عفوا، مع خالص حبى/ ايمان حجازى


المنظر نهار داخلى
حجرة مكتب أنيقة تتكون من مكتب كبير عليه كرسى بظهر طويل متحرك
بجواره شماعة ستاند
على المكتب جهاز كمبيوتر وطقم مكتب
أمامه كرسيان وتربيزة صغيرة
فى الحجرة من الجانب الآخر أنتريه مكون من كنبة جلد وعدد 2 فوتاى وتربيزة صغيرة
المكتب كله باللون البنى الغامق
للمكتب بابان
يجلس هو على المكتب بهيبته بنظرته الثاقبة يتفحص الأوراق أمامه
يرفع سماعة التليفون
يتحدث ... تعالى من فضلك
تدخل ... سيدة متوسطة العمر هيفاء ممشوقة ذات شعر أسود طويل
ممسكة بملف
يبتسم لها إبتسامة عريضة.... إستلمتى الدعوة

نعم (فى دلال)... غير أنى كنت بفكر فى عدم الحضور

إزاى ( بحدة ) دى دعوة رسمية ... ماينفعش حد يعتذر عنها
قام من مجلسه وإقترب منها ... وبشكل أقرب الى الهمس قال ... ما ترتبطيش بعد الريسابشن .. هنسهر سوى

نظرت إليه بإبتسامة أشرق معها وجهها
وأشارت له بحركة أنفها المعتادة التى تدل على موافقتها

قال ....أريد أن تكون ليلتنا كما كنا أثناء شهر العسل

هو كان شهر ؟؟؟

يبقالك عندى شهر

فضحكت ضحكة رقراقة كتغريد البلابل كإبتسام الفجر
وإستدارت وتركت المكتب
بينما عاد هو ليستكمل فحص أوراقه

**

المنظر يميل إلى الغروب
المكان منزل كبير أو فيلا صغيرة أنيقة فرشت بعناية
تزداد فيها الخضرة على الموبيليا
هو يدخل من الباب بقامته الطويلة الممشوقة
يغلق الباب ويستند عليه بظهره متفحصا من بالداخل
هى سيدة شيك جدا معتدلة الجمال جذابة أرستقراطية
يتوجه إليها يحييها ويلقى على جبينها قبلة ودودة
يستدير ليتوجه الى غرفة نومه ... وكأنه يتذكر شىء
هنام ساعة ... صحينى عشان لازم أحضر الريسيبشان فى الغرفة العامة ... كنت أحب تكونى معايا ... لكن عارف جو رجال الأعمال مش بيعجبك ...
حضرى لى البدلة الفاتحة من فضلك

مش بتقول مقابلة رسمية

نعم نعم ... بس حابب أكون مختلف
وصعد السلم بهدوء وتروى لينام حتى موعد العشاء

**

المنظر ليل داخلى
المكان حجرة نوم رائعة الجمال
فاتحة الألوان زاهية الستائر حريرية الفراش
هو مازال نائم فى الفراش
يفتح عينيه ... ينظر فيجدها تتحرك فى الغرفة تجهز له ملابس السهرة
ينزل من السرير ويذهب الى الحمام دونما كلمة
وعندما يخرج يجدها عروس جميلة مرتدية فستان سهرة أسود رائع ... يقف أمامها دون حراك ... يريد أن يسأل عما يجول بخاطرها ... ولكنها تباغته بدلال لم يعتاده...
إنت قلت تحبنى أكون معاك فى السهرة

ولكنك لا يعجبك هذا الجو

مش مهم ... المهم إنك تكون راضى , سعيد

لالالا ... أنا لا أريدك أن تفعلى شىء ع غير إرادتك

ومن قال أنه على غير إرادتى ...لم يرغمنى أحد ... أنا من أرادت إسعاد زوجها
فقد أسقط فى يده ...ولكن أمام إصرارها لم يجد بد من أن يرتدى ملابسه

**
المنظر ليل داخلى
المكان قاعة كبيرة فخمة جدا غير مزدحمة بالحضور
هى تدخل من الباب ... رائعة الجمال
ترتدى فستان سيلفر ديكولتيه صك مفتوح عند الركبة ترفع شعرها لأعلى سبانش
الجميع يقبلون عليها ... تقابلهم بالتحية ... تدور بعينيها فى المكان تبحث عنه ... لم يأتى بعد
سرحت طويلا ... وتخيلت أول مرة قابلته
وكيف إنجذبت إليه ...كيف قال إنها من كان يجب أن يقابلها منذ زمن ... هى من وجد نفسه معها ... هى من يلقى السعادة بقربها ... هى من تتجاوب مع أفكاره
وتقرأه بسهولة ... هى الحب الذى غاب طويلا ولكنه جاء أخيرا... وكيف أحست بمشاعر جياشة عميقة تجاهه... وكيف قبلت كل شروطه .. وكيف وافقت أن تكون زوجة
فى الظل ... وكيف سافرا سويا الى شرم الشيخ ... حيث أقنعت أهلها أنها فى مأمورية ... وهو أيضا إفتعل أمام زوجته أنه فى رحلة عمل ... وكيف حجزا
غرفتين متجاورتين فى الفندق ...وتذكرت كيف كانت معه وله ... كيف شعرت عندما ضمها الى صدره ... عندما قبلها لأول مرة ... لقد أذاب جبال جليد عمرها
بلمسة بهمسة بكلمة بقبلة... و تذكرت كيف كان أسبوعا هنيا قضياه سويا
فاقت فجأة على شمس أضاءت عند الباب ... فقد حضر ... شمس سطوعه أعمت نظرها لثوانى عن أن ترى من تتأبط ذراعه ... كانت قد سمعت عنها إنها سيدة مجتمع
شيك جذابة محترمة ... الكل ذهب لتحيتهما وهى مسمرة فى مكانها حتى جاء أحد الزملاء وأخذها لتحية الرئيس وزوجته
بطيئة ثقيلة الخطوات ... ولكن أخيرا وجها لوجه

أهلا ... الأستاذة فلانة المسئولة عن كيت وكيت وكيت فى الشركة

المداااااااااااااااااااااااااااااام

دارت بها القاعة ... بل الدنيا
عزلها ... كانت لترضى بالعزل عن كل الدنيا ومن كل الدنيا ... غير أن يأتى من بين شفايفه ... من لسانه
تبادلا حديث قليل مجامل ... ولا تدرى كيف إنشقت عن هذا الجمع ... أساسا لا تدرى أيحس بها ... أيشعر بما يعتمل بداخل صدرها ... بالنار التى تأججت ...
بالحيرة بالعذاب بالغيرة بكل تلك الغيرة ... جلست بعيدا تنظر اليه ...أيحبها ... إنه يجلس بجوارها ... ينصت إذا تكلمت ...يضحك إذا إبتسمت ...ينتبه إذا أشارت لشىء ...
يبادر بتحقيق أى رغبة لها ... وإطلاقا لم ينظر بعينه ولو نظرة واحدة بعيدا عنها... طالت جلستها ... أو هكذا إعتقدت ... ولما تيقنت أنه ليس هنا على الأقل بالنسبة
لها خرجت... وتركته حيث ينتمى

**

المنظر ليل خارجى
هى تمشى فى الشارع ... لا تدرى بشىء ... لا تشعر ... لا تحس ...غير بصور من ذكريات ماضى قريب
ذكريات أيام حب وعشق ... ذكريات وهم
لا تشعر إلا بآلام ... بحزن ... بجرح يدمى قلبها
ولكن لماذا ؟؟؟؟؟؟؟؟ ألم تضع نفسها فى هذا الموقف بنفسها ؟؟؟ ألم تكن تعلم ؟؟ أخدعها ؟ أكذب عليها ؟؟؟ كلا ... هو لم يخدعها ولم ينكر وجود زوجته ... ولم يعد بشىء
... غير إن هذا الموقف جاء بغير ترتيب ... لا منه ولا من أى حد ...ولكنه جرحها ... جرحها , تنكر لها ... لم يكن يستطع فعل غير ذلك ... هى أيضا لم تكن حاسبة لهذا الموقف حساب
...قررت أنها لا تستطيع الإستمرار على هذا المنوال ... ماذا لو تكرر مثل هذا الموقف ... وهى لا تستطيع الإعتذار عن حضور مثل هذه الإحتفاليات ...
ولن تستطيع تقبل وجودها على الهامش فى كل وقت فى كل مكان

**

المنظر نهار داخلى
المكان حجرة نوم بسيطة أنيقة ألوانها دافئة
وهى مازالت نائمة ... أو ربما كانت نائمة
مرهقة ... يبدو ذلك على ملامح وجهها ... ولكنها تبدو مستقرة ... واثقة م نفسها ... ثابتة
أخذت التليفون ... أدارت رقم
ألو ... صباح الخير ... أنا فلانة ... أريد بوكيه رود فخم وشيك ... مرسل الى الأستاااااااااذ فلان.... أيوة مكتوب عليه
أيووووووووووووووووووه

آسفة .. لن أستطيع الإستمرار
مع خالص حبى

شاعر جزائري يعلن "إضراباً عن الحياة" بعدما دفن دواونيه سابقاً

العربية ـ الجزائر - مسعود هدنة
أعلن صحفي وشاعر جزائري يُدعى، عادل صياد، دخوله في "إضراب عن الحياة"، بعدما تم فصله من رئاسة مشروع إذاعة جهوية شرق البلاد. وقال إن إضرابه عن الحياة يعني انقطاعه عن الحياة الطبيعية، من مأكل ومشرب وملبس وحمّام ومسكن مريح.

وأضاف "لدي مسكن محترم ولكني اليوم أبيت في الشارع، كنت أستحم كل صباح وهذا اليوم الخامس الذي لم أستحم فيه، لدي زوجة وولدان وابنة واليوم أنا محروم من رؤيتهم. أنا مضرب عن الطعام بنسبة 95 بالمئة، وسأستمر إلى أن أعرف حقيقة ما يجري لي".

وانتقلت "العربية.نت" إلى دار الصحافة، حيث "يُرابط" صياد، لتسمع منه خلفية إضرابه عن الحياة، فقال إنه نُحّي عن منصبه رئيساً لمشروع إذاعة الطارف الجهوية (الطارف مدينة تبعد 600 كلم شرق العاصمة الجزائر)، لأسباب قال إن فيها الكثير من التجني على شخصه.

الاعلامي عادل صياد ومواسة من احد زملائة واتهم المُضرب عن الحياة، مسؤوله المباشر، وهو مدير تنسيقية الإذاعات الجهوية، بـ"الإذعان" لتقرير صدر عن المحافظ السابق للطارف، يتهمه فيه بالتغيب عن العمل وبـ"الإهمال"، وعدم الحرص على انتهاء الأشغال بالمشروع الإذاعي في آجاله المحددة بصفته رئيس المشروع.

وينفي صياد التهمة عن نفسه، قائلاً إنه لا يتحمل مسؤولية التأخر في الأشغال، وأضاف أن التقرير والمحاضر التي يملكها تثبت أنه كان يوافي مسؤوله الأعلى وهو المدير العام للإذاعة الوطنية، بمدى تقدم الأشغال، التي يقول إنها كانت في مراحلها الأخيرة، وتساءل محدثنا "أريد أن أفهم من هو المسؤول عني، هل هو المحافظ أو المدير العام للإذاعة الوطنية؟".

اتهامات بـ"التآمر" لوحة معلقة في المكان المضرب فيه وقال صياد الذي كان محاطاً بزملاء هرعوا لمواساته، إنه لا يريد العودة إلى منصبه الذي عين فيه بقرار رسمي، وإنما يريد معرفة حقيقة ما جرى له. ويقول "حتى المجرمون لهم الحق في معرفة التهم الموجهة لهم، ولهم الحق في دفاع يرافع عنهم، أليس لي الحق أن أعرف التهمة الموجهة لي، وأن أسمع الحقيقة من المسؤولين، ثم يكون لي الحق في أن أدافع عن نفسي.. أنا لا أريد العودة إلى منصبي، أريد أن أعرف من يقف وراء هذه المؤامرة".

وأضاف أنه طلب مقابلة المدير العام للإذاعة الوطنية ثلاث مرات قبل أن يُنحى، لكن الأخير -يقول صياد- كان يحيله إلى مدير تنسيقية الإذاعات الجهوية، ما اعتبره رفضاً من المدير العام للاستماع له.

وقال صياد إنه كان على المحافظ السابق أن يتحدث مع المسؤولين المركزيين بخصوص التأخر المسجل في المشروع، وذكر أنه كان يفتقر لوسيلة نقل وهاتف من أجل تسهيل تنقلاته إلى المشروع وإجراء اتصالات، لكن رغم ذلك، يقول عادل، "كنت أذهب وأعاين سير الأشغال". وانتهى إلى القول "الإذاعة لا تملك نصاً قانونياً يحدد بدقة مهام ما يُسمى رئيس المشروع، فعلى ماذا أحاسب؟".

جنازة رسمية لدواوينه ولنفسه الاعلامي عادل صياد يفترش احد الشوارع معلنا اضرابة وكان صياد دفن في 20 مايو (أيار) المنصرم دواوينه الشعرية في حديقة بيته مُعلناً وفاة عادل صياد الشاعر، كما أقام بيت عزاء رسمي في منزله، وتلقى والده التعازي فيه من الأصدقاء والجيران.

