الحمام لا يهدل في تل النوى/ محمود شباط


على هضاب وسهول منطقة تل النوى كانت الأقدار تحيك فصولاً جديدة في أسفار عذابات أهل المنطقة. على تلك الأرض المزروعة بضحكات الصبيان وشقائق النعمان كان الضبع يجوس ويغتال الضحكات ضحكة ضحكة، والورود وردة وردة، افتراضه لقدسية مشروعه زين له اقترافه للمزيد من قصف الورد وكتم الضحكات وقضم الأرض. لم يكن المستر داوود ضبعاً حقيقياً بل بشري بطبع ضبع.


منذ هبوطه الثقيل الطارىء على المنطقة الغربية من منطقة تل النوى من جهة مجهولة، كانت ثروة المستر داوود الأسطورية وجبروته العسكري يجتاحان الأرض والمنازل والحجر والبشر كالإعصار. تنادى نصار وعشرات من شباب المنطقة وقاوموا آلة المستر بقدر ما تسمح به القدرات غير المتكافئة.

ثابروا في صراع المستر و لكنهم أرغموا على التوقف حين انشقت أرض تل النوى عن قوة عظيمة مفاجئة عديدها الآلاف يترأسها الشيخ عبد العاطي المنان. أسس الشيخ الجمعيات الخيرية وقوة عسكرية سماها "جند القدير" واحتكر شرف مقارعة المستر داوود. منع كل من لا يخضع لنهجه أو يبصر الأمور بعينيه من القتال لتحرير الجزء الغربي من تل النوى الذي سيطر عليه المستر بقوته الغاشمة. واستحال الشيخ حاكماً في باقي أجزاء تل النوى ثم متحكماً بها بفعل ما يأتيه من دعم من ابن عم له خارج الحدود ، والشيخ نفسه لم يتنكر لذلك الدعم بل فاخر وجاهر به.

في ذروة تصادم المشروعين الإلهيين، ورغم اضطهاد الشيخ لنصار وزملائه كانت قلوبهم مع الشيخ ضد المستر. وظل عدد منهم يقوم خفية ودون علم الشيخ بعمليات مستقلة. ولكن ما إن نمى خبرها إلى علم الشيخ حتى استشاط واستنكر وغضب واستدعى نصار ورفاقه لينذرهم للمرة الأخيرة. فهموا منه بأن احتكاره لمقاتلة المستر خط أحمر. رفع سبابته بوجوههم وهدد بسحقهم إن عرف باستمرارهم في "عملياتهم البائسة"، وختم وعيده بتخييرهم بين الجلوس في بيوتهم أو الرحيل عن تل النوى وإلا فالسجون والمقابر تتسع للمزيد.

عـَزَّ على الشباب أن يمسح الشيخ بشطبة قلم دم عشرات الشهداء والجرحى والأسرى ممن سبقوه إلى قتال المستر داوود. صاروا يتسللون عبر خطوط "جند القدير" ليضربوا المستر داوود كي يجلي عن أرضهم فصارت الضربات تأتيهم من المستر والشيخ معاً. أكثرها إيلاماً كانت من الشيخ ، حيث ترك العديد منهم بين ضيف مقبرة أو ضيف سجن أو مشلول يقضي ما تبقى من سني عمره على كرسي متحرك.

أثناء عودتهم من تنفيذ إحدى العمليات اعترضهم عدد من عناصر "جند القدير" وضربوهم وصادروا أسلحتهم ودزوا بهم في زنازين منفردة متباعدة.

عبر أقاربه كان نصار في سجنه يعرف أخبار صراع الشيخ والمستر. و شاع بأن كليهما يزعم بأنه يقاتل في سبيل الله. كما عرف نصار بأن المستر قد اندحر في ليلة ليلاء عن الأرض التي كان يسيطر عليها، والتي أضمر الشيخ هيمنته عليها وأفلح في غرضه بسهولة ولكنه ستر تلك الهيمنة بقشور ذكية ماكرة إنما لا تخطئها العين البصيرة.

بعد وفاة المستر داوود قرر ابنه اجتياح المنطقة التي أخلاها والده فزمجر وهدر وكشر عن أنيابه الدموية واستردها فتراجع جيش الشيخ عن العديد من القرى والبلدات والوديان والجبال، ولكن الشيخ لم يسمه تراجعاً بل انتصاراً. وفي ظل بيئة ابتليت بطحالب الغيبية وعبادة الفرد صارت الببغاوات البشرية تردد ما أعلنه الشيخ، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يسمي الأشياء بأسمائها ويتجرأ على المغامرة باستخدام عقله ومنطقه. وبما أن لكل عصر لغته التعييبية لم تعد عبارة الكفر والزندقة والإلحاد تفي بالغرض فاتبع رجال الشيخ لغة التخوين لكل من يقرأ الأحداث بغير كتابهم. وسادت لغة التعذيب وغصت السجون "بالخونة" وصار على "الخائن" المقهور أن يتقدم بطلب استرحام ليسمح له رجال الشيخ بصرخة الآخ. مجرد السماح بالصرخة صار إنجازاً وأمنية وحلماً، إنما ليس الإنتقاد أوالمعارضة أو تعكير مزاج الشيخ.


