأتون في العتمة". أشعلتُ الضوء. تهاويتُ فوق الكنبة التي تطلّ من زاوية على مدخل البيت من دون أن تكفّ عيناي عن النظر إلى الأوراق. قال لي عقلي متردّداً: "إقرأ، قدرُك أن تعرف". أطعتُه.
قلتُ وأنا أحدّق بالأوراق: "سأقرأها". لكن قمتُ أوّلاً لأستكشف. رفعتُ طرف ستارة ونظرت عبر زجاج النافذة إلى الشارع. رأيتُ فقط سيّارة تتوقّف غير بعيد وينزل منها رجل وامرأة ويدخلان بيتهما ويغلقان الباب خلفهما بحركة طبيعيّة جدّاً. رجعتُ إلى مكاني، استعدّيتُ، وعقلي يقول لي أنّني أرى مناماً ولا داعي للقلق، فماذا الذي أنا فيه إلاّ أن يكون من عمل منامات؟!. وقرأتُ، وعيناي ينقدح فيهما الشرر، وقرأتُ وقرأت: "وبعد استدراج طفل، ولا أسهل من إستدراجِ طفل، يستلمه "جزْرين" فيحلق له شعر رأسه لئلاّ يلحق بنا شيء مِن الجحود قبل أن يجزره".
ولاحظتُ أنّي رفعتُ صوتي تنفيذاً لأوامر عقلي الذي شرح لي أيضاً أنّ القراءة بصوت مرتفع فيها اطمئنان يُعين على الوحشة، ثمّ سألتُ عقلي محتاراً: "أنت عن أي وحشة تتكلّم؟ ألم تقلْ لي أنّي أحلم"؟. قال: "يصيبني ما يصيبك". قلتُ: "أنتَ عند حافّة".
وأسرعتُ إلى ستارة، ورفعتُ طرفها قليلاً، لم أرى في الشارع سوى امرأة عجوز يتقدّمها كلب. داخلني اطمئنانٌ، ورجعتُ إلى الأوراق، وقرأتُ وقرأتُ، والحرف أنا وأنا الحرف، وهو لم يكن مثلما أنا لم أكن، وهو يولد كما أنا أولد. وقرأتُ بصوت مسموع: "محرّم على سدنة الوكر أن يلمسوا الطفل، وإذا لمسوه فإنّه سيفسد، ويغدو محرَّماً ... وبعد ذلك يُجمَع دمُه في قوارير يُسكَب منها على دقيق مخلوط برماد الحرير بمقدار معلوم، ويضيف قطرات خلّ وبعض محسِّنات الطعم إذا اقتضتِ الحاجة، ويتقدّم عمود الوكر ويضع قطعة ذهب في كفّه، ويضع يده القابضة على قطعة الذهب فوق صدره عند قلبه ويتنشّق بعمق ثمّ يشمِّر عن ساعديه، بعد أن يضع الذهبيّة في جيبه، ويتلو فوق المعجن من سِفرٍ على طاولةٍ أمامه: "باركْ يا إلهنا عملنا لأجل طهارتنا وادعونا إلى مائدتك". وتابعتُ بصوت مسموع أيضاً: "ويضع عمود الوكر يديه في العجين المرِن ويبدأ بتصنيع الفطائر". و"يمكن استحضار الدمّ مِنْ شابّة، تُعلَّق مِن ساقيها وتُترك ليسيل كلّ الماء منها، حتى إذا جفّتْ، وكمشاركة وجدانيّة، يخزها الحضور بمناخيس ذات رؤوس حادّة، ويُجمَع ما يقطر من دمها في أوعية عليها: "يا أولاد الجحود، يا نسل الأودية".
ووضعتُ الأوراق إلى جانبي على الكنبة وتركتُها وقمتُ إلى الحمّام لأغسل وجهي. فتحتُ الحنفيّة، لم ينزل الماء، بل فحّت الحنفيّة ورقصتْ، فاندفعتُ متراجعاً، وسال الماء. أفرخَ روعي. قال لي عقلي: " رعديد، إغسلْ وجهك". اقتربتُ مِنْ الحنفيّةِ، غسلتُ وجهي بعصبيّة، قلتُ لعقلي ما كان هو يريد أن يقولَ لي: "لا نزال بخير، أنا الذي عرفتُ، فهل أنتَ الذي أنا أعرف"؟. قال لي: "عدْ إلى الأوراق، لا تضيّع الوقت وإلاّ ضيّعكَ وضيّعني معك". ورجعتُ فوجدتُ الأوراق على الأرض بدل أن تكون في مكانها على الكنبة. تلفتُّ كأنّني أريد أن أرى أحداً، لكن سرعان ما قال لي عقلي: "الواضح أيّها الرعديد أنّها انزلقت، كانت عند الحافّة". وأردف: "اطمئنْ، وفي آن تفحّصِ البيتَ مجدّداً". أحسستُ أنّ عقلي يتصنّع التماسك، هرعتُ إلى الباب وحرّكتُ مقبضَه وتأكّدتُ أنّه محكَم، وهرعتُ إلى طرف ستارة، وعقلي يقول: "إنهضْ تنهض، أسقطْ تسقط، ولا تلومنّ إلاّ نفسك". ونظرتُ من طرف الستارة، ورأيتُ الدنيا قد أمست، لم ألحظ في الشارع ما يثير الشكّ إنّما صدري انقبض، وقرأت: "يمكن الإنقضاض على مسنّ وجعلِه في البرميل الإبري ذي الفتحات الضيّقة في أسفله والتي منها ينزّ الدمّ فإذا لم تمت الضحية في ظلماتِ العذاب فإنّ دمها المُحصَّل لا قيمة له".
وسمعتُ جلبةً، وسرعان ما اصطدم شيء بعنف مهول بالنافذة المقابلة، ثمّ وكأنّ البيت اهتزّ، افترضتُ أنّهم هجموا، أسرعتُ إلى المطبخ، حملتُ سكِّيناً ورحتُ أطعن الهواء صارخاً: "تعالوا اقتلوني، لكن ليس قبل أن أقتل فيكم". لكنّهم لم يقتحموا البيت. نظرتُ من خلف ستارة، بعدما رفعتُ طرفها، رأيتُ كيف العاصفة تعبث بالأشجار. سبقني عقلي وقال لي: " عاصفة". سألتُه بعصبيّة: وهل العاصفة شيء قليل"؟!. ارتبكَ عقلي ثمّ قال لي: "أرجوك دعنا ننتهي من قراءة هذه الأوراق اللعينة". وقرأتُ مستأنساً بالسكّين إلى جانبي، ووجهي قديد: "نأكل لحمَ الجبابرة ونشرب دمَ رؤساء الأرض. وبعد قران عروسين يتناول كبيرُنا بيضتين مسلوقتين ويغمّسهما بالدمّ والطحين ويناولهما، وحين يكون مولود، يضع كبيرُنا إصبعَه في كأسِ خلّ ممزوج بالدمّ، ثمّ في فمِ المولود، ويقول: "حياتك في دمِك" وإذا لنا ميْت يضَع كبيرُنا بيضة لا زلال فيها ومغمّسه بالدمّ على صدر الميت". وقرأت: "فطيرُ الرعب نُقبِل عليه في يومِ عيدِ عينوف وفي يومِ عيدِ الفحيح وفي يومِ عيدِ العالَم السفلي وفي يوم عيد حرب اللصوص الكونيّة الأولى وفي يوم عيد حرب اللصوص الكونيّة الثانية وفي يومِ عيدِ التنتيف". وقرأتُ: "محسّنات الطعم أكثر ما يحسُن الإكثار منها في يومِ عيدِ الخوزقة".
ومسحتُ العرقَ عن جبيني. قال لي عقلي: "لا تغمضْ عينيك". رنّ الهاتف. صرتُ أرقص وأقول كأنّما بي مسّ: "التنتيف، عينوف، دولاب التخليع". ودوّى انفجار، هويتُ لأفتح عينَي في ساعة متأخّرة من الليل، شعرتُ أنّ شيئاً لزجاً على وجهي. كان جرحٌ. شرحَ لي عقلي، وهو يصغي إلى المطر في الخارج: "انفجرتِ السماءُ بالبرق والرعد وارتطمَ رأسُك بحافّة الكرسي". وأنا أتحسّس الجرح دخلت يدي في رأسي، جحظتْ عيناي، أسرعتُ بيدَي الإثنتين أتفحّص صدري فغرقتا في الفراغ، نظرتُ، فلم أرَ قلبي، عجّلتُ على غير هدى إلى الأوراق لأفهم ما الذي يجري فيما عقلي يقول: "إقرأ".
قرأتُ حتى قرأتُ: "يُحرَّم إضافة التمر أو الزبيب في إعداد فطيرِ الرعب، ويجوز لأرباب الأوكار اقتراض الدمّ مِنْ بعضهم في أوقاتِ الشدّة، ونجاح ربّ الوكر يكون بمقدار نجاحه في توفير الدمّ لأهلِ وكْرِه، خصوصاً الطازج، وكم من ربّ فقدَ مكانتَه وهيبتَه وانحطّ شأنه وصار أضحوكة بسبب عجزه المتتابع دون تحقيق اكتفائه الذاتي مِنَ الدمّ". ولاحظتُ أنّي كلّما أقرأ ورقة وأضعها تحت أخواتها ذاتها سرعان ما تتلاشى حتى لم يبقَ بين يدي سوى ورقتين. وقرأت: "أموالُ ومعتقداتُ أعراسِ الجراد". ووضعتُ الورقة تحت أختها فتلاشتْ. ونظرتُ في الأخيرة فإذْ هي بيضاء. لم أفهم، رميتُها فتلاشت، وقلتُ موقناً: "مجنون كلّ مَنْ لا سلاح في عينيه".
Shawki1@optusnet.com.au