وذبح والد صياد كبشين وقدم الطعام للمعزين، وحضر مراسيم الدفن جمع من الزملاء والأصدقاء، ودفن صياد دواوينة في قبر صغير بيديه.

وقال صياد إنه يخطو اليوم خطوة أخرى في الموت، وأنه يريد أن يكشف من سماهم "المتآمرين والفاشلين من السؤولين"، وأن يفضحهم ويضع حداً لهم، على حد تعبيره.

وحظي بحملة تضامن ومواساة واسعة من زملاء في المهنة ومن مدير الإذاعة الأسبق حمزة تيجيني، بمجرد اطلاعهم على خبر إعلانه الدخول في الإضراب على "الفيس بوك"، كما تعج صفحة صياد على "الفيس بوك" برسائل المواساة والتشجيع من زملاء المهنة داخل الجزائر وخارجها، فيما باشرت الصحف "حملة دفاع عن أحد أبنائها".

ووجه لوماً للمسؤولين الذين سمعوا بقضيته "ولم يكلفوا أنفسهم واجب معرفة حقيقة ما يجري"، وكشف أن وزيراً سابقاً مر بسيارته بالقرب منه ليتأكد من حقيقة الخبر، دون أن يكلمه.

ودعا المدير العام للإذاعة الوطنية إلى تقصي الحقيقة، وعبر عن استعداده للاستماع لكل مسؤول يريد الاطلاع على هذه القضية، ونفى أي نية للتراجع عن "إضرابه عن الحياة" حتى يعرف الحقيقة.

أطلال الخان/ نعمان إسماعيل عبد القادر

قصة قصيرة
تلك.. أطلال الخان لا تزال صامدة أمام الرياح وعصفها، والأمطار وبرودتها، والشمس وحرارتها.. تجاور شارعًا فرشته آلاتٌ حديثةٌ ببساطٍ أسود فراحت تدوسه آلاف المركبات دونما توقف.. تحدّق طوال النهار ومنذ بزوغ الفجر في الإشارة الضوئية المنتصبة أعمدتها في زوايا مدخل القرية القديم. خان شهد كل الأحداث التي جرت ولا زالت تجري في المناطق القريبة والبعيدة؛ إذ سمع كل الحكايات التي سردها النزلاء على اختلاف ألوانهم وأديانهم وجنسياتهم وأعمارهم. فكان يسترقّ السمع ويدوّن كل كلمة.. لكن في ذاكرته.. على حجارته.. على ذرّات ترابه.. يقول الشيوخ من أهل القرية إنه الحضارة والتاريخ، ولا بد من الحفاظ عليه ليبقى رمزًا ومفخرةً للناس أجمعين.. وأعظم حدث سطّرته الذاكرة، والذاكرة لا تبلى، حين نزل فيه السلطان سليمان القانوني في طريقه إلى القدس قادمًا من الأستانة لمشاهدة أعمال بناء أسوارها عن كثب، فاكتست حينها المنطقة بحلة بديعة استعدادًا لاستقبال السلطان. واليوم ورثت أطلال الخان ما ورثته واحتفظت بسجلات الأحداث في قوارير الذاكرة.
لكن ما حدث للأطلال جعلها تتربص للتشفي بضحايا حادث هنا أو حادث هناك؛ وما دامت أصوات المركبات تقض مضجعها. حركة السير في الشارع العام لا تزال كعادتها، الآلات تتدفق في كلا الاتجاهين دون عائق يذكر.. لكن الصوت المنبعث من مكبر الصوت المنتصب على ظهر سيارة الشرطة، وهو يأمر سائقة المركبة البيضاء التي كانت تنتظر الإذن بجانب مركبات أخرى للتحرك إلى الأمام، بالتوقف جانبًا خلف الإشارة، أثار انتباه معظم سائقي المركبات ومن فيها..
كانت في طريقها إلى الكلية.. توترٌ خوفٌ حنقٌ.. إنها المرة الأولى التي يوقفنا شرطيّ المرور. أهذا الأمر ضروريٌ الآن في هذا الصباح؟ ألا يكفينا أننا متأخرات بسببك يا مريم ولم يبق على بدء المحاضرة سوى دقائق معدودة!.. ماذا يريد منّا هذا الشرطيُّ النكد؟
هتفت إحداهن في انقباضٍ: كالعادة.. نحن العرب مشبوهون في كلّ زمان وكل مكان حتى تثبت براءتنا.. ألا تعرفين أن مناديلنا التي على رؤوسنا تشير له أن من في المركبة فتيات عربيات ولا شك في ذلك؟ ثم لماذا اختارنا نحن بالذات دون مئات المركبات؟ طبعًا لأننا من أحفاد يعرب بن قحطان..
وقالت أخرى بتهكمٍ وامتعاضٍ في آنٍ واحدٍ: يبدو أن زوجته لم تحضر له الفطور.. انظرن إلى عبوسه الذي يقطع الرزق وإلى نظراته التي توحي إلى كراهيته للعرب..
واعتادت كل فتاة أن تروي حكاية جديدة من حياتها اليومية فلا يشعرن بعناء السفر أو بثقل الدراسة وهمومها. وكانت فاطمة تأخذ حيّزًا واسعًا بحضورها من الحديث بصوتها المجلجل وضحكتها المرتفعة.
توقفت المركبة وتوقفت معها سيارة شرطة.. ترجل الشرطي وطلب بلغة عبرية أشكنازيةٍ أدبيةٍ متقنة الرخص والوثائق اللازمة فتم تلبية الطلب.. ثم خاطب السائقة قائلاً: كان ينبغي عدم السير بالمركبة في المسلك الأيسر لأن هذا مخالف للقانون ومعيق لحركة السير، ولهذا أكتب لك غرامة قدرها ثلاثمائة شيكلاً بالإضافة إلى نقاطٍ أربع تسجل في سجلك الخاص في دائرة السير..
- ولكننا نحن طالبات في الكلية ولسنا من المجرمين ولا من المخالفين للقوانين ثم لماذا تعتبر السير في المسلك الأيسر مخالفًا للقانون ما دام الشارع فيه مسلكان في كل اتجاه...
أجابها مقاطعًا بصوتٍ مرتفعٍ دون أن يعطيها الفرصة لإكمال حديثها:
- ليس من شأني إن كنتن طالباتٍ أو مدرّساتٍ..
ثمّ أتم تحرير المخالفة وسلّم أوراقها لسائقة المركبة وسار كلٌّ في طريقه..
حدّقت إحداهن في الأوراق وهتفت في جنونٍ:
- ملعون هذا الشرطي يتحدث معنا بالعبرية ويتستر ببزته العسكرية حتى لا يفتضح أمره.. هو عربيٌّ وابن عربيٍّ ويعاملنا بهذه القسوة.. انظرن إلى توقيعه وختمه.. اسمه رفعت حليمة.. نعم من عائلة حليمة ومن قريتنا المجاورة.
وشهدت على تلك الواقعة أطلال الخان...


اغتيال براءة...عودة براءة/ ميمي أحمد قدري

يبحر قلمي في دنيا وآخرة طفل... طفل في الثانية عشرة من العمر...رأيت وجهه رؤية العين في صفائها...
رأيت جسده... نحيفاً...أسمر اللون...كتراب بلدي... حزين الملامح...جسده مسجى أمامي لا حياة فيه...على فراش أقل ما يقال عنه أنه للنوم فقط...
فراش مجرد أن يضع جسده المتعب عليه يشرد بعيداً ويسبح في أحلام الطفولة...تلك الأحلام البسيطة...
أحلام لم تتجاوز اللهو واللعب للعثور على لعبة يمنّي بها النفس...وإن بالغت كثيراً في القول لم تتجاوز دخول المدرسة لنهل العلم ومصادقة أقرانه والشعور بأنه يحيا بينهم حياة عادية تخلو من الإسراف والبذخ...
كل ما أراده استنشاق هواء نظيف غير ملوث خالٍ من الغبار والسموم وهذا حق طبيعي لكل طفل بعمره...
ولكن هيهات هيهات هيهات...فقد حكمت عليه الأقدار والناس، أن يكون غير الجميع... فهو طفل لم يتعلم كيف يلهو ويلعب .... لم يتذوق راحة البال ولم يحس بطمأنينة النفس...لا ولم ينعم حتى بالنوم في كنف أبيه والاسترخاء في حضن أمه...
كيف يكون له مثل هذا أو ذاك أو كليهما وقد كان وليد الفقر المتقع!!؟...
وكيف يكون له مثل هذا أو ذاك أو كليهما ووالداه كانا على الدوام مشغولين بالسعي في دروب الدنيا الصعبة والوعرة لتأمين لقمة العيش لنفسيهما له ولأخوته وأخواته مع قليل من الكساء وما يسد رمقهم وحاجاتهم الضرورية ً!!؟
يالله يالله يالله...يا لهذا الفقر اللعين الذي قال عنه الإمام علي }عليه السلام{:"لو كان الفقر رجلاً لقتلته ..." يا له من عدو لعين للإنسان والإنسانية!...
نعم إن الفقر هو الذي سلب منه السعادة وترك له الأحزان...وهو الذي نحاه بعيداً عن حياته وعن أحاسيسه ومشاعره إلى درجة حرمانه من الشعور بدفء الفراش الذي كانت غرفته التعيسة بالأصل خالية منه كخواء معدته من الطعام وخواء قلبه من الحب والطمأنينة...
فنادراً ما قُرت عينه من نوم وسُد رمقه من جوع واطمأن قلبه من شعور بالحب...
كان يودع ليله ليستقبل نهاره كما ودعّه هو الآخر بدون جديد يفرح به أو يتفاءل به، في حين كان يرى بعضاً من أقرانه حوله يتذمرون ويشكون من التخمة...تخمةٌ من كثرة الطعام وتخمةٌ من كثرة الملابس وتخمةٌ من كثرة الدلال من ذويهم...
تساءل على الدوام عن الفرق بينه وبينهم ليشقى وهم ينعمون، فلم يجد الجواب الشافي سوى القبول بالقدر...
مسكين هذا البائس لم ينعم بلمسة حنان...أو حضنٍ دافئ...وكم اشتاق لرحمةٍ لم يجدها...أين يجدها..؟ أين يجدها..؟
كانت أحلامه أن يكون كأقرانه يلهو ويلعب ويتعلم ويأكل... يشعر براحة جسده أثناء النوم ... يستيقظ من نومه ليجد نفسه هو كما هو...ذلك الطفل ابن الثانية عشرة الذي سرق...نعم سرق... يا للهول ماذا سرق..؟ سرق "باكويين" من الشاي فقامت الدنيا ولم تقعد وزلزلت الأرض زلزالها...حوكم وسُجن وعُذِّب وقُتِل...نعم قُتل تحت التعذيب ورجت الأرض...نعم نعم قتلوه.....أراه الآن بين الملائكة يحقق كل أحلامه...كل ما حلم به وما لم يحلم به في الحياة الدنيا...أراه فرحاً في جنة الخلد...يضحك ويشعر بالحب ويلهو ويلعب...ويا للعجب فإني أرى جسده وقد أمتلأ نوراً وبياضاً وملامحه قد تبدلت واكتست سعادة وفرحاً وسروراً...ويا لإبتسامته الملائكية الطاهرة التي غابت عن وجهه في الحياة الدنيا مرةً قط!!...
فرحتُ لك أيها الطفل...يا من كنت في الحياة الدنيا مظلوماً ومسلوب البراءة ويا من أصبحت الآن عند ربك ملاكاً في ملكوته...فطوبى لك يا من اغتيلت براءتك وأراها الآن تعود إليك...طوبى لك ويا فرحة قلبي.
القاهرة/أيلول 2010

يوم لك... ويوم عليك/ ليلى حجازى


إذا ذهبت إلى البحر .. سوف تراه تارة ينظر إليك بصمت .. ويسمع لك ويصاحبك في رحلاتك ... وتاره أخرى تراة يصرخ في وجهك ويعاتبك بكل شراسه وقوة .. وفي بعض الأحيان يأخذ منك حياتك .. وتصبح مسافر إلى الابد دون رجعه هكذا هي الحياة ...
الحياة تاره تراها هادئه وتنعم بهدوئها وسكونها ولكن بعد هذا الهدوء هناك عاصفه تعصف بك وبحياتك ... ويصبح عالمك كالشخص الذي أصابه عجز ولا يستطيع الحراك ...

يوم لك ...... ويوم عليك
دائما نبحث عن القوة في داخلنا ودائما نبحث عن الصبر والطاقه التي تجعلنا نتحمل كل مآسي هذه الحياة ... عندما نكون بعيدين كل البعد عن الصعوبات .. هذه الحياة .. تتعب الألسن من مدح ذاتنا .. وتتحدث عن الصبر .. والإيمان والقوة والطاقه الكامنه في داخلنا ... من غير توقف .. ولكن عندما تجرفك مياه هذه الحياة إلى قاعها ... يسأل عقلك وقلبك .. لسانك ... ؟؟؟؟

أين أنت الآن ... ولما لا تفعل ما كنت تتحدث عنه ؟؟؟؟؟
الحياة .... لا تحب الانسان الضعيف ... والذي ينهزم من أول عقبه تكون في طريقه و أول زله ... يضع يديه على رأسه .. ويبدأ بالنوح والبكاء .. بلا توقف ... ولا يعلم بأن هذه الحياة هي دار أختبار ...