حفل متألق وبهيج لتكريم الكاتبة والشاعرة والصحافية الأستاذة نجاة فخري مرسي

خالد الحلي ـ ملبورن
كان جواً حميمياً وصادقاً وأصيلاً إلى حد بعيد، ذلك الجو الذي ساد الحفل التكريمي للكاتبة والشاعرة والصحافية الأستاذة نجاة فخري مرسي، مع صدور ترجمة لديوانها "البعيد القريب" إلى اللغة الإنكليزية تحت عنوان “Near and Afar”. وقد أقيم الحفل بدعوة من اللجنة الثقافية للمرأة العربية في ملبورن، وبرعاية الأستاذ هنري قسطون القنصل العام للبنان في ملبورن والسيدة ليا عقيلته، وبحضور جيد من أبناء الجالية، غصت به الصالة الرئيسية في مطعم سان مارينو بمنطقة روفيل لصاحبيه نبيل ونظمية بورسلان.
أدارت الحفل بتلقائية وشفافية وجمال الشاعرة مريم شاهين رزق الله. وقد استهل الاحتفال بعزف النشيدين الوطنيين الأسترالي واللبناني، ولم تتمكن المحتفى بها الأستاذة المبدعة نجاة من حبس دموعها في عينيها أثناء عزف النشيدين.
وفي بداية تقديمها للحفل قالت الشاعرة مريم أن هذه المناسبة هي مناسبة "متميزة بحق وحقيقة"، وان الأستاذة نجاة جديرة وباستحقاق بكل التكريم والاحترام. و قدمت جزيل الشكر والامتنان إلى كل من الدكتورة عفرا كافانا، والدكتور محمد أنيس مرسي، وطالبة الدكتوراه أوديت راضي على الجهود التي بذلوها في ترجمة الكتاب.
ثم بدأت بالتمهيد لكل فقرة من فقرات الحفل بمقاطع جميلة ومؤثرة من شعرها الشخصي باللغة الفصحى أو باللهجة العامية السورية. وكان أول من قدمتهم الدكتورة شفيقة طراد والأديبة جهاد الأطرش اللتين ألقت كل منهما قصيدة باللغة الإنكليزية من القصائد المترجمة للشاعرة المحتفى بها.
وقدمت بعد ذلك السيدة نظمية رسلان التي تحدثت عن القيم النبيلة التي آمنت بها الأستاذة نجاة وهي تمارس الصحافة وتكتب الشعر، ثم ألقت قصيدة باللهجة العامية اللبنانية أشادت فيها بما انطوت عليه أعمال الأستاذة نجاة من قيم إبداعية ووطنية وإنسانية وأخلاقية خلاقة ونبيلة وعالية
وكان بين المتحدثين أيضا السيد طوني حلو عضو مجلس بلدية ديربين فأشاد بتجربة الأستاذة نجاة ودورها في الحياة الأدبية والثقافية في وطنها الثاني أستراليا، وتحدث بشكل موجز ومعبر عن الهموم الثقافية والوطنية والإنسانية، وأشاد بالجهود التي بذلها ويبذلها الثنائي نجاة وأنيس وشبههما بجناحين لطائر واحد
واستمع الحاضرون بعد ذلك إلى رسالة صوتية بعثت بها شقيقة المحتفى بها الدكتورة عفراء المتخصصة بالأدب الإنكليزي من مقر إقامتها في كندا حيث تعمل عميدة لإحدى كليات الآداب هناك، وقد عبرت الرسالة عن الكثير من مشاعر الود والاعتزاز، ونقلت تحياتها الحارة إلى جميع الحاضرين
وقد تلت ذلك كلمة للجنة النسائية الدرزية ألقتها السيدة صفاء كامل الدين، وعبرت فيها عن اعتزاز الجمعية بعطاءات الأستاذة نجاة وأكدت على ضرورة رعاية الأدب في المهجر
وفي كلمتها خلال الحفل عبرت السيدة نجاة حسن من مدرسة الكمال العربية عن شكر وامتنان واعتزاز المدرسة بمواقف الأستاذة نجاة ودعمها، وقدمت لها هدية تذكارية بالمناسبة.
ومن سدني بعث الأديب المعروف الأستاذ كامل المر برسالة رقيقة حيى فيها المحتفلين وأشار إلى ان ظروفه لم تسمح له ليكون مع المحتفلين، مستشهدا بقول الشاعر :"تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، واستدرك بقوله: اذا كانت رياح سدني غير مؤاتية، فرياح ملبورن في أوج نشاطها بفضل "اللجنة الثقافية للمرأة العربية في ملبورن التي رأت - وهي محقة فيما رأت - أن تحول حفل توقيع "القريب البعيد" في طبعته المترجمة الى الانكليزية الى مناسبة لتكريم "الاديبة التي تستحق التكريم" الأديبة نجاة فخري مرسي .فاسمحوا لي أولا أن أهنيء السيدة نجاة على صدور كتابها هذا وأن أهنيء وان أشكر "اللجنة الثقافية للمرأة العربية في ملبورن" على بادرتها الكريمة هذه .
وأضاف الأستاذ المر قائلا: لقد تسنى لي ، أيها الأحبة أن ارافق قلم نجاة فخري مرسي لعشرات السنين فوجدته أبدا قلما مسؤولا يدعو الى المحبة والالفة ليس بين أبناء الجالية العربية فحسب، بل على الصعيد الانساني الواسع. لم يرضخ لظلم، ولا استجاب لإغراء، ولا تورع في ان ينصر مظلوما، ولا سكت عن شواذ يهدد كيان الاسرة والمجتمع، ولا هادن الذين حوّلوا هيكل الوطن الى "مغارة لصوص". وباختصار كلّي انه قلم مسؤول تَرَى كِبَرَ المسؤولية التي يحمل من خلال كتابها "الطيور المهاجرة" أو "المهاجرون العرب في اوستراليا"، أو"عباقرة من التاريخ"، او "المرأة في ذاكرة الزمن"، وحتما في "القريب البعيد"، الذي تشهدون الليلة على اصداره المترجم الى الانكليزية، وسواه من مؤلفاتها العديدة .
وبعد أن أشاد بنشاطاتها في الحقل الاجتماعي أيضا، خلص إلى القول: ايها الاحبة، في رحلة نجاة الادبية، ان قيمة الكلمة من قيمة ذات كاتبها. ونجاة قيمة انسانية كبيرة وجب تكريمها. فالشكر كل الشكر للجنة الثقافية للمرأة العربية في ملبورن، وللدكتور انيس مرسي الذي لا شك انه يعمل ايضا من وراء الكواليس، على هذه البادرة الطيبة، الشكر لهما مرتين : مرة لهذه المبادرة الطيبة ومرة ثانية لاتاحتهما الفرصة لي في ان اقوم بواجبي في شكر السيدة الاديبة نجاة فخري مرسي على عطاءاتها الادبية والفكرية القيمة.
وبعد ذلك قدمت الشاعرة مريم رفيق درب الأستاذة نجاة، وصديق عمرها، وحبيب وجودها الدكتور محمد أنيس مرسي، مقدمة لذلك بشعر لنجاة قالت فيه:
شريك العمر والأحلام يسكنني
وإني لعمري بدرب الحب ألقاه
وما نال مني سوى التقدير من قلمي
وما كان منه سوى الأحلام أحياه
وجاءت كلمة الدكتور مرسي مفعمة بالأحاسيس الجميلة التي تنضح بمشاعر الود والوفاء لرفيقة حياته، وقد تحدث فيها برقة وإيجاز عن الرباط المقدس الذي جمع بينهما منذ البداية، وفي ختام كلمته وجه تهنئة إلى رفيقة عمره عبرت عن ود عميق يتجذر في القلب والروح والفكر
وكان ختام المسك كلمة للمحتفى بها الأستاذة نجاة فخري مرسي فألقت كلمة شكرت فيها الأستاذ هنري قسطون القنصل العام للبنان في ملبورن، والسيدة ليا عقيلته، والمحتفين بها فردا فردا، وأكدت على ضرورة دعم وتشجيع المنتديات الأدبية العربية في أستراليا من أجل استمرارية حضارتنا العريقة في المغتربات حتى يتسنى لنا المزيد من العطاء
وعن ديوانها "القريب البعيد" قالت انها استهلت صفحاته بقصيدة تحمل نفس العنوان هي في الواقع أنشودة إلى وطنها لبنان، وأشارت إلى أن الديوان تضمن قصيدة بعنوان "حبيبتي بيروت" إلى جانب العديد من القصائد الإنسانية والوجدانية. وفي ختام كلمتهاالمعبرة ألقت قصيدتها التي حملت عنوان المجموعة
هذا وقد جاءت لحضور الحفل خصيصا من أديلايد السيدة حليمة نويهض رسلان، التي قدمت هدية رمزية إلى المحتفى بها. ومن جانب آخر ألحت السيدة وداد حرب على نقل تحياتها إلى الأستاذة نجاة ليس كأديبة وشاعرة وصحفية وسيدة مجتمع فحسب، بل كأخت وأم وصديقة لا يعرف قلبها إلا الحب والصدق والوفاء