كن قويا ... مع إيمانك .. كن يقضا ... لأن الحياة ليست دائما معك .. في بعض الأحيان تخونك .. وتكون ضدك مع أعدائك ....

"لا تتحدث وتتباها .... و تصبح لقمه للحياة .. كن أنت من تصنع هذه الحياة ويأكلها "
درس يجب علينا تعلمه من هذه الحياة .... فلا تثق بها .. وكن حذرا منها ولا تحزن فالبلوى تمحيص والمصيبة بإذن الله اختبار والنازلة امتحان وعند الامتحان يُكرم المرء أو يهان ماذا عساه أن يكون سبب حزنك ؟

إن يكن سببه مرض فهو لك خير وعاقبته الشفاء وإن يكن سبب حزنك ذنب اقترفته أو خطيئة فتأمل مولاك الذي هو أرحم بك من نفسك
وإن يكن سبب حزنك ظلم حلّ بك من قريب أو بعيد ، فقد وعدك الله بالنصر ووعد ظالمك بالخذلان والذل وإن يكن سبب حزنك الفقر والحاجة ، فاصبر وأبشر وإن يكن سبب حزنك انعدام أو قلة الولد ، فلست أول من يعدم الولد ولست مسؤول عن خلقه إنه إن فعل كان معترضاً على الله لا عليك ومغالباً لحكم الله ومعقّـباً عليه فعلام الحزن إذن والأمر كله لله

لا تحزن مهما بلغ بك البلاء ! وتذكر أن ما يجري لك قضاء يسري وأن الليل وإن طال فلا بد من الفجر

لا تحزن .. وافزع إلى الله بالدعاء ..
تضرع إلى الله في ظلم الليالي ..
وأدبار الصلوات .. اختل بنفسك في قعر بيتك شاكي إليه .. باكي لديه ..
سائل فَرَجه ونَصره وفتحه .. وألحِّ عليه.. مرة واثنتين وعشراً فهو يحب المُلحين في الدعاء ..

فتوكل على الله ولا تحزن وكن قويا وكن جبلا لا يهزه ريح ومرة اخرى احب ان اقول الارادة تصنع المستحيل مع الصبر والايمان


من نوادر المعلمين/ نعمان إسماعيل عبد القادر

قصة قصيرة جدًا
في الحقيقة كنّت أسمع دائمًا وكثيرًا ما كنت أسمع أنه مدرّسٌ أكل من لحم الدهر ومن دمه شرب، ولم يقدّم لطلابه سوى القليل منذ أن انخرط في سلك التعليم.. تدور الشائعات أنه إذا أجرى لهم اختبارًا ما، منهم من يكتب له أغنية ومنهم من يكتب قصة ومنهم من لا يكتب إلا الأسئلة ذاتها، ويفوز الصارخون فيهم على علامات عليا. حين التقيته أول مرة، وجدته يحسن النميمة ويتقن الغيبة ويتفنن في الخوض في أعراض الناس، ويتلذذ في إسماع صوته، فيشرع في ضرب الأمثلة والتزوّد بالبراهين والحجج حتى يخرج السامع بانطباع أن الرجل خاض التجارب على لحمه وعظمه قبل أن يجربها الآخرون في حياتهم.. لبق اللسان، علامة في الفقه، بحر في اللغة، نيوتن في الفيزياء.
زرته يومًا في الفصل الذي يدرّس طلابه فيه فوجدته يطارد طفلاً صغيرًا خطف نظارته الشمسية، فراح يلاحقه من زاويةٍ إلى زاويةٍ ومن ممرٍّ إلى ممرٍّ، يصرخ ويهدد ويتوعد. وكان تشجيع الأطفال على أشدّه مصحوبًا بالضحك والهتاف والتصفيق...

تماثيل كريستالية/ زياد جيوسي


حين التقيت الكاتبة رشا عبد الله سلامة، كنت ألتقي شابة بالكاد تجاوزت من عمرها خمسة وعشرين سنة، وحين بدأت القراءة في روايتها الأولى (تماثيل كريستالية)، كنت أتخيل أني سأغوص في رواية تتحدث عن قصة حب أو مشكلات الجيل الشاب، ولكني فوجئت بالموضوع المطروح في الرواية، ومدى الاطّلاع على تجربة تحتاج أكثر من ضعف عمرها حتى تكون في صورتها، فحين أهدت لي روايتها بكلمات رقيقة تدل على روح متواضعة، بدأت كعادتي التدقيق في الإهداء، فأنا دائماً أقول: إن الإهداء يعكس صورة عن روح الكاتب. وهنا كانت الكاتبة تتمثل بالإهداء، فهي أهدت روايتها: "إلى روح جدي عبد الله سلامة الكبير"، وتابعت بقولها إلى: "روحه التي ما تزال تحرس جنبات (الحاكورة) الثكلى في أبو ديس"، وأكملت بقولها: "إلى كل من ذرف قلبه قبل عينيه دموعاً حارقة على بقايا فلسطين المتآكلة يوماً تلو يوم، إلى الوطن المكلوم والشتات المستفحل، عسانا نعود يوماً، فننقش بالحناء والمسك خاتمة الحكاية". في هذا الإهداء، وقبل أن أغوص في الرواية، وجدت الروح الشابة المتألمة مما تراه، حيث نراها تتحدث عن "بقايا فلسطين المتآكلة يوماً إثر يوم"، وحين بدأت في الرواية وجدتها تبحث عن سر تمزق الحلم الذي بدأ بانطلاقة ثورة، وسقته دماء شهداء، وأنات أسرى، ودموع أمهات، رغم عدم فقدانها الأمل في قولها بصيغة التمني: "عسانا نعود يوماً".

ثلاثة شخصيات بدأت الحديث عن كل شخصية بشكل مستقل في الفصل الأول، وسارت على النهج نفسه في كل فصل من الفصول، لتواصل الحديث عن كل شخصية بشكل مستقل في الفصول الستة، بحيث ظهرت الرواية وكأنها ثلاث روايات في دفتي رواية واحدة، يربط شخصياتها خيط واحد؛ فلسطين، وشعب خرج الثلاثة من رحمه، ومثّلوا من خلال الشخصيات انعكاساً لحالة شعب بأكمله.

الشخصية الأولى: هي أبو صقر الذي يعاني من نوبات هلع لا تتوقف منذ ثمانية وعشرين سنة متواصلة، والذي هبط على مخيم عين الحلوة بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، ولا يعرفه أحد فهو "وحيدًا كان وما يزال.. لا أهل له.. ولا مستقبل يلوح..". واختيار اسم أبي صقر لم يأت عبثاً، فالصقر يمتلك قدرة كبيرة على الرؤية والقنص، وظهر هذا جليّاً حين علم بوفاة الصيدلي فؤاد، فأبو صقر مثل الفدائي الفلسطيني الذي التحق بالثورة منذ البدايات، وأصيب بالصدمة بعد خروج الثورة من لبنان وانتهاء مرحلة عاشها بعنفوان.

الشخصية الثانية: خليل الفلسطيني الذي هاجر وأثرى ثراءً فاحشاً، حمل جنسية أجنبية؛ "أربعون عاماً مضت هي آخر عهد خليل في البلاد العربية، أقسم قبل هجرته بألا يعود لأي منها ذات يوم، وأبر بقسمه بإصرار". إنه مثال على مَن تخلى عن تاريخه وتراثه ووطنه، وعن مخيم الدهيشة قرب بيت لحم الذي كان لاجئاً به، وحتى بلدته السنديانة التي هجر منها أهله، ووالده الذي استشهد على يد الاحتلال، وحتى عن الحلم بالوطن، فهو "كان مبتوراً من كل شيء.. لا قلب.. لا اشتياق.. لا بشر من جلدته.. ولا حتى أي شعرة سوداء تدفئ رأسه المكسو بالبياض"، ومع هذا تثور ذاكرته، ويتدفق الدم في شرايينه بقوة بمجرد رؤيته صدفةً حاجّة ترتدي الثوب الفلسطيني المطرز، ومع هذا كان المال يعنيه أكثر من الوطن، فلا يمانع أن يكون جزءاً من الترويج ضد المقاطعة لمنتجات المحتل في الوطن العربي، رغم ذكرياته عن زوجته وأبنائه الذين فقدهم في هزيمة حزيران.

الشخصية الثالثة: الأسيرة المحررة.. ونلاحظ هنا أن الكاتبة تركتها بدون اسم، ولم تعرّف عليها سوى أنها من العباسية، وأصبحت مهاجرة في مخيم خان يونس، وهذه كانت خطوة ذكية حتى لا يتم إسقاط الحديث على شخصية محددة، ومن المخيم خرجت إلى تل أبيب (تل الربيع) لتنفذ عملية نضالية، ولكن الكاتبة استخدمت كلمة (الرفاق) كثيراً كلما أشارت إلى تنظيم الأسيرة التي تنتسب إليه، ما يدلّ على أنها عضو في تنظيم يساري، ومع هذا تتعرض لمحاولة اغتصاب من قائد متقدم في تنظيمها وهو في حالة السكر، وفي تلك اللحظة "انهارت تماثيل (العتاولة) الكريستالية"، فـ"قد تبرّأ منها أولئك الذين ساهرت وناجت بطولاتهم ليالي طوال من معتقلها"، و"هناك في بيروت، رأت بأم عينيها انهيار التماثيل الكريستالية التي عكفت طوال سني اعتقالها على نحتها بعناية وتجل"، لتعود إلى وعيها وتصرخ دوماً: "اللي بدّه تمثال كريستال يعمله لفلسطين الخريطة بس"، وتتزوج من أسترالي "كانت قبله قد ضاقت ذرعاً بالرفاق الفلسطينيين والعرب"، ثم تذهب للعيش في دولة خليجية، بعد أن تكون قد "كفرت بتماثيل الكريستال التي نحتتها وكثيراً من رفاقها ليالي طوال".

كانت هذه الشخصيات المتوازية في الرواية، وأما باقي الشخصيات التي مرت في الرواية فهي كانت تمثل من خلال إشارات في السياق ما تمثل؛ فخليل الصيدلاني وأبو ملحم وأبناؤه والممرضة وغيرهم، مثلوا التضامن والتعاطف لدى أبناء عامة الشعب، بينما السجانات والمحقق مثلوا الاحتلال، والعشيقات والأسماء الأجنبية مثلوا حالة التأثير على من يتخلى عن هويته وماضيه.

من خلال هذه الشخصيات الثلاث، كانت مسارات خطوط الرواية المتوازية، خاضت فيها رشا سلامة بعمق تلك الأرواح والرموز، فكل حالة مثلت شريحة من الشعب الفلسطيني لا يمكن أن ننكر وجودها أبداً، حتى إشارتها لواقع الشعب الفلسطيني بعد قيام السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو لم تغفل الإشارة إليه، ولكن كان واضحاً ومن خلال السرد الذي دخلت من خلاله إلى أعماق تلك الشرائح، مقدار الألم الذي يجول في روح وجسد الكاتبة وهي في ريعان الشباب، وإن كانت لم تتخلّ عن الأمل بالمطلق من خلال شخصية شاب يصر أن يقاتل، ويرفض فكرة مطروحة في الآونة الأخيرة: "بدهم مقاومة سلمية"، ومن خلال الممرضة التي تمسكت بأبي صقر الذي مثل حالة سابقة هي مرحلة الثورة، والذي طرد وهو يعاني المرض، فتصرخ في وجه خالها: "سلمولي على الشرف اللي بتتذكروه بس تشوفونا".

وحقيقة، ورغم تألق رشا سلامة في روايتها الأولى، إلا أن هذا لا يعفيها من العديد من الملاحظات، ومن هذه الملاحظات أنها لم تصور سوى السوداوية المطلقة في الواقع الفلسطيني، ولم يرد الأمل إلا في حالتين عابرتين كما أشرت أعلاه، وهذا لا أراه ينطبق بدقة على الواقع الفلسطيني وأنا من يعيش تحت الاحتلال ويرى الكثير، كما أن شخصيات الرواية كانت كلها من لاجئي النكبة الذين تشتتوا بين المخيمات، وهذا الفصل بين أبناء الشعب الفلسطيني أعتبره نقطة ضعف كان يمكن تجاوزها، فمن قاتلوا وناضلوا وحتى الذين سقطوا أثناء المسيرة، مثلوا الشعب الفلسطيني بأكمله، وأيضاً حصر ما تعرضت له الأسيرة من قادة في تنظيم يساري هو تحيز غير مقبول، فتماثيل (الكريستال) وجدت في كافة التنظيمات، وهناك قصص كثيرة وحكايات يعرفها الكثيرون ممن عايشوا تلك المرحلة وامتدادها حتى اللحظة وإن لم توثق لأسباب شتى، إضافة إلى ذلك أن عبارة أحلام مستغانمي في بداية الرواية، وقبل صفحة الإهداء، والتي تقول فيها: "لا أصعب من أن تبدأ الكتابة، في العمر الذي يكون فيه الآخرون قد انتهوا من كل شيء"، هي فكرة قد لا تنطبق على ما تحدثت به الرواية، فقلة نادرة تحدثت عن تلك المرحلة، وأخطاء تلك المرحلة ما زالت تتواصل، علماً أن رشا قد رصدت مرحلة لم تعشها بنفسها بحكم العمر، لكن قراءة أخطاء تلك المرحلة لم تبدأ بعد، وربما تكون رشا سلامة من القلة الذين علقوا الجرس وبدؤوا بالدق على جدران الخزان، لعل أحداً يسمع.. رغم إنهائها الرواية بعبارة: "ليل ما فتئ يسلمه لليل.. بلا كلل..".