لغتنا العربية وهويتنا القومية/ نبيل عودة


لا جدال حول أهمية اللغة العربية لأبنائها العرب ، وقيمة هذه اللغة وحيويتها . وطرق تطويرها وتقريبها للقارئ . ولكني مع ذلك أرى ان بعض المشاكل التي لم تحل تشكل عائقا في سبيل رقي لغتنا وتطويرها وملاءمتها لعصرنا.
اولا، اللغة وسيلة وليست غاية. أي لا يمكن التعامل معها كمعبود لا يجوز اجراء جراحات تجميلية له. هي أداة للتواصل والتعليم ، اداة للبحث والعلوم، وسيلة لتثبيت القانون والنظام، وجهازا هاما للإبداع الثقافي الروحي والمادي. واللغة جزء من تشكيل الشخصية القومية. ومع ذلك لا أرى أن اللغة هي من أهم العوامل التي تكون هوية الأمة. كما يطرح ذلك العديدون من أصحاب الرأي العرب. هذا الطرح غير علمي تماما ، ومبني على رؤية حماسية.
اللغة بلا شك لها دورها في تكوين الأمة ولكنها ليست من أهم العوامل . والواقع العربي القائم يثبت ما أذهب اليه .ان لغتنا لا تشكل هوية قومية مترابطة بين الشعوب العربية . واليوم صرنا نستعمل اصطلاح الشعوب العربية أو الأمم العربية باشارة الى أن الشعوب العربية غير متكاملة من حيث هوية قومية واحدة ، رغم ما يوحدها من لغة واحدة.. وفي العقد الأخير يتطور مفهوم الأمة ليشمل تحديدا فئات لا تمت بصلة لنفس الثقافة ونفس التطور الاجتماعي، ونفس الإطار الجغرافي المعرف كحدود دولة وطنية. معتمدا على انتماء ديني فقط. وهذا يذكرني بجملة لجمال عبد الناصر قالها في خطاب القاه في دمشق مع اعلان الوحدة مع سوريا ، قال ما معناه، ان ما يربط المسلم والمسيحي العربي هو أقوى الف مرة مما يربط بين مسلم عربي ومسلم باكستاني.
يجب عدم التجاهل ان نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي ، وتقدر حسب احصاء رسمي ب 58 مليون امي ، وحسب تقارير غير رسمية يصل العدد الى ما يفوق ال 100 مليون أمي ... ونسبة كبيرة أخرى بالكاد تفك الحرف .. ومستوى قراءة متدن ، وعدم فهم المقروء من أوساط عربية واسعة جدا ، يجعل من لغتنا أداة لا تخدم قضية تكوين الهوية القومية . وأن لا ننسى أيضا ان العالم العربي مليء باللهجات المحلية التي لا يفهما العرب الآخرون . وهناك عشرات اللهجات الغريبة ( البعض يقول 35 لهجة محلية) وهي لهجات غريبة عن فهم مواطني أكثرية الدول العربية الأخرى، والمأساة ان متحدثي اللهجات المحلية، في الكثير من الأحيان، لا يعرفون لغة أخرى غيرها ، اي ان اللغة لا تشكل اداة تكامل قومي ، بل في هذه الحالة أداة تباعد وتشرذم وانعزال . المواطن العربي الذي يعيش تحت خط الفقر بدخل دولار واحد أو دولارين يوميا لا يحتاج الى لغة وهوية قومية، يحتاج الى رغيف خبز بات الحصول عليه صعبا .. وانا اتحدث عن أكثر من 50% – 60 % من المواطنين في العالم العربي ، ولا اريد ان اقول 70%-80%. في مصر مثلا ، ما يقارب 80% من الشعب المصري يعيشون بدخل بين دولارين الى 3 دولارات يوميا ، وما يقارب 20% دخلهم أكثر من 3 دولارات يوميا ، وفقط 1.5 % يعرفون بالقطط السمان يسيطرون على ما يقارب نصف الانتاج القومي المصري.
فهل ستصلح اللغة هذا الواقع المأساوي لتجعل المصريين ينتمون لهوية قومية واحدة؟ هل يفكر المصري أو العربي الفقير باللغة والهوية ام برغيف الخبز.؟

دور الاقتصاد في تشكيل الهوية القومية

الذي يؤثر على خلق هوية قومية متماسكة هو الاقتصاد ، هذه نظرية طرحها أحد أهم فلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر ، كارل ماركس. وقد ثبت صحتها . الدول المتطورة تطورت فيها الهوية القومية والانتماء القومي واللغة القومية والقوة القومية أيضا لحماية مصالحها، على قاعدة النهضة الاقتصادية والتطور العمراني، وتطوير العلم والعلوم والتكنلوجيا، والنموذج الأقرب لنا هي دولة اسرائيل، أحببنا ذلك أم لم نحبه. من مجموعة مهاجرين مختلفي الثقافة والانتماء القومي، بنوا دولة وشعبا متماسكا واقتصاد يعتبر اليوم من الأقوى والأكثر ثباتا في العالم، لدرجة ان الشيكل مرشح ليصير عملة دولية ويعتبر اليوم أقوى من الدولار واليورو.
اذن الموضوع يتعلق بالواقع الاقتصادي والعلمي والتعليمي ومستوى الجامعات وابحاثها والقضاء على الأمية ونشر التعليم باللغة العربية وتطوير اللغة وعدم البقاء في اسر الماضي فكرا ولغة وأحلاما.
الموضوع ليس اعتزازنا وحبنا للغتنا، انما قضية جعل اللغة العربية لغة علوم وتكنلوجيا. هناك مشكلة في ايجاد الاصطلاحات العلمية والتقنية باللغة العربية. والجريمة التي ترتكب هي محاولة ايجاد صياغات بديلة تولد ميتة ومحنطة وغير قابلة للاستعمال. فكيف يمكن ان تصير لغتنا عاملا ايجابيا هاما في تشكيل هويتنا القومية؟ هل باقتصاد ضعيف وفقر اجتماعي وبطالة وأمية واسعة وتخلف تعليمي وعلمي وتكنلوجي يمكن بناء هوية قومية؟
لا شك ان اللغة العربية هي جزء من الهوية القومية، ولكن بوضعها البائس هي هم قومي.

ما هي حال لغتنا العربية ؟

في حوار مع زميل لي، اديب مخضرم ... حول لغة الكتابة الأدبية، وبالتحديد اللغة الروائية، جزم بان ما اتفق على تسميتها ب " لغة الصحافة " لا تنفع كلغة للكتابة الروائية.
هذا الحوار يتردد بصيغ مختلفة، حول مجمل الكتابة باللغة العربية.
أوضحت ان للجملة الروائية أو القصصية، كما للشعر، مميزات خاصة بها، تختلف عن المقالة أو الخبر، ان كان بطريقة تركيبها، او وضعها بالسياق النثري. ولكن الكلمات تبقى هي نفسها.
زميلي أضاف انه يقصد ان مفردات لغة الصحافة، هي مفردات غير أدبية ولا تصلح لخلق ابداع أدبي فني، رواية مثلا...
سألته: وهل نستطيع بلغة الجاحظ ان نكتب اليوم ابداعا أدبيا ... رواية مثلا ...؟ وكنت اعني بسؤالي ان لكل عصر لغته وسماته ومميزاته ، التي تتأثر بالحديث ( من الحداثة ) وتتطور دون انقطاع، ودون تصادم مع القديم، وان مفردات لغة عصر مضى، لا تلائم مفردات اللغة في عصر آخر أحدث، على الرغم من انها تنبع منها وتتطور على اساسها. كذلك الأمر بالنسبة لاسلوب الصياغة.
هذا النقاش العابر، اثار في ذهني قضايا لغوية متعددة، وجعلني أعيد التفكير في بعض المسلمات التي كانت تبدو واضحة وثابتة، ولا تستحق التفكير، واثارت في ذهني مسائل أخرى أوسع من نطاق اللغة، وكنت قد طرحت مواقفا مختلفة حول اشكاليات لغتنا وواقعها الصعب في داخل اسرائيل، وارتباط بعض اشكالياتها بالواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للعرب الفلسطينيين مواطني اسرائيل. ولكن هناك موضوع ترددت كثيرا في خوضه، ليس لحسابات تتعلق بردود الفعل السليبة التي قد اواجهها من بعض المتثاقفين، الذين لا يرون في مداخلاتي الا خطأ لغويا عابرا في صياغة جملة ما، ويتجاهلون ما أطرحه من فكر يستحق النقاش والاختلاف في الرأي، والتفكير والاجتهاد لفهم الاشكاليات الصعبة، وطرق تجاوز حواجز "حرس حدود" اللغة، الرافضين لأي تطوير وتزحزح عن المحنطات اللغوية.

هل اللغة وسيلة أم غاية ؟

أثناء قراءتي لكتاب " الثقافة والامبريالية " للمفكر الفلسطيني د. ادوارد سعيد ( ترجمة بروفسور كمال أبو ديب ) وقعت بفخ المفردات المعجمية، والصياغات اللغوية المركبة، مما جعلني أكرس جهدا مضاعفا لفهم لغة الكتاب العربية اولا، قبل أن افهم الطرح الفكري المثير للكتاب. وكنت قد " تورطت " قبل "الثقافة والامبريالية " بقراءة كتاب لادوارد سعيد أيضا، ولنفس المترجم، وهو كتاب "الاستشراق"، وهزمتني لغة الكتاب، شديدة التعقيد والغرابة، ولم أستطع الصمود في معاناة القراءة والبحث عن تفسير للمعاني، كنت وكأنني اقرأ كتابا بلغة اجنبية لا اتقنها جيدا، وعلمت من صديق لي، مثقف أكاديمي، انه فشل في قراءة النص بالعربية وقرأه بنصه الأصلي باللغة الانكليزية، وانه هو الآخر لا يفهم ضرورة هذا التعقيد والنبش لايجاد مصطلحات عربية لا يستعملها جيلنا، ولن يستعملها أحد من الأجيال المقبلة، وذلك بدل تطوير اللغة العربية وتسهيلها، كما حدث ويحدث بمختلف اللغات العالمية.
كتاب ادوارد سعيد " الاستشراق" قراته فيما بعد مترجما للغة العبرية، بلغة واضحة وسهلة الفهم. لماذا الترجمة العبرية مفهومة لقارئ مثلي يعيش نبض اللغة العربية ويعشقها ولا يستطيع قراءة نفس الكتاب بلغته الأم – اللغة العربية، التي تشكل محورا لعالمه الابداعي؟وعلمت فيما بعد ان عددا من المثقفين العرب واجهوا نفس الإشكالية وقالوا: "ان ترجمة كمال ابو ديب تحتاج الى ترجمة عربية".
اذن لمن نصدر كتبنا؟
لمن نكتب اذا كنا غير مفهومين بصياغاتنا؟
اذا عجزنا كمثقفين عن فهم ترجمة بلغة عربية راقية بلا أدنى شك، فما هو حال سائر المواطنين؟
كيف نصبح شعبا قارئا، حين نعجز عن فهم المقروء؟ والسؤال الأخطر كيف نجعل لغتنا قاعدة لترابط قومي، وجزء لا يتجزأ من هويتنا القومية، ام ان الوقت قد تجاوز هذا الهم الوطني؟
والأخطر ، كيف يصبح لنا دور اجتماعي وسياسي في تقرير مستقبل أوطاننا ، اذا كنا عاجزين عن فهم، على الأقل ... لغتنا البسيطة المستعملة في وسائل الاعلام ؟

نبيل عودة – رئيس تحرير المساء – www.almsaa.net
nabiloudeh@gmail.com


إقامة الأجسام الأدبية:ضرورة ملحَّة/ سيمون عيلوطي


حين تلقَّيتُ دعوة من قبل أحد الأصدقاء الكتاب للمشاركة في إنشاء رابطة كتَّاب، لم تثنني رغبتي في تحقيق هذا الأمر، عن العودة إلى تلك المرحلة من مسيرة حياتنا الثقافية التي شهدت إقامة أجسام أدبية، فأخذتُ أنظر إلى الموضوع من جوانبه المتعددة، وأنا هنا غير معني بتوجيه النَّقد لأحد، بقدر عنايتي رصد الظاهرة التي قد تكون مفيدة لمن يريد أن ينشئ رابطة يلتف من حولها الكتّاب والأدباء.

لا يختلف إثنان على أن إنشاء أي جسم ثقافي، سواء كان تحت اسم إتحاد كتَّاب، أو رابطة كتاب، يساهم في تنشيط الحياة الثقافية والأدبية، ويساعد الكاتب على نشر وتوزيع انتاجة الأدبي، كذلك إتاحة الفرصة أمامه لكي يشارك في الندوات والمهرجانات الأدبية، وهذه الأمور التي تبدو للوهلة الأولى غاية في البساطة، إلا أنها تشكّل بالنسبة للكاتب والأديب، المتنفّس الذي يحتاجه من أجل تحقيق ذاته، ومن ثم تحقيق التواصل الضروي مع المتلقي.

إن اتحادات الكتَّاب حين تقوم بواجبها هذا تجاه أعضائها، إنما تعمل في الوقت نفسة على تحصيل حقوق الكاتب النقابية، وغيرها من الحقوق التي ربما يجهلها الكاتب، أو ربما لا يعرف ما هي الترتيبات والإجراءات المعمول بها للحصول على حقوقه، كحقّه المادِّي لقاء استعارة كتبه من المكتبات العامة مثلا.

لا شكَّ في أن اتحادات الكتّاب عامة، تتأسس دون اعتبارت حزبية، أو طائفية، أو قومية، أو سياسية، وهي بناءً على ذلك تشكّل الإطار العام لجميع الكتّاب ضمن حيِّز واسع من الحرية والديمقراطية التي يجري في ظلّها عمل الإتحاد، بما في ذلك إجراء عملية انتخاب الرئاسة، والهيئات الإدارية، والثقافية، والتنظيمية الأخرى.

وكم كان مفيداَ لكتّابنا، وأدبائنا، وشعرائنا، لو كان يمثّلهم اتحاد كتَّاب، أو رابطة كتّاب، تعنى بجميع شؤونهم الأدبية والثقافية، وإذا كانت تجربتنا السابقة في إنشاء جسم ثقافي يضم بين جناحية جميع الكتاب، قد أخفقت، فإن ذلك الإخفاق امتدّ إلى مسيرتنا الأدبية، وكان من نتائجة الهزال الذي لم يمكَّننا من إنشاء جسم ثقافي معافى، بل أفرز جسمين أدبيين ندَّين متخاصمين، وُلدا وأسباب عدم مقدرتهما على العيش وُلدت معهما، فالتحزّب، والفئوية، والفردية، والطائفية الأدبية التي رافقت ولادتهما وعملهما الثقافي والتَّنظيمي، كان من الطَّبيعي أن تقود إلى تلك "المعارك الضَّارية" التي رأيناها تدور بينهما عبر الصحافة والمنصَّات، ووسط هذا الصَّخب والصراخ الإعلامي، لم يسمعوا صوت أصحاب النوايا الحسنة، ممَّن حاولوا إعادة اللّحمة للأدباء أبناء الثقافة الواحدة، والهم الواحد، وجمع الجسمين الأدبيين في جسم واحد، أو على الأقلِّ جعلهما يتعايشان جنباً إلى جنب بوفاق وسلام، وحين ذهبت محاولات هؤلاء أصحاب النوايا الحسنة هباءً، إنما ذهب معها أيضاً هذان الجسمان أدراج الرّياح.

أرى أن المحاولات التي جرت بعد ذلك، والتي قام بها عدد من الكتاب والأدباء لإنشاء جسم أدبي هنا وهناك، كانت محاولات نابعة من حرص هؤلاء على مسيرة أدبنا وثقافتا، وكذلك على جمع شمل الكتّاب حول تصورات وأفكار تساعد على بلورة رؤية ثقافية، علَّها في نهاية المطاف تنير الدرب أمامنا لكي نصل بأدبنا إلى الهدف المنشود، وقد كانت لي مشاركة في إحدى هذه المحاولات، من خلال إطار أدبي اهمَّ بإقامة الندوات الأدبية والمنصات الشعرية، أكثر من اهتمامه بما يخص العمل على تحديد الهدف الثقافي الذي يجب أن يوجَّهه نحوه الأفضل ، ولم يولِ أيضا الجانب المالي والتنظيمي أي اهتمام يذكر، وهذا ما جعله هشّاً هزيلاً لم يصمد أمام أول خلاف حدث بين أعضائه، حول تشكيل هيئاته، وممثِّليه، ورئاسته، فانفرط عقده وهو لم يزل في مقتبل العمر.