ترانيم الوَضوء في ناصيتي؟؟؟/ أحمد ختاوي


قصة
الجزائر

عكفت دجلة على وهج نواصي الصخرة عبر الأزمنة... على نسج خيوط الفرح والوهن .وغفت .على ترسيم معالم الماء ليعانق الوَضوء.بين الناصية والنواصي .. بينها وبين الصخرة. ..
الحدود بين الماء والوَضوء مسافة الوُضوء .. مسافة ماء دجلة ودهاليزها ..وجمالها ومهرها
من خوّل لدجلة أن تستفيق من سباتها لترش ماءها بالوَضوء في غسق الليل على مشارف الصخرة ،قال واستدار.
شعرُ دجلة أشعث يحتاج إلى وضوء بالوَضوء على قمم الصخرة ..قال واستدار.
. عقب الارتجال جاء الغطاسون إلى دجلة ليعاينوا شعرها..قال واستدار
لا كهرباء ولا بنية تحتية .. ولا سقف .. ولا ماء ولا مواد للغسيل.. بأعماق دجلة سوى التتار والمداد الذي سبغ دجلة وزفها عروسا للدمار ذات دهر آسن .. كدّر نعاسها بالحمإ المسنون ..
من بشوي ماءها على الجمر لينعتش الشبوط بها ، سوى التتار..سوى النار.
.ذات مرة عذب ماءها بلون المداد مثلما تلظى هجير الصخرة . . واستدار
من يجلده حتى لا يصلح للوضوء ، من يغير بشرته من السرمدي إلى السرمدي إلى السرمدي...إلى اللون البلوري للصخرة؟؟ عيون الجاحظ الجاحظة ..؟؟
حتى الآن لا أحد.
. لا أحد يجرؤ ماعدا الماء ذاته ، ينقل لونه من لا لونه القزحي السرمدي إلى لونه البلوري
من يلتحف عراء الماء في دجلة لتظهر نجومه.
قال واستدار.
تغوص في الماء عاكسة لونه الشاحب .. تعصر شعرها الأشعث .ترشقه بخائنة الأعين . ببقايا " الحناء " في يدها المخضبة .. ترشقني أيضا. .
للماء ذيل كذيل الكلب ، كذيل العَقاب في السماء ..كأطياف الأرض .كذيل الجواد " الأبلق" " .
التحفتْ دجلة صمتها وانكمشت ، فيما غمغمتُ .. رمقني .. قال " ما خطبك أنت َ" قلت : جئت أخطب دجلة ، أخطب نواصي الصخرة .. أعرض مهري كما " الخطّاب " لي " مائة ناقة وخمسون بعيرا وانفلاق السماء..وبعض المعجزات..وخاتم من فضة .. رشقني بخائنة أعين .. واستدار...
كانت تطل من شرفة الماء.. من أعلى القبة قبل أن تلج الماء كعروس البحر .. نقعت ماءها في خجلها .. احمرت وجنتاها ، مررت يدها الناعمة على شعرها .. مسحت خصلتها( سأنظر إليك يوما قالت واختفت) ..أثثها بناظري ، كسوتها بخزانة من الخشب الخالص ،ألبستها حرير " الصين "اللماع" .. دثرتها بمائها الدافئ بعد العناق ثم تزوجتها .قاسمتها شظايا الغمام .. تزوجتها بالقيافة ، بعلم الأنواء ،بالفروسية والأنساب..بما تيسّر من " الحب " أهديتها هذه المرة خاتما من لهب . وحصانا "أبلق "وتوصيات اجتماعات جوفاء لصالح "غزة " والدة الصخرة ..؟؟؟؟.
كانت أطيافها عناصر من ذاتي ، تشكل وجداني المتنامي ..اللامنتمي كالأبلق ...ساروها الشك في أنني غير صادق ، راحت تمتص رحيق القطران والمداد واعتقدت أنني أغازلها من شرفات الرشيد ، أحست بالوجل ، وخيبة الأمل .أعادت لي خاتمي وخيبتي وبعضُُ من وبرِ خيمتي ..ومعجزاتي ..قالت / لن تبلغ مهري حتى تستحضر " أبلقك " أو تغمسه في الماء . أو أن تقطع شوطا أو أكثر بين القبة والصخرة.
لا أستطيع ، "الأبلق " يحمل في العد " عشرة" يحتمل كل الألوان .. أبلق أحمر... أبلق بنفسجي، هكذا تقول الأصول ، أردفتُ الصخرة : لا أقوى.
لا يهمني أردفت ْ.أو على الأقل ترويه من مائي . تروي الصخرة من عشقي وألقي ... ثم توارت مرة ثانية بعد أن طفت على مائها على عجل
كنت صادقا ، فيما كانت خجولة إلى حد الطهارة .. تنهدتْ حين استدرجتها للحديث ، من دجلة إلى دجلة ،من الصخرة إلى الصخرة حيث كنتُ أختبئ كالماء / الوَضوء . كالشهب . وكانت تختبئ كالشبوط ،
توسّط( الظاهر بيبرس )(1) قال " قصري " الأبلق " لكما. ..
أبت ْ ...قالت / أنت الذي ترشقني على مدى الدهر بخائنة الأعين ..أنت الرجل الذي استدار
قال كنت أباع في الأسواق . لم أكن أنا .. كان ((جنكيز خان )) (2)
توسط الأيوبي .. توسط بن مروان ...
ولو يكن ..قالت ..دجلة .. ضحكت . عدلت ْ .ثم استدارت ...
تزوجتني.
كان مهري هذه المرة "مُدّا " من أرق ...من عشقي للصخرة ،لغسقها في مغارتها .. لنورها .. وكنت أنوي إقامة زفافي ( بعين جالوت )(3) بباحة الأقصى. ..
.اغتسلتُ بالماء / الوَضوء(4) ..اغتسلتْ به
لم أر منها ولم تر مني .. فقط بالهمس والهمز واللمز مثلما لا يتوانى غيري مع الصخرة . كنتُ بأغوار مياهها أستحم .. .كانت به قبة الصخرة(5) تذرف دمعها..كنت أعرج منها إلى ناصيتي ..لم أبرح أعمدتها الأربعة ...ا

*******.

هوامش/

1/ الظاهر بيربس رابع سلاطين الدولة المملوكية .
ومؤسسها الحقيقي
2/ جنكيز خان ملك منغوليا وقائد عسكري
3/ عين جالوت / ( المعركة / معركة عين جالوت الشهيرة
4/ الوضوء ( بفتح الواو الأولى : الطهور / النظيف ./
5/قبة الصخرة ..


سحب جائزة "الشيخ زايد" من كاتب جزائري لاتهامه بالسرقة الأدبية

دبي – أحمد الشريف، العربية.نت
أعلنت اللجنة المسؤولة عن جائزة الشيخ زايد للكتاب الثلاثاء 26-10-2010 عن سحب الجائزة الممنوحة للكاتب الجزائري الدكتور حفناوي بعلي، بعد اتهامات له بالسطو على إنتاج مؤلف آخر.

وقالت اللجنة المنظمة للجائزة في بيان تلقت "العربية.نت" نسخة منه إن ماورد في كتاب بعلي الفائز بجائزة عام 2009 "تجاوز حدود الاستشهاد والاقتباس وتحول في سياقات عديدة إلى الاستحواذ على جهد الآخرين مضموناً ونصاً".

وفي حديث مع قناة "العربية" قال الأديب السعودي عبدالله الغذامي:"ما حدث كارثة هو بكل المعاني الأخلاقية والعلمية ولكان الأمر يتعلق بي شخصيا لتسامحت وصفحت ولكن القضية تمس جائزة الشيخ زايد للكتاب القائمة على تأسيس ثقافة الكتاب بأخلاقيات حقوق الملكية الفكرية والمنهجية العلمية ولذلك من واجب الجائزة أن تحامي وتنافح عن رمزيتها ومقامها ومصداقيتها وتتخذ الاجراء الذي يتفق مع درجة الخلل ونوعيته".

ولدى سؤاله عن كيفية الخلل الذي حدث، قال: " الهيئة الاستشارية ليست هي التي تقرأ أو تعمل التقارير، حيث هناك لجان متخصصة تقرأ 700 كتاب لتوزع على جوائز في 9 قطاعات ولكل جائزة 3 محكمين يعدون تقاريرهم ثم يقدموها للهئية الاستشارية لتقرر، وما حدث هو خطأ بشري تماما كما يحدث مع الطبيب الذي قد يرتكب خطأ قاتلا ولكنه يبقى في حدود الخطأ البشري، وأنا اعترف بوجود ذلك الخطأ والجائزة حاولت أن تعالج تلك القضية وذلك ما حدث بسحب الجائزة".

وأضاف: عندما علمت بما حدث كانت الصدمة القوية ولذلك لم أستطع أن اتابع الأمر وطلبت من أمانة الجائزة ابعادي عن جميع المداولات توخيا للموضوعية والحيادية ولم أقرا حتى اللحظة البيان الذي صدر بشأن سحب الجائزة، والموضوع هو بالنهاية حق علمي للجائزة من جهة وللمؤسسة العملية الثقافية في الوطن العربي من جهة أخرى".

وأعرب عن حزنه وتعاطفه لما حدث للباحث الجزائري قائلا أن الإنسان لا يعرف بأحزان غيره مضيفا: "ليس بيدي شيء والمسألة ليست شخصية بل هناك حقوق علمية وفكرية يجب أن تؤخذ بالاعتبار".

السطو على جهد الآخرين
وكانت مواقع وصحف جزائرية وعربية نشرت اتهامات من الناقد المصري عبد الله السمطي، للدكتور الجزائري حفناوي بعلي، يفيد فيها أن "كتابه (مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن) فيه سطو على الدكتور عبد الله الغذامي، صاحب كتاب (النقد الثقافي..قراءة في أنساق الثقافة العربية)".

ونشرت صحف جزائرية الانتقاد تحت عنوان (ناقد مصري يفجر قنبلة سرقة فكرية بطلها جزائري)، و(ناقد مصري يتهم حفناوي بعلي بالسرقة الأدبية).

وقال السمطي "إن الجزائري حفناوي بعلي يسطو على كتاب النقد الثقافي للغذامي ويفوز بجائزة الشيخ زايد للكتاب، وإن اقتباساته كانت بالجملة"، مضيفا "لم يكتب في هذا الإصدار الذي نال به أكبر جائزة في الوطن العربي تمنح للكتاب، غير اسمه والعنوان الجديد للإصدار" مطالبا بسحب الجائزة منه.

وقال بيان الجائزة "ورد إلى جائزة (الشيخ زايد للكتاب) العديد من الملاحظات من قراء ومتابعين للجائزة تشير إلى مآخذ منهجية اشتمل عليها كتاب ( مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن) الحاصل على جائزة فرع الآداب بالدورة الرابعة (2008-2009) لصاحبه الأستاذ الدكتور حفناوي بعلي".


إجراءات للتحري وأضاف "باشرت الجائزة باعتماد سلسلة من الإجراءات للتحري في أمر الشواهد والاقتباسات التي بني عليها المؤلف كتابه، وعلى مدى امتثالها للأعراف العلمية السائدة من خلال لجنة خبراء متخصصين، وقد تبين للجائزة بعد كل التحريات أن كتاب ( مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن - الدار العربية للعلوم ناشرون - منشورات الاختلاف - الطبعة الأولي 2007) رغم طرافة موضوعه وغزارة المادة النقدية التي تضمنها - قد ساده منهج في عرض مادة النقد الثقافي تجاوزت حدود الاستشهاد والاقتباس وتحولت في سياقات عديدة إلى الاستحواذ على جهد الآخرين مضموناً ونصاً".

وتابع البيان "بناء على ذلك، وحرصا على الأهداف التي من أجلها أنشئت جائزة الشيخ زايد للكتاب والتي تمنح للمبدعين من المفكرين والناشرين والشباب عن مساهماتهم في مجالات التأليف والترجمة في العلوم الإنسانية، ذات الأثر الواضح في إثراء الحياة الثقافية والأدبية والاجتماعية وفق معايير علمية وموضوعية والالتزام بحقوق الملكية الفكرية كما ينص على ذلك نظامها الأساسي، فقد تقرر سحب لقب الجائزة من الكاتب الجزائري".

حيثيات الجائزة
وكانت جائزة الشيخ زايد للكتاب أعلنت في شهر فبراير/شباط 2010 فوز الجزائري الدكتور حفناوي بعلي بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الآداب عن كتابه "مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن".