لا أكشف سراً إذا قلتُ إن هناك محاولة تجري هذه الأيام، من قبل عدد من الأدباء، لتأليف رابطة كتَّاب، وقد زارني قبل مدة وجيزة أحد المبادرين لإقامة هذا الجسم الأدبي، وأطلعني على الأفكار والطروحات التي يرونها مناسبة لإنجاح ما هم بصدده، ثمَّ دعاني لأكون واحداً منهم، وقبل أن أعتذر عن مشاركتي في مشروعهم الثقافي (لأسبابي الخاصة)، أعربتُ له عن كم ستكون سعادتي غامرة، لو سمعتُ أخبارهم الطيِّبه بهذا الخصوص، وعلمتُ أنهم الآن بصدد القيام بعقد اجتماهم التأسيسي، ولا أقدّم جديداً هنا إذا قلت: إن معظم هؤلاء الأدباء قد بلغوا حدَّ النضج الأدبي الذي إذا وازاه نضح في مجال تنظيم عمل الرابطة، وتأليف لجانها، وهيئاتها، ورئاستها، وعرفوا كيف يتلافون الأسباب والمعطيات التي أدّت إلى زوال الإتّحادات والرّوابط السابقة، فإن النجاح المبتغى، سيكون من نصيب هذه الرابطة. فهل نتفاءل خيراً..؟

المثقفون المغاربة يقاطعون : أنشطة وزارة الثقافة وجائزة المغرب


منذ عقود والثقافة المغربية تتعرض لحرب مُعلنة عُنوانها التهميش والتبخيس للثقافة الوطنية ، مقابل تسييد أشكال ثقافية غريبة عن هويتنا .. حتى تأكد أن الوعي السياسي للنخبة "الساهرة " على الشأن المغربي ، أزاح نهائيا من برامجه أي مشروع حقيقي ينهض بثقافتنا في سياق تنموي واضح .

وقد كانت للمرصد المغربي للثقافة مبادرات متعددة للفت الانتباه ووضع أكثر من نقطة نظام، ستأتي بعدها مبادرات أخرى فردية وجماعية في نفس الاتجاه ، دون أن تحرك الجهات الوصية على الثقافة أو السلطة الحكومية بالمغرب ساكنا أو تعبر عن رغبة في الإنصات وإيجاد حلول تتجاوز التدبير الارتجالي.

وبعد استشارات واسعة مع أصدقائنا من المثقفين في مجموع المغرب ، وانطلاقا من الإجماع على أزمة في التدبير انعكست على صورة الثقافة المغربية والوضع الاعتباري للمثقف والإختلالات الخطيرة ،فإن المرصد المغربي للثقافة يدعو كافة المثقفين إلى المزيد من التعبير عن احتجاجهم واتخاذ مواقف حضارية ذات دلالة من خلال :

- الإمساك عن المشاركة ، المباشرة أو غير المباشرة ، في الندوات واللقاءات الثقافية في الدورة 17 للمعرض الدولي للنشر والكتاب ( 11- 20 فبراير 2010 بالدار البيضاء .

- مقاطعة الترشح لجائزة المغرب برسم دورة 2010 في كل فروعها.

وذلك لغياب الشفافية والوضوح في المعايير وكثرة التدخلات والترضيات واحتجاجا على غياب سياسة واضحة في مجال نشر الكتاب ودعمه، والاستمرار في اتخاذ قرارات مرتجلة في النشر على نفقة الوزارة للمقربين مع تعطيل وتهميش اللجن العلمية المقررة .

ويودّ المرصد المغربي للثقافة أن يوضح للرأي العام أن دعوته لمقاطعة الترشح لجائزة المغرب وكافة أنشطة وزارة الثقافة ،تنبع من إيمان أعضائه والمتعاطفين معه على أن الرهانات الفعلية والواقعية للثقافة في العالم اليوم، تساهم في حل العديد من المعضلات الاجتماعية والسياسية ..لأن بناء الأفكار السياسية وتدبير المشاريع الاجتماعية يحتكم في المجتمعات الحديثة على منح الثقافة مكانة حقيقية في مخططات التنمية .

المرصد المغربي للثقافة

من أمراض الوسط الثقافي: هل هناك شخص خفي يكتب لك؟/ أمجد نجم الزيدي

لو أحصينا ما يكتب اليوم في المواقع الالكترونية في جميع نواحي المعرفة لرأيناه كثيرا، ربما لا تتسع إمكانياتنا لحصره، حيث تنوعت الأساليب واختلفت المشارب وتعددت الرؤى والغايات، وكذلك النوايا، إذ أصبحت الساحة مملوءة بالأسماء الجديدة والقديمة ومتوسطة القدم، مفتوحة على كل شيء، بعد أن هشم المد العولمي أسطورة الرقيب وإقليمية الإبداع، إذ فتحت وسائل الاتصال ومنها الانترنيت نوافذ بحجم العالم، لتقلب ساحات الوغى التي تعودنا على نزالاتها وصراعاتها وسجالاتها، بين القديم والجديد، بين التراث والحداثة، بين القصيدة الموزونة وقصيدة النثر، لتصبح معارض كبيرة تعرض كل شيء الغث والسمين، والبين بين، والمتلقي في لجتها مخير لامسير في الوقوف أمام ما يريد، وأصبح الكل مشغول بكل شيء، فأصبح لدينا الكثير من الصفات والتوصيفات الجديدة، منها الكاتب متعدد الاهتمامات، وكاتب التعليقات أو (أدب التعليقات)، الذي يصافح الناس كل الناس بابتسامة كبيرة وربما بانحناءة لـ (......) منهم، وظهر الكثير من الكتاب منهم الحقيقي الذي وجد صوته وفرضه علينا، وأخر يكتب لنفسه، وأخر يكتب للأصدقاءه المعلقين الذين يخافون من زعله، وأخر يبحث في خضم الكلمات عن لاشيء سوى وجود قوامه كلمات مبعثرة، خجلة، ترقص على إيقاع مضطرب لا تلظمها إلا قافية رتيبة وسط بقايا الأوزان المهشمة والرؤية الغائمة، وكل يغني على ليلاه، ولكن مع ذلك فقد فتح الباب أمام الكثيرين الذين لم يطرقوا باب الكتابة من قبل، أصبحوا مشاركين فعليين وسط لجة ثقافية مضطربة، كاتبين للمقالات أو معلقين أو حتى شعراء وقصاصين.
وظهرت أيضا الكثير من الدعوات التي تنادي بوضع رقيب على ما ينشر في المواقع الالكترونية، لان الحالة – على حسب زعمهم – قد استفحلت، من النصوص الركيكة إلى الأخطاء النحوية والإملائية والطباعية، ففقدت الكتابة رونقها الحقيقي، وأصبحت ساحة للتباهي والاستعراض، ولكني في الحقيقة لا أجد لهذه الدعوة مسوغا مقبولا يمكن أن يرضي الأطروحة العولمية، وأنا من أشد المعارضين لهذه الدعوات، ليس دفاعا عن الركاكة وضعف الكتابة، وإنما فتح الباب على مصراعيه لكل الوافدين فاسحين لهم مجالا ليعبروا عن أنفسهم، وان يحاولوا أن يوصلوا نتاجهم، أما الحكم على مدى قوة فلان أو ضعف فلان، فهذا متروك لقرار المتلقي الذي يطوف في هذا المعرض العولمي الفسيح، وأن لا نمارس عليه أو على كتابته أي سلطة نحن لانمتلكها.
وتجرنا هذه الدعوات إلى ظاهرة غريبة وخطيرة بنفس الوقت، ربما يمارسها مع الأسف بعض الكتاب أو النقاد أو المتلقين، وهي اتهام الآخرين بأن هناك من يكتب لهم، وأنهم قاصرون عن الكتابة، ولا اعرف كيف يصاغ مثل هكذا اتهام خطير، على افتراض ربما أوهمته به قراءته، وربما يكون افتراضا خاطئا، وربما نتساءل نحن هل تؤثر شخصية الكاتب أو حقيقته بمستوى النص وأدبيته، وأيضا كيف لي أن اثبت إن ما أعرضه باسمي هو لي وأن قلمي قد خطه على الورق إن ليس هناك كاتبا خفيا يكتب لي!!
بعد إن انشغل النقد طويلا بكاتب النص واعتبروه المرجع الرئيسي في التحليل، جاءت البنيوية لتحطم ذلك الفهم ونادت بموت المؤلف، واهتمت بالعلاقات الوظيفية الداخلية لبنى النص، دون النظر إلى خارجه أو محاولة ربطه بمؤلفه، لان القيمة الجمالية تكمن داخل النص، بغض النظر عن كاتبه أو حتى جنسه، فعلى الناقد أو أي متلقي أخر للنص أن لا يمارس سلطة أو دورا رقابيا سلطويا، وإنما يأخذ دوره في تفعيل الحوار صوب محاولة أغناء وإثراء التجارب الكتابية الجديدة، وأن يكون النص الكتابي ساحة للتعاطي والحوار، بعيدا عن التلقي السلبي المريض، وتبادل التهم التي لا تغني ولا تشبع، بل يجب أن يكون مشاركا فاعلا في خلق نص قرائي يليق بالتوجهات الحديثة، التي وصلت إليها عملية التلقي والحوار ، وتبادل الأدوار مع كاتب النص، حتى نتخلص من حالة السلبية، ومحاولة الارتقاء بثقافتنا وإصلاح توجهاتها..
إن الانترنيت واحة للتلاقي، للتعارف ، للحوار، لإكتساب المعرفة، لكل شيء، هي أداة ثقافية للتحريض سياسيا واجتماعيا وثقافيا، فيجب أن نتعامل معها بصورة منفتحة خالية من العقد الاجتماعية والنفسية، والنص الذي ينشر على مواقع الانترنيت ليس ملكا صرفا لصاحبه، وإنما هو ملك الملايين من القراء الافتراضيين الذين يختفون خلف شاشاتهم، واعتقد أن شخصية كاتب النص وإن كان هو الكاتب الحقيقي أم لا، لا تعنيهم بشيء، وهذا لا بالأكيد لا يعني تحريضا على سرقة جهد الآخرين أو حقوقهم الفكرية والمعنوية، وإنما التخلص من هذه الاتهامات التي تطلق اغلبها جزافا دون مبررات أو أدلة، لا تنم سوى عن سوء نية، أو نية مبيته لدى مطلق الاتهام، وهي أمراض اجتماعية ونفسية يعاني منها الوسط الثقافي..
هي دعوة للقراء الكرام والى كل من يتبنى هكذا رأي، أن ينشغل بمستوى النص وأدبيته، دون النظر إلى إن كان الكاتب هو من كتبه، أو إن هناك شخصا غريبا خفيا يكتب له.