وقالت وقتها إن "قرار الهيئة الاستشارية للجائزة بمنح بعلي جائزة فرع الآداب عن كتابه (مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن) تم لما يمثله من إضافة معرفية نقدية للتيارات في عصر الصورة ووسائل الاتصال المختلفة".

وعرفت الجائزة حفناوي بأنه "كاتب وصحافي وباحث جامعي يشغل منصب أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عنابة بالجزائر وحاصل على دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية، الدراسات المقارنة والثقافية".


غواص في بحر العشق/ محمد نجيب الرمادى‏

عندما تتفتت ملامح الروح .. وتسلك طريق التيه.. فلا مكان ولا عنوان .. هائمة على غير هدى .. تكاد تموت من فرط الفوضى ..وتنصهر من غير نار .. تذيبها ذكريات الماضى البعيد والقريب

لابد أن تنزوى وتسأل وقد ركبت جواد الدهشة

أتتهُمني بأني كما الماءِ باردةُ المشاعر .. قطعة من الثلج الغريب الذى لا تصهره الحرارة ؟

مَن قالَ أنّ مَن مشاعِرهُ ماءً يعيشُ الحياةََ بمشاعرٍ لا روح فيها؟ ويكون كالثلج لا تؤئر فيه أنفاس الحياة

كلُّ ما أريدُ أن أعرفه هو حقيقة اتهامُكَ لى ؟

ياحبيبتى.. لقد خُلق من الماء كلُّ شئِ حى ..هكذا قالَ ربى

فأنتَ تريدنى ماء إذن لا ناراً أتحولُ بعدّكَ إلى رمادٍ بعد أن تحرقكََ مشاعرى وتجعلك مجرد ذكرى لا يذكرها أحد .. كحدث رائع أرتدى ثوب النسيان غصبا
لم يخلقْ اللهُ النارَ عبثاً.. ولربما خلقَها لِتطفئهَا الماءُ

أنتَ كما أنتَ .. لن تتغير .. كعادتك لا تعط إجابة مباشرة.. لقد حيرتنى معكَ بين هذا وذاك

لِمَ .. قالها ضائقَ الصدرِ .. أعتذر لوداعة حرفى

ألا تعلمْ أنّ الماءَ حياةُ .. والنارُ موتُ .. خبرنى بالله عليكَ .. أتريدنى ناراً أم ماءً ..

موتا ً أم حياةً بغير مراوغة وبغير أن تسرق منى لحظة صدق أحياها معك؟؟

أريدكِ ناراً تطفئُها الماءُ .. جمراً يُلهبُ مشاعرى ..كى أحبك أكثر وأكثر وأكثر .. فإذا وصلتُ إلى أبعدِ نقطةٍ .. وحسبتُ أن لا رجوع .. أتيتِ أنتِ بماءِ الحياةِ .. تطهرى قلبى بِحبُّكِ مِن جديد ..وتطفئى اللهيب.. لنعيدَ معاً قصة العشق الأبدية ثانيةً .. فلستُ فى حبّكِ صنماً تنقصهُ الروحَ ولا عدماً تنقصهُ الحياةَ

إن لم تكن عدماً وكنتُ الحياة .. فلتعلمْ أنى ماءُ الوصلِ التى يتمناها كلُّ من ولِعَ بالهوى

لا أحدُ يريد الهوى .. فكله عذابٌ .. وكلُّ هوىً صادقٍ لا يأتى إلا مصادفةً.. وكلُّ هوىً أتى بموعدٍ هو كالحملِ الكاذبِ سرعان ماينتهى ويتلاشى ويزول كوجه الأمس الذى ولى

غريبٌ أنتَ .. فماذا تقولَ فى العشقِ أهو ضرباً من الجنون كما يقولون؟

لا.. بل هو الجنون ذاتهُ .. والتمردُ نفسهُ على كلّ قانونٍ ومنطقٍ ومنهجٍ سوي.. معروف وغير معروفٍ للخاصة والعامة على السواء .. للأغنياء والفقراء معاً

أتتهمنى بالجنون ؟

لم ْأتهمك ِ بشئ و لا أجرؤ على ذلك

ما معنى كلامك إذن؟

قلتُ أن العشقَ جنون

متجاهلة راحتْ تقول :

أنا خُلقتَ كالنوارسِ لا تسعني سماءٌ ولا يبتلعني بحرٌ ولا ترضيني يابسة ..

خُلقتَ بخيالٍ واسعٍ لا حدودَ لاتساعه ولا تحده حدود .. قلبي هو محركى .. واحساسي دائماً لا يخطيء .. فهما دوماُ يرسمان لي الطريقَ الذى لم يمش به أحدٌ قبلى.. ويُسمعانى كلاماً لم يسمعهُ أحدٌ قبلى ..فأتغنى بأغانٍ لم يكتبْهُا أحدٌ قبلى

هذا هو السر الحقيقى والزائف فى نفس الوقت سيدتى .. زائف لأنه قد قيل من قبل .. لكن لم تسمعه أذناك قبلا .. وحقيقى لأنك تعيشين حالة من النشوة أخذتك إلى عالم لم تطأها قدماك قبلا ،فتغيرتْ في قلبك المقاييسُ الدنيوية العادية بمقاييس أخرى لم نقرأ عنها قبلا فى أمهات الكتب أو كتب الأساطير .. لتصبح كلُّ قصةِ حبَّ أسطورة فى حد ذاتها .. وملحمة تتغنى بذاتيتها التى ترسم ملامحها

مُرهقٌ أنت كثيرا ياحبيب الروح ..فأحيانا أجدك إنسانا بسيطا للغاية .. وأحيانا أجدك بحرا عميقا من الأسرار والإثارة .. أقف أمامك عاشقة لبحرك وأنفاس موجك ..دوما ألقي بنفسي وسطها.. أتمنى أن أكون الحورية الموعودة أو عروس البحر المنتظرة .. أو تلك الجنية المسحورة .. ألقي بمجدافي بعيدا .. أترك نفسى لك لتحملنى إلى حيث تريد فلا اجد منكَ إلا بر الامان وخذني جوارك .. اجعلنى دائما دائما .. لا تفكر في الغد وعش اللحظة .. أنس طقوس الخوف .. اكسر حاجز الصمت ..ثم

قى صرخة هائلة راحت تدور فى عتمة المكان كعصفور مثخن بالجراح مرددة .. لا أدري ماذا أصابني؟ لا أدرى ماذا اصلبنى أهو جنون العشق أم هو جنون الحياة ؟؟ استحلفك بالله خذنى داخلك.. فبداخلى ألف سؤال وسؤال؟؟ وإنى والله أراك تعويذة العشق الأبدى .. وأرانى قد مُسست بحبكَ .. هائمة كالمسحورة ..مجردة من حكمة العقل .. متناسية عقل الحكمة أترانى قد جننت ؟! أترانى قد جننت؟

!................

هاأنت قد قلتِ جنونا..وما هو بالجنون .. هو منتهى العقل .. لكنه ذلك العقل الغير معروف لمن لا يعشق العشق ولا يهوى الهوى وليس

له من الجمال نصيبٌ فأرجو أن تهدأى قليلا أرجوك ..

دعنى أعبر عما بداخلى ..دعنى أنظر إليك .. فأنظر إلىّ .. قد نثرت هنا قصة حب لامرأةٍ أحتل َ عشقك قلبها .. أنت وحدك .. لماذا أنتَ .. أتراني بعشقك مفتونة ؟؟أم تراني مجردَ عابرة سبيل؟

إن كنتِ مفتونة ..فماذا أكون؟! .. فكلَما ذهبت رأيتك .. وكلما اتجهت وجدتك .. وكلما نطقت كان أسمك ..وكلما غفوت كان حلمك ..وكلما تنفست كانت أنفاسك .. ينبض قلبى بنبضك .. ولا تهيم روحى إلا حولك

قاطعتهُ : أجننتَ مثلى؟

ليس هناك عشقا حقيقيا بدون روحين تقابلا عن غير موعد

.. تواعدا على غير لقاء .. التقا فى غير زمن .. تحابا دون نيه .. سبحا فى غير فراغ..

..تكلما دون كلام .. تناجا فى غير مكان.. لا اعتراف ببعيد أو قريب .. فكلّ بعيد قريب.. وكل قريب قريب.. وكل همهمة مفهومة .. وكل تمتمة مفسرة .. وكل السحر شعوذة لا فائدة منه ولا طائل بعده

ماذا تقول؟! ماذا تقول ؟! .. إن كان هذا هو العشق ..فانا لم أحب قبلك ولم أعشق قبلك .. وأُصبح أمام نفسى كارثة فاشلة..تتهاوى أمام مرآة ذاتى .. ذاتى ..وأنا الذى ظننت

ليس فى العشق ظنا ولا شكا ولا ريبة ..إن الظن والشك والريبة فى الحب .أما فى العشق فأنتِ تفهمين معشوقك دون كلمة وتسمعى نبض قلبه من البعيد..لأنه وكما قلتُ قبلا .. لا بعيد ولا قريب ..ولا نظريات أو قوانين أو قواعد

ارهقتنى سيدى ؟ أرجوكَ .. كفّ عن هذا الكلام وكن فقط السند والأمان والأمانى .. إقترب بروحك, ارحني.. أنا لا تعنيني المسافات ولا هذه الكلمات الفلسفية المعقدة ... فمشاعري تتخطى الحواجز والحدود... فتعالّ أرجوك.. ألقى برأسي علي صدرك كى استنشقك لتحيا الروح بك .. فإنى أشعر بروحك تتسلل بين أوردتي .. ترحل .. تسافر في دمي فيرتعش الجسد كمن اصابته الحمى

عجبت للإنسان يعيش حالة عشق ولا يعنيه وصفها بكلمات معقدة أو غير معقدة ..ذكرتنى بمن يحتفظ بكتابٍ لا يفهم لغته ومع ذلك لا يسنطيع أن يفرط فيه ويرفض أن يعيره لأقرب الأقربين.. ياسيدتى إن كنتِ تشعرين بروحى تتسلل بين أوردتك ..فلماذ تطلبين منى أن أقترب بروحى أليست معكِ

صارخة بألم

من أنتَ؟؟ ولماذا أنت؟

أسألك نفس السؤال؟! ياسيدى ..أنا قلب ثائر تتسارع نبضاته.. يعلن الانقلاب على نظام كياني.. يبعثر نفسي .. فماذا تنتظر .. هيا اقترب لملم شتا ت النفس.. توجني امرأة علي عرش النساء .. اترك أناملي تعبث بخصلات شعرك .. تسير علي صفحة وجهك تكتب عنك وعني .. تحسس ملامحي .. كى أسكنك القلب المتيم .. ارتقي بي فوق السحب .. فإن أجنحة الرغبة تجناحنى وتطالبنى بالسفر فى عينيك إلى الأبد أمجنونة انا سيدى ؟؟

لا و نعم يا غالية.. لا ونعم ... فقط ينقصك القليل القليل

ماذا تعنى؟

أعنى أنكِ تتوهمين أنك عاشقة ..فليس فى العشق العميق كؤوسا للرغبة ولا أجنحة للعصيان

متجاهلة وقد غلب عليها سكر الفوضى .. فلتقترب .. فلم يقترب.. نادته فلم يرد .. مدت يدها فى الفراغ تتحسس ملامحه فلم تجدغير سراب ..

سراب يحسبه الظمآن ماء

بورتريهات قاهرية/ د. عدنان الظاهر


زرتُ القاهرة للمرة الأولى بصحبة الفنان الدكتور مصدّق الحبيب الذي أصرَّ أنْ يحملَ معه أدوات وألوان ووسائل الخط والرسم والكانفاسات والزيوت والألوان المائية مع البايب الخاص به هديةً مع تبغ هافانا من الصديق كاسترو . إتصلنا قبيل السفر بالصديقين سعيد الوائلي والدكتور بهجت عباس عارضين عليهما فكرة مشاركتنا هذه السفرة الأكتوبرية فاعتذرا بسبب كثرة مشاغلهما في هذا الشهر ، شهر العبور وشهر الثورة البولشفية وشهر أعياد واحتفالات بافاريا الألمانيّة وشهر إنقلاب بكر صدقي عام 1936 وهو عام ميلاد الأخ بهجت عباس. الأعياد والمناسبات كثيرة في هذا الشهر فلي مثلاً ذكرى كتبتها عام 1961 حفراً على جدار حجرة نومي ( 29/10/1961 ) زمان عبد الكريم قاسم . ما زلتُ حتى اليوم أحبُّ وأتفاءلُ بالرقم 29 . ثمَّ هو شهر أزمة الصواريخ الكوبية الخطيرة بين روسيا وأمريكا التي قرّبت العالم من حافة حرب ذرّية تحرق اليابسَ والأخضر . إتصلت بأستاذنا وأخينا الكبير الدكتور مجيد القيسي في كندا وعرضت عليه فكرة الإلتحاق بنا فكان جوابه [ إييييييههههههْ ... يردسْ حيلْ إلما ضايكها . عربْ وينْ وطنبورةْ وينْ ]. ضحكتُ ثم هربتُ . قصصتُ على صحبي حكايتي مع القيسي وردّه على ما عرضتُ فغرقوا في ضحك طويل. المهم . وصلنا القاهرة وحملتنا سيارة التاكسي إلى مكان إقامتنا في الفندق الذي حجزنا فيه حجرة مكيّفة الهواء مع فطور في حي قريب من نهر النيل يُدعى كاردن ستي
Garden City
يقع الفندق على شارع فرعي هادئ يُحاذي شارعاً رئيساً ذا ممرين عريضين يُسمى شارع القصر العيني . يستغرق الوصول إلى قلب مركز القاهرة المسمى ميدان التحرير [ تذكّروا ساحة التحرير في بغداد ونصب الحرية لجواد سليم ] ... يستغرق عشر دقائق مشياً على الأقدام وكانت تلك ميزةً ونعمةً يتمناها كلُّ سائح . تركنا حقائبنا في الفندق وحملنا كاميراتنا متجهين إلى قلب القاهرة مختلفي الأهداف : بحث صاحبي الفنان عن وجوه نسائية جميلة لكي يصوّرها ثم يحوّلها في أمريكا إلى لوحات رائعة يُزيّنُ بها جدران أصدقائه وصديقاته وزملائه أساتذة الجامعة . أما أنا ففي رأسي مواويل أخرى على رأسها معرفة عناوين المتاحف والمراكز الآثارية والقلاع القديمة ودرابين خان الخليلي ومسجد الحُسين وضريح السيدة زينب وحدائق الأزهر ثم إهرامات مصر الشهيرة . في طريقنا نحو ميدان التحرير سمعت صاحبي يغني شعراً أعرفه لأبي نؤاس يقول فيه :
عاجَ الشقيُّ على رسمٍ يُسائلهُ
وعجتُ أسألُ عن خمّارةِ البَلَدِ
بلغتني رسالة صديقي الفنان لكني لم أشأ التعليق فقد كنت مُتعباً لم أنمِ لحوالي 14 ساعة وهذه واحدة من أسوأ عاداتي إذْ لا يأتيني نومٌ في ليلة السفر ويستحيلُ عليَّ النوم في وسائط النقل كافة لا فرقَ بين طائرة أو قطار أو حافلة مريحة (( يا عطّارين دلّوني / النوم ألاقيهْ فينْ )) من أغنية مصرية قديمة مُحرّفة قليلاً لرجاء عبدو كما أظنُّ ونحن اليوم في مصر أم الدنيا . إفترقنا في ميدان التحرير على أنْ نلتقي في الحادية عشرة ليلاً في بهو الإستقبال في الفندق . لا أدري إلى أين ذهب صاحبي الفنان فالجنون فنون كما قالوا غير أني أقول : الفنون جنون والشعر الحقيقي جنون وأفضلُ الشعر هو ما قاله مجانين الشعراء ودونكم الفرنسي بودلير . غير أني أعرف غاياتي وأهدافي في كل عاصمة أو مدينة كبيرة قصدتها شرقاً وغرباً في حياتي . أضعتُ نفسي في أكثر شوارع القاهرة إزدحاماً ليلاً حيث تمتزج الأضواء الساطعة بموجات المارّة والمارّات بمعيّة رجالهنَّ وأطفالهنَّ والشابّات ببناطيل الجينز وحجاب الرأس الكثيف بصحبة أصدقائهنَّ . القاهرة مدينة لا تنام أو تكادُ لا تنام فناسها في سباق صراع من أجل كسب ما يؤمّنُ الحد الأدنى من متطلبات وضرورات حياة كريمة معقولة مقبولة . هذا شارع طلعت حرب يبتدئ متفرعاً من ميدان التحرير وبعد مسافة قصيرة تطالعنا ساحته وتمثاله واقفاً ينظر بثبات أماماً. على الساحة مكتبة الشروق شرقاً ومقهى ومطعم كروبي غرباً حيث إبتعتُ بعض الكتب من المكتبة وأكلت شيئاً من بقلاوة كروبي . أحسب أنَّ هذا الشارع هو شريان وسط القاهرة حيث تتفرع منه شوارع شهيرة شتّى منها شارع عدلي ثم شارع شريف حيث المطاعم والمقاهي ومخازن الملابس والأحذية وغيرها من البضائع والمعروضات مما لا يمكن حصره . القاهرة عاصمة لا تنام أو تكاد لا تنامُ وأنا لم أنم لقرابة 14 ساعة ! وجدتُ في شارع طلعت حرب مطعماً يبيع الدونر كباب ( الكص بالعراقي الفصيح ) وشوربة العدس فهل تفوتني هذه الشوربة أنا العراقي إبن عراقيي الفرات الأوسط ؟ ولما كنت مُتعباً إستأجرت سيارة تاكسي من ميدان التحرير سألتُ صاحبها تتقاضى كم يا أخ حتى فندق نيو كاردن بالاس ؟ سألني هو بدوره وما كنتُ أتوقع ذلك : تدفعُ أنت كام يا بيه ؟ أجبته عشرة جنهيات قال لا ، إجعلها 15 فوافقت . وصلت الفندق فلم أجد صاحبي الفنان في إنتظاري وقد بلغت الساعة تمام الحادية عشرة . هل أنتظره أم آوي إلى فراشي قبله ؟ كنت مُتعباً أكثر مما تتحمل قدرات رجل مثلي الجسدية والنفسية . على مائدة إفطار الصباح قصَّ صاحبي لي كيف أمضى تلكم الليلة الأولى . ضاع في زحمة شوارع القاهرة وتخبّطَ لكنه بقيَ ثابت الجِنان شجاعاً كعنترة العبسي يسألُ ويُجامل ويردُّ على أسئلة الفضوليين ويتقبّلُ ما يعرض عليه بعضُهُم من كؤوس الشاي الأسود الثقيل بل وتناول ساندويج شاورمة واقفاً على ناصية شارع يجهلُ إسمه وسمح لماسح أحذية متنقل أنْ يصبغَ حذاءَه الأسودَ اللمّاع لكنه ملَّ في نهاية الأمر وأحسَّ بالتعب وضرورة الأوبة سريعاً إلى مكان إقامتنا فعاد كما عدتُ قبله مُستأجراً تاكسي بعشرين جنيهاً ! هل حالفك الحظ يا مُصدّق الحبيب في وجود الوجوه الأنثوية الجميلة التي تسعى جاهداً للوصول إليها ثم تصويرها ؟ قال بل لم أسعَ . أنتظرُ وعدك فلقد وعدتني أنْ تُعرّفني على فتاتين من حسناوت مصر من حفيدات كليوباترا راغبتين بالتعرف عليَّ لأرسم لهن بورتريهات تناسب فتنة وسحر وجمال وجوههنَ . مع كوب الشاي الأسود الثاني ماركة لبتن قلت له إني ما زلتُ عند وعدي وربما سأعرّفك على فتاة عراقية .
نِمفُ النيلِ حفيدةُ كليوباترا
في الرابعة تماماً حضرت صالة الإستقبال الآنسة ( نيفا نورالدين ) كأبهى ما تكون الآلهة الفرعونية تحملها عربة ملكية من ذهب خالص يجرّها حصانٌ أبيض واحد يقودهُ حوذيٌّ نُوبيٌّ تمشي خلفها وصيفةٌ روميّة شقراءُ سُبحانَ مَنْ سوّاها وأبدعها . كاد صاحبي الفنان أنْ يفقدَ وعيه إذْ رأى فجأةً ما قد رأى . آب لكامل وعيه وقد مدّت له الأميرة نيفا الفرعونيةُ يدها فقبّلها ثم صافحها بشوق شديد الحرارة . طلبتْ سفن آب وطلبتُ قهوة تركية مُرّة تحاكي عجب ومرارة حسرتي بدل فرحتي بما يجري أمامَ عينيَّ من أمور لا أطالُ في نهاية الأمر منها شيئاً . لم يطلبْ الفنان مشروباً فقد كان مأخوذاً بالسحر المتعدد الجوانب والأشكال والألوان . طفق يفتش عن كاميرته وهي قابعة في حضنه . فقد الفنانُ رشده كاملاً. أراد الكلام فخانته العربية فأخذ يهذي باللغة الإنكليزية التي كانت لحسن الحظ تتقنها أميرة القاهرة ونمف النيل . حين إستعاد توازنه النفسي والفني شرع يدرس تفاصيل وجهها والزوايا التي ينبغي عليه إختيارها لبلوغ أعلى مستوى فنيٍّ لإلتقاط صور وجوه الآنسات الفاتنات . كانت أميرتنا تتجاوب معه وتلاطفه كي يعود إلى سابق طبعه وطبيعته . كان دوري أنْ أشاغلها وأن أبالغ في تقديم آيات الشكر على قبولها دعوتي ومقترحي لتقديمها لصديقي الفنان الأمريكي العراقيِّ الأصل . كنتُ أُثني على ما فيها من خصال وذكاء ونبل نفسي نادر في هذه الأيام . كانت تُصغي بأدب جمٍّ لما كنتُ أقولُ لكنها تظلُّ صامتة عازفة عن التعليق . لاحظتُ أنها تحب الألوان المتفاوتة بين الهدوء والعمق الصارخ . ثم كانت تضعُ في أُذنيها قُرطين دائريين كبيرين من الذهب الخالص . لم تضع مساحيقَ وموادَ تجميل وألواناً في عينيها وعلى شفتيها ولم تصبغ شعر رأسها الكستنائي السَرِح الجميل . كانت أنموذجاً مثالياً لأيّ فنانٍ يهوى تصوير الوجوه ( فوتو جينيك ) بلغة أهل السينما . إلتقط الفنان لها ما شاء من تصاوير وكانت بدورها صبورة تتجاوب مع رغائب ومطالب ضيف عاصمتها . في السادسة ودّعتنا راكبة متن عربتها الأسطورية التي تُحاكي عربة توت عنخ آمون الشمسية .
إقترحتُ على صاحبي أنْ نقضي الليلةَ معاً نجرّبُ حظاً واحداً مشتركاً ( فطعمُ الموتِ في أمرٍ حقيرٍ كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ / للمتنبي ) ... وافق غيرَ مُصدِّقٍ إقتراحي فهو يدري أني أهوى التمشيات الطويلة وحيداً لا أحبُّ الكلامَ أثناء ذلك تماماً كعادتي حين أتناول طعامي : إما طعامٌ أو كلامٌ . وجدنا ميدان التحرير والشوارع المتفرعة منه تسطع بالأنوار الصارخة والسيارات الجديدة والعتيقة المُسرعة والزاعقة تضجُّ بها هذه الشوارع بل وتضيقُ . دلفنا إلى محل صغير يؤجّر أجهزة كومبيوتر لنتابع بريدنا الألكتروني اليومي ونرد على ما وصلنا من رسائل وغير ذلك مما يحمل البريد المعتاد . قضينا في المحل قرابة الساعة وخرجنا قاصدين مطعمَ دجاج كنتكي ذا الإسم الأمريكي المعروف بحروفه الثلاثة
KFC
ومؤسسه صاحب اللحية المخروطيّة البيضاء المُشذّبة حول وتحت ذقنه . أنهينا وجبتنا بسرعة فقال الفنان ها إني قد سلّمتك مفاتيح أموري طوال هذه الليلة فقدني حيثما شئتَ ستجدني إنْ شاءَ اللهُ من الصابرين الصاغرين . ضحكنا وأخذنا شارع طلعت حرب ومنه سرنا في شارع عدلي حيث محل يُديره رجلٌ سوري مختص ببيع نوع ممتاز من البقلاوة الشامية . جلسنا وأكلنا منها ما استطعنا وفوق ما كنا نستطيع ثم شربنا شاياً أسودَ ثقيلاً وغادرنا المحل وقد إستنأس بنا صاحبه إذْ عرفنا عراقيين فودّعنا أرقَّ وداع مُضيفاً : ما تنسوش يا شباب ، سوريا والعراق زي بعضو ، كلّو واحد . ما رأيُكَ في أنْ نمضي للفندق مشياً على قدمينا نكتشف في طريقنا ما نكتشف ونرى بشراً أكثر وأمكنة أخرى والعمرُ قصيرُ ؟ وافق على الفكرة صديقي مُصدّق الحبيب على الفور فهو مثلي يحبُّ التمشّي أحياناً في الشوارع المزدحمة الصاخبة المفُعمة بالحياة والحركة والأصوات العالية .