ضراوة الحياة اللامُتوقعة: شعر وقص للكاتب الفنان السيد بولص آدم/ د. عدنان الظاهر

قررتُ ، رغم إستثنائية ظرفي الراهن ، أنْ أجازف بخوض تجربة أخرى لها مزاياها الخاصة وطابعها الخاص ومذاقها المغاير . كتاب الفنان بولص آدم خليط ما بين قصائد النثر الشعري ومجموعة أقاصيص وخواطر منها القصير جداً [ الصفحات 33 ، 41 ، 65 ] . أعترف أني أواجه صعوبات في الكتابة عن أمثال هذا الكتاب أساسها في الأصل معاناتي من صعوبة الإنتقال من جو شعري لأخر سردي علماً أنهما يمثلان نسيجاً فنياً ونفسانياً واحداً وطبيعة واحدة هي طبيعة الكاتب ـ الفنان نفسه ولقد وجدتها طبيعة متجانسة متماسكة قوية سليمة التركيب والبناء . كان السيد بولص ساحراً في سخريته ذكياً في إلتقاط شوارد الحياة وخطفات الشاذ منها شديد التعلّق بجذور ماضيه وأحداث طفولته وصباه ثم خوضه الحرب التي تورط النظام السابق في إشعالها فاحترق الأخضر واليابس . يبدوكلامه كأنه هذيان أحلام أو وساوس إنسان محموم يعاني من إرتفاع درجة حرارة جسده ـ كما قد يخال قرّاؤه ـ لكنه ضربات فؤوس مُحكمة في الأمكنة الصحيحة التي يختارها بدقة ويتحكم في نتائجها ولا يتركها لأقدارها لكأنمّا هو صانع هذه الأقدار ولا من عَجب ، فإنه هو الكاتب والممثل والمخرج حامل عدسة التصوير. لم تفارقه السينما ولم يفارقه المسرح في أغلب ما كتب من نثر شعري وأقصوصات وخواطر فطبيعته وثقافته وتأهيله هناك حيث عالم المسرح والسينما . شخصيات قصصه وباقي كتاباته ليست سويّة في طبعها وسلوكها أو تكويناتها الجسدية فهي مشوّهة بشكل ما تذكّرنا بأحدب نوتردام أو أسوأ . داحوس البرغوث مثلاً ( قصة حلاقة داخلية / الصفحة 57 ) والخال أوشانا رمّو ( قصيدة أوشانا رمّو / الصفحة 51 ) . للسيد بولص قدرة متميزة على تذكّر وتوظيف عبارات وأسماء وظواهر يلتقطها بحاسّة خاصّة هي إحدى مكونات شخصيته بل وواحدة من مواهبه الطبيعية إنتقلت جيناتها له من أسلافه [ قصائد البغل ، لحم العنزة ، الحصان القرمزي ، مخاط الشيطان ، البغل ، كعب الخنثى ] . إنه ظريف لطيف وحاد السخرية من الحياة والقدر وبعض الشخصيات المتجبّرة التي عاصرها أو خالطها أو تعرّفَ عليها أو عانى ما عانى منها لذا أفرد مساحات ليست قليلة للحروب التي أشعلها صدام حسين فانخرط فيها أو في بعضها جندياً مقاتلاً . أمضي في قراءاتي لمحتويات هذا الكتاب فأخرج برأي مفاده أنَّ نصوصه جميعاً عبارة عن سياحات الماشي في نومه ... إختلاطات ... كل شيء مُختلط بغيره وثمّة تشويشات فلا شيء إلاّ الفوضى في الحياة حيث لا من قدرة للإنسان على التحكّم بمصيره وما يجري حوله من أحداث وحوادث . الإنسان قشّة طارئة على الوجود الكوني لا مكانَ حقيقياً لها على أرض ليست له . يتذكر بولص الأماكن كخطفات حلم وومضات برق خاطف سريع العبور. إنه يمزج ما يكتب باللقطات السينمائية وإحداثي الزمن لديه ذو ممرين مختلفي الإتجاه يتبادلان المكان جيئةً وذهابا مما يوفر له إمكانيات مرنة غير محدودة للتذكّر وتخطّي حواجز الزمكان وخلط الماضي بالحاضر ولكنْ ليس في بؤرة واحدة ضيّقة محدودة في عدسة جهاز التصوير فالبؤر كثيرة مُشتتة مثل عيون الجرادة توفّر له آليات منوّعة لتنفيذ إنتقالات سريعة رشيقة من لقطة لأخرى ومن مكان لآخر ومن زمان لغيره ومن مشهد لنقيضه هي باختصار انتقالات عدسة مُخرج سينمائي .
سوداوية بولص / فنّان البُعدين
(( في حياتي ... تغلّبت الوقائع المُحزنة على الوقائع السارّة عدداً ، بل كانت الفجيعة بالذات حاضرة دائماً / الصفحة 13 من كتاب ضراوة الحياة اللا مُتوقعة )) .
سوداوية بولص آدم سوداوية ضاحكة ساخرة مسافرة أبداً لا أرض لها عائمة في إختلاط زمنيّ الماضي والحاضر فقط . إنه فنّان البعدين الزمانيين لا يرى بعداً ثالثاً إسمه الزمن القادم أو المستقبل .لقد عبّرَ الشاعر بشارة الخوري [ الأخطل الصغير ] عن هذه الظاهرة بقوله :
لم يكنْ لي غدٌ فأفرغتُ كأسي ثم حطمّتها على شفتيا
أعتقد لو أنَّ الشاعر ـ القاص ـ الفنان والممثل تمدد في هذا البعد الثالث لخفّت حدة سوداويته الكتابية والنفسية ولغدا اللون أقل سواداً وربما لتحول إلى اللون الرمادي الذي إختصه بالذكر بقوله ( العالم رمادي وهو يدنو من كارثة مُقبلة عند النجاة من كارثة حصلت بالأمس / الصفحة 13 ) . إنه إنسان الطيف اللوني الثابت . لم أجد فيما كتب بولص الكثير من الحديث عن المستقبل أو الغد ولهذا الأمر دلالات عميقة خطيرة النتائج منها فقدان الأمل بالمستقبل ولهذا أسبابه يعرفها العراقيون الذين أُجبروا على ترك العراق لأسباب كثيرة . ومنها الرغبة في النكوص الطفولي إلى رحم الأم أو التربة الأولى حيث وُلدَ الإنسان ونشأ وترعرع وحيث الأمان الأول والثبات والتشبث بالأم والأرض . ومنها إصرار المرء على المحافظة على ماضيه وحاضره ولا شيء غير ذلك فهما مضمونان ملموسان عاش الماضي وما زال يعايش الحاضر وبعد ذلك فليأتِ طُوفان نوح . جرّب يا بولص أنْ تحيا المستقبل سنجدك قد تغيّرتَ وشرعتَ تكتب شعراً آخر مغايراً لما نشرت اليوم وستتكلم عن الأم والزوجة الأصدقاء كلاماً آخر .
تستوقفني مقاطع معينة في قصائد وأقاصيص كتاب بولص من قبيل ( قصيدة جرد الأزمنة في نصوص واقعيتي الوحشية / الصفحة 5 ) :
سعادتي تقليب السواكن وترميم قناعاتي لكي لا أفنى فيحقق
الظلامُ استباحتي
وتتمنى أمّي نجاتي
وأتمنى لها ثانيةً لقائي
في الحربِ وأوهامِ السلامِ
أيام حشو مخاريط الفجر بالبارود
أكبرُ في دار حضانة الخراب
وأسجّلُ تلميذاً في إبتدائية الموت تحت سبورات
تعلوها صورة مُحمّضة في استوديو بابل .