في المُتحف المصري
نهضنا مبكّرين ففي برنامج يومنا هذا زيارة المُتحف المصري . تناولنا فطورنا وهُرعنا متجهين نحو المُتحف القريب من مقر جامعة الدول العربية ووزارة الخارجية المصرية ثم ميدان التحرير إياه قلب ومركز وعُقدة القاهرة . تذكرة الدخول بأربعة جنيهات مصرية وهذا ثمن بخس فاليورو يساوي ثمانية جنيهات تقريباً . ونحن في ممر دخولنا من بين صف رجالات الأمن مرَّت قبلنا مباشرةً مجموعة من السياح الشُقر الأجانب وحين وصلتُ وصاحبي طالبنا أحدهم بإبراز جوازات سفرنا ! إحتججتُ بصوتٍ عالِ قائلاً لِمَ لمْ تطلب يا أخ من هؤلاء الخواجات إبراز جوازات سفرهم وتطلب ذلك منّا ؟ لم يُجبْ لكنَّ زميلاً له ضحك وقال يبدو أنَّ الأخَ عراقيٌّ فأجبته أجلْ ... وأعطيته جواز سفري الألماني . المفاجأة غير السارّة الأخرى كانت حين طلب المسؤولون منّا ترك أجهزة التصوير في حجرة الأمانات لقاء إيصال فحزنتُ حقّاً واكتأبتُ ولعنتُ الحظ التعيس فإني أهوى تصوير نفائس ما في متاحف الدنيا وبالفعل خسرتُ فُرصةَ تصوير ثلاثة معروضات أدهشتني بل وأفقدتني صوابي . هي العربات الملكية الذهبية يجرّها حصانٌ واحد وكراسي ملوك الفراعنة الذهبية بهندستها المُتقنة والمُدهشة بحيث تؤمّنُ أقصى درجات الإستقرار ، ثم الأسرّة الملكية الذهبية لشخص واحد أو لإثنين . ما رأيت في حياتي سابقاً مثل هذه المعروضات في كافة متاحف العواصم والمدائن التي زرتُ . وجدتها موضوعات مُذهِلة تُثيرُ العجب . فاتتني فُرصة تصويرها لشديد الأسف . شاركني الفنان أسفي رغم أنَّ مزاجه وولعه يقعان على جهات أخرى . لاحظنا معاً ، وقد صرفنا وقتاً طويلاً في أروقة وأجنحة المُتحف المتعددة ، قلّة الشروح والتفاصيل بخصوص ما عرضوا من تحف ونفائس أثرية نادرة . تلك مَثلَبة خطيرة الشأن أتمنى أنْ يتنبّه لها ذوو الشأن ولا سيّما الأستاذ زاهي حواس خبير الآثار الفرعونية المعروف من خلال برامجه التلفزيونية وعديد المقابلات والحوارات معه . فتحتُ هذا الموضوع مع سيدة من المرشدات السياحيات في المتحف فقالت إنها تعرف هذا الخلل لكنها لا حولَ لها ولا قوّة . رغم كثرة وثراء المتحف المصري بمعروضاته لكني وجدتُ المتحف البريطاني أفضل منه عرضاً وشروحاً وتنظيماً ودقّةً وأبّهةً وبهاءً .
تركنا المُتحف تعابى جائعين مُنهكين فاتجهنا صوب ميدان التحرير القريب لنأكل الدجاج المشوي في أحد مطاعمه . ثم دلفنا إلى مقهى مجاور وشربنا أكثر من كأس من الشاي الجيد وسط أدخنة النوارجيل ( الشيشات بالمصري ) الكثيفة وجمرات النار يتنقل بها عاملٌ ما بين الزبائن لإدامة التعميرات . ها أخي ؟ أراك شبه نائم ؟ إي واللهِ ، أجاب الفنان ثم أضاف : فلنعد إلى مكان إقامتنا لنأخذَ سِنةً من النوم أو تأخذنا هذه السِنةُ ـ لا فرق ـ نستريح ونستحم فالحرارة لا تُطاق ثم نبدّل ملابسنا ونهيم على وجوهنا كالغجر [ كاولية ] بلا هدف وحيثما نال التعب منّا جلسنا في مقهى أو مطعم أو حتى على قارعة الطريق [ منو يعرف فطيمة بسوك الغزل ؟ ] . ضيّعتنا القاهرة ليلاً أو نحنُ مَنْ ضيّع نفسه ( أنا مَنْ ضيّعَ في الأهرامِ نفسه ) في زحام شوارعها حتى ليحسّ السائحُ كأنه يكاد يختنق فالمرور فوُضى والأرصفة تَغَصُّ بمن فيها والليل نهار ساطع بارق . نمشي ونمشي مرةً يدندن صاحبي بأصوات لا أفهمها لعله يغني إحدى أغنيات هنود أمريكا الحُمْر. ومرة أجد نفسي أغني أغنية عراقية قديمة أو أغنية مصرية أتقافز هنا وهناك بين الأغاني والأنغام من غير ضابط أو رابط . كنا نمشي جنباً لجنب لكننا كنا معزولين بحائط من الخرسانة المسلحة . هو سائحٌ في عوالمه الخاصة وأنا غاطٌّ في عوالمي الخفيّة لا يبينُ منها إلاّ إسمي " الظاهر " . سألني وما وجهتنا التالية ؟ هدّني التعبُ . ضحكتُ طويلاً وسكّتُ حين ضحك . كنا قريبين من مقهى ومطعم أنيق نظيف يحمل إسم [ أميركانز ] . دخلنا وشربنا البارد وأكلنا كيكات جيّدة الإعداد . طاب الجلوس لصاحبي الفنان إذْ كانت الشوارع وما فيها ومَن فيها أمامنا نرى الماشي والجاري والساكن فيها حيّةً كما هي من خلال زجاج نوافذ المحل الواسعة . بعد أنْ شبع صاحبي راحةً وبَطَراً عنّت له خاطرة غريبة . تبسّم أولاً فعرفتُ أنَّ تحت إبطه عنزاً . حثثته على الإفصاح عمّا يقول له عنزه أو مِعزاته ذات القرون . تململ يمنةً ثمَّ يَسرةً وقال : لا تضحكْ ! يُعجبني أنْ أُجرّب الشيشة المصرية ! ضحكت ثم ضحكتُ . إنها فكرة طريفة يا صديق ولكن ، ألا ترى خلوّ هذا المحل من نوارجيل التدخين ؟ للشيشة مقاهيها الخاصة وعمّالها المتخصصون وهي شغلة لا يمارسها كلُّ مَنْ هبَّ ودبَّ . قال متحمساً هيّا لإحدى هذه المقاهي . اليوم شيششة وغداً نرجيلة وكلُّ مَنْ عليها فان . الفنون جنون والفنانون والشعراء والأنبياء مجانين [ مجانون ] . أخذتُ صاحبي لإحدى هذه المقاهي واتخذنا مجلسنا في الوسط أنا أشرب الشاي وصاحبي يغيب مُغمَض العينين وصوت شيشته يبربر شهيقاً وزفيراً . كنت مأخوذاً على وجه الخصوص في كيف ينفث صاحبي دخان نرجيلته من فمه طوراً ومن منخريه أطواراً أخرى . تبين لي أخيراً أنَّ صاحبي مدمن شيشة آسكي درجة أولى فص كلاص رغم البايب والتبغ الكوبي اللذين لا يفارقانه . بعد أنْ أطفأ صاحبي ظمأه لأدخنة تبغ الشيشة قال هيا . إلى أين ؟ قال إنه جائع . أجاعه التدخينُ وأثقل الدُخْانُ رأسَهُ . فكرة جيدة . أنا كذلك جائع . قريبةٌ منّا أسواق التوفيقية حيث الباجة الجيدة ومرقة البامياء في مطعم الدسّوقي فما رأيك ؟ قال الفنان إنه جائع وسيأكل كل ما يراه صالحاً للأكل بل وكل ما حلل الله وحرّم من أطعمة وإنه سبق وأنْ سلّمني أزمّةَ أمورهِ جميعاً . إتفقنا أنْ نأكل في هذه الأمسية لحمة رأس خروف مع اللسان والمخ . جاء العرضُ سخياً مُغرياً ورخيصاً جداً . غادرنا المطعم الرصيفي فقال صاحبي أريد أنْ أطمئنَّ أنَّ المصريين كالعراقيين يأكلون مرقة البامياء . أَرِني مطعم الدسّوقي . أخذته حيثُ الدسّوقي فسأل مُديرَه أحقاً يقدمون البامياء للزبائن ؟ أجاب السيد المديرُ أجلْ ولكنْ نهاراً فقط . طيّب ، سنزوركم غداً . قال مدير المطعم إنْ شاءَ الله !
خصّصنا نهار اليوم التالي لزيارة أسواق الموسكي والخليلي ومسجد الحُسين الواقع في نهاية الخليلي . أما المساءُ فسنقضيه في ضيافة عائلة عراقية مقيمة في القاهرة .
ما كنا مرتاحين من الخليلي والموسكي الذي غنّته المطربة اللبنانية صباح ذات يوم في زمان الوحدة بين مصر وسوريا [ من موسكي لسوق الحميديةْ ] وسوق الحميدية في دمشق. الطرق ضيّقة والمشي عليها غير مُريح لتكسّر هذه الطرق فضلاً عن إلحاح الباعة غير المعقول في ترويج بضائعهم والضغط الشديد على المارة من السياح الأجانب يتكلمون أو يرطنون بشتى اللغات حسب إجتهادهم أو حدسهم في معرفة جنسية ولغة السائح . تكلم معنا بعضهم بالإيطالي والبعض الآخر بالأسباني وفئة أخرى باللغة العربية وكنا نلوذ بالصمت ولا نُجيب لأننا لو أجبنا لأوقعنا نفسينا في ورطة وفخ مزعج . لم ينته الإزعاج حتى في نهاية هذه الأسواق حيث عدد من المطاعم الصغيرة تمد الأرائك والموائد والكراسي في الشارع قريباً من ساحة مسجد الحُسين . يلتقفك عمّالُ هذه المطاعم وفي أيديهم قوائم بما لديهم من مأكولات مع أسعارها ... يتلقفونك الواحد بعد الآخر بإلحاح لا تتخلص منه إلاّ بشقّ الأنفس . صورة الخليلي في ذهني شيء وما رأيت شيـئاً آخرَ مختلِفاً كل الإختلاف . أنهكتنا هذه الجولة الموسكية ـ الخليلية وهدّنا الحر والتعبُ فسألتُ صاحبي أيحبُ أنْ نتغدى في أحد هذه المطاعم الحسينية قال على الفور كلاّ ! هيا أنقذني على عجل. سنأكل [ الزقنبوط ] في أي مكان آخر في القاهرة . ما رأيك ببماياء الدسّوقي ؟ إبتسم صاحبي وأشرق وجهه وهو يلمع ويتصبب عَرَقاً ثم غمز بعينيه رافعاً حاجبيه للأعلى وتلمّظَ وجرّني بقوة من ذراعي إلى حيث موقف سيارات التاكسي . لم يشترٍ صاحبي شيئاً لكني خرجتُ بصفقة موّفقة إذْ إبتعتُ بعد مساومات وشدٍّ وجذبٍ ثوبين مصريين قطنيين ( جلابيب ) واحدة لي والأخرى لولدي أمثل . أراد الفنان أنْ يبتاعَ قلادة من الكهرب لكنّا وجدناها غالية ويبيعونها كالذهب بالوزن وسعر المثقال الواحد عالٍ بشكل غير معقول . الله يرحم زمان الكهرب الروسي والبولوني والجيكي في سبعينيات القرن الماضي حيث إبتعتُ منه الكثير في موسكو وفي وارشو ثم في براغ . هذا هو مطعم السيد الدسّوقي أو الدسّوئي حسب اللهجة المصرية . طلبنا أطباقاً من البامياء مُضاعفةً مع لحم الضأن [ الخروف ] والخبز الأسمر اللذيذ [ العيش ] ثم أتانا الشاي من مقهى مقابلٍ للمطعم . دفعنا الحساب ثم تجشأنا ومضينا نجرجر خُطانا فلقد ثقُلت البطون وصعُبت حركة البدن واختلطَ ما في الرؤوس ... من ذا يُحسن التفكير بعد البامياء ؟ هيا سريعاً لنأخذ قسطاً من الراحة في الهوتيل ثم نتأهب للقاء العائلة العراقية في مدينة نصر .
في مدينة نصر
في السادسة كنا هناك في مُدخل المجمع الضخم المُسمّى
Stars Center Mall
ننتظرقدوم العائلة حسب الإتفاق . وصلت سيارتهم التايوتا السوداء فاستقبلناهم وعرّفتهم على صديقي الفنان وكانت كاميرته معلّقةً تتدلى على صدره من رقبته الطويلة فإبنة هذه العائلة السيدة ( هُدى ) فتاة رشيقة طويلة واسعة العينين وجدها صاحبي نموذجاً ممتازاً للتصوير ثم نقل صورة الوجه الجميل إلى لوحات زيتية يضعها بعد ذلك في أُطر مُتقنة غالية الثمن . لم يصدّق عينيه فهذا هو النموذج المثال الذي طالما كان يحلم أنْ يعثر عليه.
أثناء وبعد تناول وجبة العشاء الممتازة في أحد مطاعم الدرجة الأولى الواقع في الطابق