نواجه هنا أجواء الحرب صورها بولص بلقطات بارعة منوّعة مختلفة الزوايا متغيّرة الكثافة ظلاّ وضوءاً . الظلام والأم وأمنية في لقاء ثانٍ . هي الحربُ إذاً وبارود المسدسات والرشاشات وربما قذائف المدافع بعيدة المدى . ينتقل من حرب واقعة متورط رغم أنفه فيها ... ينتقل منها راجعاً لأيام طفولته السعيدة والبريئة زمان المدارس الإبتدائية والسبورات السود نكتب عليها بالطباشير الأبيض . أما الصورة فلا يخالجني أدنى شك أنها صورة مجرم الحروب صدام حسين وكان منها الكثير معروضاً في واجهة ستوديو بابل في شارع الرشيد أوائل سبعينيات القرن الماضي . لا يكتب بولص جُمَلاً مباشرة المعنى مستقيمة الإتجاهات إنما يتبع الأسلوب الإيحائي غير المباشر مع الرمز والإشارة الذكية المركّزة بدهاء فنان سينمائي يضعُ أمامي قصائد بودلير وآلياته الخاصة في كتابة أشعاره . لم يذكر إسم صدام ولم يقل إنَّ صورته معلقة في استوديو بابل بل كان ساخراً وبليغاً في سخريته إذْ وظّف كلمة أخرى غير [ مُعلّقة ] قال بدلاً منها [ مُحمّضة ] وهذه تحتمل وجهين الأول المعنى المباشر فكل صورة لا بدَّ من تغطيس لوحها الزجاجي الموجب في سائل كيميائي خاص حامضي الطبيعة لتوضيح الصورة وظهورها للعين مرئيةً . ثم [ محمّضة ] تعني القريبة من التفسخ والتعفن أو أنها حالت وتبدّلت فتعفّن صدام حسين ودنا من حافة البلى .
الفنان والكاتب المتغرّب شديد التعلق بأهله وأقاربه وأصدقائه وحين فارقهم لم يجد مَنْ يتعلقه إلاّ قرينته لودميلا [ الصفحة 111 ] . أهدى كتابه إلى والدته بكلمتين حسبُ ( إلى والدتي ) ، ثم أهدى قصيدة الجوقة إلى ( الصديق الراحل إنتحاراً سالم إيشو ) ، وأهدى إحدى قصائده إلى عمّه إيليا ، وأهدى أخرى إلى أخيه مازن إيشو آدم .
بولص والحرب
أكادُ أقول إنَّ كتاب الفنان بولص آدم أساساً مُكرّس لموضوع الحرب وما عانى منها وما تمخّض عنها من نتائج مأساوية عليه وعائلته وبقية الشعب العراقي . لا تخلو صفحة واحدة من صفحات كتابه من ذكر الحرب إلاّ نادراً . ولقد أكثر من تردادها خاصة في قصيدة ( ضراوة الحياة اللامُتوقعة / الصفحة 75 ) التي أهداها إلى أخيه مازن إيشو آدم . ذكر بولص كلمة " حرب " في هذه القصيدة 14 مرة وهي قصيدة من صفحتين فقط . وذكر الحرب في قصيدة ( كعب الأنثى / الصفحة 81 ) ست مرات موزّعة على صفحة واحدة ونصف لا غير . فهل لذلك من دلالة أو أنَّ ذكر الحرب جاء هكذا من باب الإستطراد وملء فراغات وعن بطر يعاني منه الكاتب ؟ كلاّ بالطبع . إنه شارك مُرغماً في حروب صدام حسين مع جيران العراق غزواً أو إحتلالاً . لم يُسرف السيد بولص في عرض صور المعارك وما كان يجري في سوح الحرب من قصف وقتل وحرق وسبي ونهب ودمار لكنه إلتزم أسلوب الإشارة والرمز والسخرية اللاذعة من صدام حسين وأمثاله وحروب صدام من قبيل ما كتب في قصة ( البغل / الصفحة 31 ) وقصة ( الرئيس والحذاء / الصفحة 32 ) . كتب في قصيدة ( كعب الخنثى / الصفحة 81 ) ما يلي { نامت الحربُ فوقنا / دجاجة بركانية العين / وعند إكتمال الوقت تفقّسنا حروب جديدة } . وفي قصيدة ( هدوء في هدوء / الصفحة 67 ) إشارة قوية طافحة بالمرارة والسخرية من عبثية حروب صدام التي لم تجلب للعراق إلاّ الدمار والخراب والثبور حتى أحاله لما هو فيه اليوم وتشرّد أبناؤه في شتى أصقاع العالم وكان بولص آدم واحداً منهم حيث يقيم اليوم في إحدى المدن النمساوية . حين تطفح رئة المرء وتتوالى على رأسه مصائب زمانه يغدو ساخراً مُنكّتاً بارعاً يضحك على نفسه وعلى الآخرين مستخدماً ألفاظاً سوقية تُضحك حتى الحجر وبولص هو سيد ومخرج أفلام مآسي العراق وناس العراق وأهله وذويه في إحدى قرى الآشوريين الكلدان في نينوى [ الموصل ] . إحدى آيات تجلّي هذه الظاهرة الشديدة السخرية من النفس والناس والزمان توظيف بولص لبعض أعضاء جسم الإنسان التي لها خصائص جنسية يقتصد الناس عادة في إستخدامها إلاّ في أضيق الحدود . أخصُّ بالذكر (( الخصية )) ! . ورد ذكرها في مواضع السخرية خمس مرات أمامي منها ثلاث جاءت في الصفحات 36 ، 67 و 81 . وقع إختياري على ما ورد في الصفحة 36 في مجرى حوار بين الجندي إسخريا يونادم ، الذي يتأهب للإلتحاق بوحدته العسكرية في إحدى جبهات الحرب ، وزوجه يونيا أوراهام . نصغي لهذا الحوار الطريف المشبع بروح السخرية وذكاء اللقطات :
[[ وهبط كفها على خصيته ! تعصرُ فبدأ يصرخ :
يونيا ... كفى أرجوكِ يااااااا يونيا ...
... لحم العنزة يُلزمه طبخٌ طويل . كانا على موعد في الحمام . لم يستحمّا بقدر ما ناما واقفين في الأحضان . ستقولُ للأولاد :
/ والدكم بحاجة لتلييف ظهره ]] . من قصة لحم العنزة . حوار دافئ بل ساخن سكسي / آيروسي بين رجل وامرأته يتأهب لمغادرتها متوجهاً صوب جبهات القتال ولا أحد يستطيع التكهن أيعود لأهله من الجبهة سالماً أم أنه سيقضي نحبه هناك ولا يجد قبراً ولا أحداً يواريه الثرى .
شاوول وبولص
قصيدة " عودة شاوول " / الصفحة 83 .
قرأتُ هذه القصيدة مراراً ولم أهتدِ إلى معرفة سر وسبب إختيار الكاتب لهذه الشخصية التوراتية . ذكر فيها نينوى أربع مرّاتٍ ولم تكن لشاوول التوراتي أية علاقة بآشور وعاصمتهم نينوى . كان أحد قادة جيوش بني إسرائيل في فلسطين ولما خسر معركته مع بعض أعدائه إنتحر بأنْ أهوى على سيفه بجسده ففارق الحياة . فتّشت في التوراة عن شاوول لكنَّ وقتي لم يسمح لي أنْ أواصلَ البحث عنه وعن قصته لكي أسوق للقارئ خلاصتها وإستنتاج مغازيها . ومع ذلك ربما أستنتج مع باقي قرّاء هذه القصيدة أنَّ شاوول هذا هو الرمز التاريخي لصدام حسين ... لكنَّ هذا لم ينتحر مثل باقي الرجال بعد أنْ خسر مغامراته المتعددة بل وحوّل هزائمه المعروفة إلى نصر له ولحزبه كما تصرف بعد كارثة غزو الكويت وما حلّ بالعراق وبجيشه من دمار شامل جاء بعده الحصار الظالم . هل نقرأ شيئاً مما قال بولص في شاوول أو شاؤول ؟ حسناً ، نقرأ :
(( في ليلة البوق الأرعن
سمعتُ نفير الموت
يخرجُ من عيون الأشباح
ويغسل الديّوثُ القميءُ
عظام شاوول
يكسوها بلحم الشهداءِ
ويصبُّ من رئةِ الخوفِ
روحاً للسفّاحِ