( الدور ) الرابع صرف الفنان الكثير من وقته في دراسة هندسة وتركيب أجزاء وجه ورقبة السيدة هُدى مع إلتقاط الكثير من الصور لها في أوضاعَ شتى ناسياً باقي الحضور مذهولاً بما يرى في وجه هُدى الباسم الهادئ الودود المشرق والعراقيّ الأصيل نصفه بصريٌّ والنصف الآخر فلّوجي واللمحات واللمسات الأخيرة النهائية كربلائية بحكم الوظيفة والمهنة . إنتبه الفنان أخيراً أنه لم يأكل شيئاً بعدُ وقد بردت أطباق طعامه فشرع يأكل على عجل من هنا وهناك متنقلاً برشاقة الظبي بين صحونه . إفترقنا شاكرين كرم وحسن ضيافة هذه العائلة العريقة وتعاون السيدة هُدى مع الفنان المغرم إلى حد جنون الهوَس بتصوير الوجوه الفاتنة .
هيا يا صديق إلى ميدان التحرير حيث مقهى النت لنقرأ بريدنا ونرد على ما فيه من رسائل قبل عودتنا إلى الفندق . ما برنامجنا ليوم غد ؟ سألني صاحبي في بهو الهوتيل . سأقضيه بصحبة صديقي المصري القديم زمان التدريس في جامعة الفاتح في العاصمة الليبية طرابلس . قال هل أعرفه وما إسمه ؟ لا تعرفه ، إسمه الأستاذ الدكتور فتح الله الشيخ . أما أنت يا صديق فخد أجهزة التصوير واذهب إلى حيث تشاءُ وحيداً حرّاً لا يزعجك أحدٌ ولا يتدخلُ في شؤونك إنسانٌ خذ كامل حريتك وتمددْ وتمطّى في القاهرة كما تشاء وحيثُ شاءت مشيئتك يا فنان . قال سأقوم بنزهة طويلة على ظهر يخت في نهر النيل .
مع الشيخ
وصلتُ الهوتيل بالتاكسي متأخراً دقيقةً واحدةً فوجدت صديقي البروفسور فتح الله الشيخ ينتظرني في بهو ( لوبي ) الفندق عرفني على الفور فنهض يعانقني بحرارة تخمّرت وأنضجتها 26 سنة من الفراق بيننا . قال لم تتغير سوى أنك ( خسيّتَ ) قليلاً أي نحلتَ وفقدت الكثير من وزنك السابق . أما هو ، الشيخ ، فقد أضاف وزناً لكنه فقد الكثير من شعر رأسه الجَعِد الناصع البياض . كان يشكو من داء الملوك ( النقرس ) ومن أوجاعه في مفاصل أصابع قدميه . حافظ على ضحكته المجلجلة التي ينفتح معها قلبهُ الأبيضُ على مصراعيه . أخذني إلى حدائق الأزهر الجميلة وهناك تناولنا في مطعم راقٍ وجبة شهيّة في الهواء الطلق مقابل قلعة محمد علي وصلاح الدين الأيوبي . بعد الشاي والنسكافيه إستأجر سيارة تاكسي وتوجهنا نحو دار الأوبرا المصرية ليحضر إجتماع اللجنة العلمية الثقافية التابعة للدار وهو أحد أعضائها النشطين تأليفاً وترجمةً ومحاضراتٍ . عرّفني على مكتبة الدار وتركني ليحضر إجتماع اللجنة فابتعت عدداً من الكتب الممتازة بإسمه مع تخفيض قدره 50 % . شكراً أبا تيمور وآمال . جلست أنتظره في مقهى دار الأوبرا الأنيقة التي يسمونها كافيتريا عصفور منسوبة لإسم الكاتب والناقد المصري الدكتور جابر عصفور . إنتهى إجتماع اللجنة فاستأجر سيارة تاكسي لتأخذني إلى ميدان التحرير حيث مقهى النت إياه وقد غدوتُ زبوناً له دائم الحضور يرحب بي أصحابه بحرارة وحفاوة فأتبادل الدعابة معهم وصار أحدهم ( السيد عصام ) يخاطبني ب [ جدّو ] فنضحك طويلاً ، الحفيد والجدّو.
مع حصباء الجبل
كان صاحبي جالساً في لوبي الهوتيل ينتظر قدومي متابعاً بعض البرامج التلفزيونية . ما أنْ رآني حتى هبَّ طالباً لي فنجان نسكافيه . كان مشوقاً ليسمع أخباري مع الصديق المصري الأصيل الأستاذ فتح الله الشيخ . قصصتُ عليه تفاصيل الساعات التي أمضيتها مع الدكتور الشيخ وكان يُصغي لي بكافة وسائل الإتصال البشري من سمع وبصر وتخيّل وتذكّر وربط وتحليل إذْ يبدو أنه حنَّ لأوساطه الجامعية هناك في جامعة ماساجوسيتس الأمريكية . وماذا عنك يا صديقي الفنان ، كيف قضيّت ساعات هذا اليوم الطويلة ؟ قال [[ أسكتْ وخليها ]] . كيف أسكت وأخليها وقد قصصتُ عليك قبل قليل أحسنَ القصص يا فنان ؟ تعرّف على ظهر اليخت العصري على فتاة مصرية شاعرة وصحافية ومترجمة تُجيد اللغة الإنكليزية فوقعت على مرامه تماماً فقد كان توّاقاً للتحدث بلغته الأمريكية وباللكنة الأمريكانية التي أتقنها بعد عمر طويل أستاذاً وباحثاً في الجامعات الأمريكية . أسعدها التحدث معه بالإنكليزية فدراسة لغة أجنبية لا تكفي لضبط شواردها وكشف خفاياها إنما ينبغي التحدث بها طويلاً مع شخص يُتقنها ويُجيد تلفّظها بلهجة أهلها . قال إنه إرتاح لهذه السيدة الشابة الحصباء الجبلية إذْ وجدها ذكية ولغتها الإنكليزية سليمة رشيقة القوام طويلة القامة عيناها ساحرتان عميقتا اللون الأخضر النباتي . تبادلا عناوين بريدهما الألكتروني وأهدته أحد دواوينها الشعرية مع كلمة إهداء عاطفية مؤثّرة . وجدها فُرصة مثالية نادرة فأمطرها بإلتقاط الصور وجهاً وقامةً جاعلاً من ضفتي نهر النيل خلفية لها غير آبهٍ بفضول بقية راكبي اليخت . هل ستزورك في أمريكا ؟ تنهدَّ بعمق ثم قال يا ليت ! إنها مطلّقة ومعها طفلان صغيران . وكيف إنتهى فصلك الرومانسي هذا يا صديق ؟ تنهدَّ ثانية ثم قال إنها إعتذرت عن دعوته لها لتناول طعام العشاء في مطعم راقٍ تختاره هي . قالت طفلاها في إنتظارها مع والدتها الفنانة وعازفة الموسيقى . أراني ديوانها الشعري الصغير وقرأت بعض ما فيه . طلب رأيي فيه فقلتُ له لا رأيَ آنياً لي ، يجب أنْ أقرأه جميعاً برويّةٍ وتأنٍ قبل الحكم عليه . قال معك حق . تثاءب ففهمتُ أنه يروم الراحة وقد نخرته أحاديث الرومانس النيلية . ما برنامج الغد ؟ سأل وقد نهض متجهاً صوب المصعد . الأهرام ، أجبتُ ، الغد مخصص لزيارة إهرامات مصر فنم جيداً وتأهب للجولة الأخيرة .
الجيزة / إهرامات مصر
أخذنا من شارع القصر العيني القريب جداً من فندق إقامتنا سيارة تاكسي بيضاء بعدّاد فالتاكسيات السود غير مجهّزة بعدادت . وصلنا الإهرامات فكانت المفاجآت في أنتظارنا . مجاميع وفرادى من الناس تعترض طريق السيارة فيتوقف السائق . تُفتح الأبواب فتصعد أشكالٌ والوان شتى من البشر عارضين علينا ما لم يخطر على البال : جمال ، خيول ، عربات تجرها الحمير أو البشر للتجوال حول الإهرامات وكأدّلة . كنتُ أصرخُ فيهم يا ناس لسنا بحاجة إلى بعرانكم وحميركم وخيولكم . أتركونا وشأننا نحن أدرى بما نريد . أتركونا أتركونا أتركوا السيارة . ويظلون متشبثين بإصرار جالسين في مقاعدهم حتى أصرخ في السائق أنْ يجبرهم على النزول . تمشي السيارة بضعة أمتار فيتكرر نفس الفيلم . يبدو أنَّ سائقي التاكسيات متواطئون متعاونون متعاطفون مع هؤلاء الناس . كان الجو حاراً تحت الشمس الحارقة وقليل من الغبار يعلو سماء المنطقة . مشينا وتجولنا بين الإهرامات في طرق وعرة غير معبّدة إلّا لمسافات قصيرة والتقطنا بعض التصاوير ومازحنا بعض أفراد الشرطة من ذوي البدلات البيض وكانوا فرحين أننا عراقيو الأصل وأصرّ شاب منهم أنْ يلتقط لنا صوراً أمام أحد الأهرام فامتثلنا له شاكرين . كانت أجرة التاكسي الأبيص 35 جنيهاً مصرياً أي أقل من 5 يورو ! دفعنا مثلها في رجوعنا إلى ميدان التحرير في قلب القاهرة . كان الحرُّ شديداً لذا قفلنا على عَجَلٍ راجعين . لم ندخل النفق في بطن أحد الأهرام لأننا زرنا المتحف المصري ورأينا فيه كلَّ ما يخص آثار الفراعنة . مررنا بتمثال أبي الهول في طريقنا للعودة إلى القاهرة . الغريب أنَّ المنطقة الشاسعة بأكملها منطقة صخرية محاطة بالرمال وببعض التلال الرملية المنخفضة فكيف ولماذا وقع عليها إختيار فراعنة مصر لبناء إهراماتهم هناك خاصة ونهر النيل بعيد عن هذه المنطقة فكيف أمنّوا لهم ولرعاياهم ماء الشرب والغسيل وإعداد الطعام ثم لغرض البناء ؟ هل كان في تلك المنطقة فرعٌ من النيل ثم إندثر ؟ لا من أثرٍ لعيون أو آبار ماء في تلك المنطقة الجرداء القاحلة حيث الشمسُ صيفاً تشوي الوجوه والأجساد لا من زرع أو ظلٍّ ظليلٍ أو شجر .
هذا يومنا الأخير في القاهرة فكيف نُمضّي الليلة الأخيرة ؟ آثر صديقي الرجوع والمكوث في الهوتيل للإستحمام والراحة أما أنا ... فرحتُ أسألُ عن خمّارةٍ البلدِ ! لا شأنَ لي بالخمرة لكني رحتُ أبحث عن المزيد من الكتب في المكتبات العديدة المنتشرة في قلب المدينة وعلى الأرصفة وفي الأكشاك المتواضعة والكتب باليورو هناك رخيصة ومكتبتي فقيرة بكتب اللغة العربية والأدب والنقد والتأريخ . تمشيتُ كجاري عادتي طويلاً ذائباً في الزحام غريباً لا أحد يعرفني ولا أعرفُ أحداً كلما نالني الظمأ تناولت دوزة كولا أو سفن آب وحين شعرت بالتعب فتشت عن مطعم نظيف جيد فوجدته في شارع عدلي يحمل إسم " المُضيّفة "
تملأ واجهته الزجاجية الأمامية قوائم بأسماء ما لديه من مأكولات أسعارها مكتوبة بإزائها .
تناولت عشائي فانتبهتُ إلى أنَّ القسم الثاني الداخلي للمطعم مخصص لأصحاب الشيشة أو النوارجيل بلغتنا العراقية . لاحظت من بين روّاد هذا القسم سيدات مصريات أمام كل واحدة منهنَّ شيشة بخرطوم طويل يمرر لهنَّ دخان التبغ المتّقد تحت الجمرات . أين صاحبي من هذا الجو الحالم حيث رائحة التبغ تخترق المناخير والأدخنة تتصاعد حتى السقوف . أين صاحبي غاوي الشيشة ؟ الفندق لا يقدّم الشيشة وليس فيه أصلاً مَنْ يخدمها . تركتُ المنطقة متجهاً صوب الفندق حيث صاحبي في إنتظاري وأمامنا مهمة تهيئة حقائبنا للسفر فغداً في السادسة صباحاً تأخذنا سيارة تاكسي بيضاء جديدة إلى مطار القاهرة الدولي لنفترق ، صاحبي يطير إلى أمريكا وأنا إلى ألمانيا . قُبيل فراقنا سألت صاحبي كيف كانت سفرتنا للقاهرة ؟ قال : رغم كل السلبيات والنواقص كنتُ مُرتاحاً في القاهرة بل وأحببتها وأتمنى أنْ يحالفني الحظُ لأزورها ثانيةً لكنَّ حسرتين بقيتا عالقتين بضراوة في نفسي . ما هما يا أبا أسامة ؟ الأولى أني لم أتمكن من زيارة أضرحة جمال عبد الناصر وفريد الأطرش وأخته أسمهان . والحسرة الثانية ؟ أنَّ حصباء الجبل لم تأتِ المطارَ لتوديعي ! غنيت له أغنية فريد [[ يا مصرُ كنتُ فغربةْ وحيدْ // ومن يوم ما جيت ليك كان يوم عيد // يا مصرُ يا غاليةْ علينا ]] . غرّق عينيه في عينيَّ طويلاً وأخذ يتحسر ويتنهد بعمق وحرارة وأسى . أشعل سيجاره الكوبيَّ ثم نهض وقد سمع النداء الأخير لركوب طائرته المتجهة إلى أمريكا .