يُطعمه رملاً أسودَ
ويمسحُ قلبه بخمرٍ أسودَ ... )) . ثم نقرأ في ختام القصيدة :
(( يا سيفي ، إلهي القدّوسِ
أنتَ عُدّتي ، لك سجودي وعهدي
أنا شاوول
لن تكونَ الأرضُ لأهل نينوى
ولا لمن إبنُ الإنسان هوى
بل لعبدكَ السفّاحِ أرضُ نينوى
لي وحدي أنا )) . أليس هذا صدام حسين ونينوى هي رمز للعراق كل العراق ؟ صدام نسخة مستنسخة من شاوول كما تذكر القصيدة ، وصدام هو المجنون المهووس بالقوة والسيف وجنون العظمة [[[ لن تكونَ الأرضُ لأهل نينوى بل لعبدك السفّاح أرضُ نينوى ]]] .
بعض خصائص هذه القصيدة
لاحظتُ في هذه القصيدة أمرين لا سابق لهما في باقي صفحات الكتاب . لمستُ فيها نَفَساً إيقاعيا عروضياً خفيفاً مُتوجِّساً يوحي أنَّ السيد بولص غيرُ ملمٍّ بعلم وأصول العروض وأحكام تفعيلاته . الأمر الثاني يختصُّ بميل الشاعر الواضح في هذه القصيدة إلى توظيف بعض القوافي للإفادة من التسجيع بالتقفية لضمان تطابق أصوات أواخر سطور القصيدة .
أمثلة :
[[ دِرعهُ الفتوى
وحله المطوى
لا يكلّمني إلاّ بغية المثوى ]] .
لا أجهدُ نفسي محاولاً فك رموز وطلاسم هذه الأقوال إذْ ليس فيها إلاّ التوظيف القصدي للقوافي وقد طغى هذا التوظيف حتى أنسانا محاولة فهم معاني هذه الأسطر القصيرة المركّزة . أواصل رحلتنا مع قوافي بولص الآشورية :
[[ جلالةَ السيفِ العظيمِ
أمهلني فُرصةً لتقليمِ النعيمِ
وطرد الأطفال من حقولِ الياسمينِ
ألاحقُ الزرعَ والضرعَ
والبشرَ والنفرَ والأرملة
القي اليتيمَ في المعصرة
والشيوخَ أحرق ألسنتهم في المبخرة
أقطع رؤوس المشاعل
وأفرّق بومض نصلك " الفلذ " من جسد الحوامل ]] .
هل هناك خطأ مطبعي في كتابة " الفلذ " ؟ ما معناها ؟
هذا هو نمط تسجيع بولص يبدو ساذجاً مُصطنعاً مُفتعلاً كأنه خطوات حذاء ( جزمة ) عسكري يوقعها بقوة العسكر وعنجهيته على شارع من الإسفلت أو المٌسفلت . يا سيد بولص ! لا تضيف القوافي ولا يضيف السجع مزايا إبداعية لشعرك فاترك فذلكاتها لسواك من الشعراء . يُخيل لي أنَّ في التقفية والتسجيع ميلاً في الشاعر للهرب من توتر الحالة الشعرية ـ النفسية فيخبئ بعض رأسه في أقرب حفرة متاحة له بحثاً عن الإسترخاء والراحة لفك توتره العصبي فيجد في القوافي ورتابة أصوات مطارق الصفّارين سلوةً ومتنفساً وأُلهية تنسيه توتره وشد الأعصاب . إنها لعبة أطفال ساذجة فاحذرها يا سيد بولص .
في الكتاب أقاصيص وحوارت طريفة ناجحة أتركها لغيري ليدرسها ويعرض خصوصياتها ومزاياها للقرّاء لأنها تستحق العناية ويستحق بولص كل الإحترام شاعراً وكاتباً وفناناً وعراقياً أصيلاً لم تنسه غربته قرى سهل نينوى ومهد أجداده الآشوريين .
إستدراك : جاءتني من الشاعر ـ الكاتب ـ الفنان السيد بولص آدم رسالتان يعرض فيهما وجهات نظره في بعض ما طرحتُ وناقشتُ من قضايا تخص كتابه ولا سيّما قصة قصيدة شاؤول ... أقتطف منهما أجزاء معينة لضرورتها ولأنها تُضيف معلومات أخرى لم تردْ في قراءتي لمحتويات كتابه أو لأنها تختلف عنها وعن تفسيراتي لها فشاؤول قصيدة بولص هو غير شاؤول بني إسرائيل وإنه ـ ربما ـ لم يقصد به الشبيه بصدام حسين علماً أني رأيته كذلك : صدام هو شاؤول بطل القصيدة إيّاها . شروح وتوضيحات العزيز بولص آدم كما يلي وكما كتبها هو أضعها بين أقواس مزدوجة . من رسالته الأولى :
[[
شاوول في النص هو شاؤول الطرسوسي في العهد الجديد وليس شاوول الفلسطيني المذكور في العهد القديم او التوراة .. كتب هذا النص
بعد الأفعال الأرهابية المجرمة ضد الأبرياء بسبب انتمائهم الديني ،
وكتب قبل سنوات ، ذلك النص يتماهى بموسيقاه مع موسيقى الديباجات
الضحلة والظلامية التي تلجأ الى التنغيم الساذج بنية استغفال العامة
، لعنة الله عليهم . واذن استخدمت ارتباكا
عروضيا ليس له صلة ببحر معين الا بالأيحاء والوسيلة سهلة هنا ،
اذ يكفي تكرار معين للأيحاء بذلك ، واشارتك بأن ذلك النص يبدو غريبا على اسلوبي في باقي نصوص الكتاب صحيحة ، لأنني قصدت
ذلك .. فاسلوبي لاعلاقة له بعالم الفراهيدي رغم انني احترم ذلك الأبداع
العظيم .. الا انه ليس ملائما لي وللكاتب نظرته وقراره في ذلك والجدل
حول ذلك كان وسيظل مسألة مهمة وجوهرية .. ارجو ان تطمئن من تلك الناحية ، فانا قد تركت تلك الشغلة للمشتغلين بها
ولي شغلة اخرى بالشغل مع اللغة في نصوصي النثرية شعرا وسردا ... اختياري لشاوول كان
بسبب ظهور تلك الشخصية في تلك الفترة في فلسطين ايام الأحتلال الروماني .. وذلك السفاح هونفسه القديس بولص لآحقا ..
اذكر هنا ملاحظة الفيلسوف ادورنو في اساليب فرض اللآمعقولية على الشكلانية
بمعقوليتها كقناع للأقصاء والألغاء وابادة الآخر بقتله ، وكأن ذلك ضروري جدا لرفعة الفضيلة !.. والأمثلة كثيرة وللأسف في بلاد سومر وبابل ونينوى .. والمستنصرية والكوفة ، والخ ..
لم اقصد صدام حسين في ذلك النص مع ان صدام ارهابي ايضا
يكفي ما كتبت عن جرائمه دون تسميته مباشرة اذ ابقيت الباب مفتوحا
للنسخ الكثيرة من الطغاة .. [[
وجاء في رسالته الثانية :
[[بالنسبة الى كلمة الفلذ فتعني الأولاد وفي النص هم الأجنة .
الفلذ اصلا هو كبد البعير ايضا وتلك نقطة لو حللناها لغويا باسلوب انثروبولوجي ، نعود الى استخدامات اعضاء من الحيوانات وانسنتها
للأيحاء بشئ لتوضيحه .. الكبد كان مهما للجسم كأهمية الجنين للأم
وكان ذلك الأستخدام جاريا في عهد الرسول الكريم محمد ( ص) .
بولس الرسول هو شاول او شاوول الطرسوسي والطرسوسي حرفيا هي الكتابة الصحيحة نسبة الى مدينة طرسوس في كليكية الواقعة في اسيا الصغرى اي تركيا اليوم ... يرد اول ذكر لشاوول في الأصحاح السابع
من اعمال الرسل في العدد ٥٩ في محاكمة اسطيفانوس ، حيث يخلع شهود الزور ثيابهم ويلقون بها عند قدم شاوول .. وفي الأصحاح الثاني
والعشرين من اعمال الرسل في العهد الجديد في خطبة بولس في اهل اورشليم ، قصة بولس اي شاول السابق كاملة وعلى لسانه وعن نفسه
تلك القصة موثقة في كتب التاريخ الروماني [[ .
المصدر
ضراوة الحياة اللامتوقعة . كتاب شعر وقص للفنان السيد بولص آدم . الناشر : الحضارة للنشر . القاهرة ، الطبعة الأولى 2010 .