في ليل أليل ضاقت الزنزانة بنصار، شعر بوحشة حين انطفأت انوار السجن وخمدت حركة نزلائه إيذاناً بموعد النوم ، دوت صفارة السجان وجال بجذعه الضخم في ممرات الزنازين يتفقد من لم ينم بعد ليزعق به بأمره كي ينام . تناوم نصار إلى أن عبر السجان زنزانته في طريقه إلى الزنازين الأخرى. وبينما هو مستلق مغمض العينين كان يتحرق لشم ورد حريته عبر سماعه لنسائم عذبة تدغدغ أغصان الشجر المعمر المحيط بالسجن.

لم يكن نعساً ولم يشعر بميل إلى النوم، وحين اطمأن إلى ذهاب "نصف المجنزرة" وصفارته استوى في فراشه وأسند ظهره إلى جدار زنزانته المعتمة إلا من شعاع فضي تتكرم به ليلة قمراء. راح ككل أمسية يتفقد صور أولاده وزوجته ورسائلهم له خلال تينك السنتين اللتين قضاهما في السجن.


إثر رحيل قافلة الألوان دون الأسود. كان يأتيه مع شعاع القمر ضوء منارة بحرية ساطعاَ من مكان قصي يسفع عتم زنزانته بسرعة ويغيب بسرعة. ينبثق خطفاً كما البرق البعيد البعيد ويمضي خطفاً . لا الشعاع مل التماعه ورواحه ولا نصار سئم انتظاره بين النبضة والنبضة. استكان لسلطانه الأنيس كما في كل مساء وجهز راحتيه لتلقفه فور وميضه القادم. حاول الإمساك به ولكنه كان ينفلت من بين أصابعه كالوهم في كل مرة.

لكثرة ما ألف ذلك الشعاع أضحى يظنه بأنه يعرفه ويعرف اسمه واسم طفله الأصغر وملامحه ويشاركه هواجسه بشهداء قضوا عبثاً ليحصد الشيخ و ابن عمه ثمار استشهادهم. خال بأن الشعاع صار يشفق عليه ويتعاطف معه ضد من صادر حريته كونه سعى لأن يكون حراً في منطقة سيدة حرة .

طالت فترة أرقه فعاد يتسلى بمحاولات الإمساك بشعاع المنارة. وثابرعلى ذلك رغم إدراكه لماهية الشعاع كمجرد خيط ضوئي تمر ذراته صدفة باتجاهه، يجيء آلياً ويروح بعبثية صبي غر يتشاقى للشقاوة فحسب، يناكفنه بوميضه ثم يفر مبتعداً عنه تاركا إياه حبيس حبسه. ليلئذ استلقى على شوك فراشه شابكاً راحتيه خلف رأسه ، متسائلاَ عما دهى أولئك الناس لكي يروا التراجع نصراً، شكك بمعارفه وقال لنفسه بأنه ينبغي على مؤلفي القواميس والمعاجم أن يغيروا معنى مفردة انتصار لتتواءم مع رغبات الشيخ ومصالحه. ولج كهف ليل آخر متسلحاً بالصبر وبحلم جميل بالحرية.


في غمرة إحباطه ويأسه من أنسنة الشعاع، كان في صبيحة اليوم التالي مكتئباً ، يترقب قدوم الحمامة البيضاء الرقيقة الحلوة العذبة بجمال الحمام التي دأبت على زيارته عدة مرات يومياً فتحرره كلما زارته وغادرته محررة ذاتها. كانت تحط على حديد شباك زنزانته، تهدل بشجى تنثره على المساحة الضيقة برنين نحاسي عميق وعزف أليف يذوبان بهديلها ويتماهيان كما تتماهى كل ألوان الطيف باللون الأبيض. تدخل الزنزانة ولكنها تبقى بعيدة عنه، ما إن يهم بالتوجه نحوها حتى تفر وتتركه. صار يداريها ويحافظ على سكونه وهدوئه حين تزوره، ولئن رمى لها بفتات من زاده فبحركة خفيفة محسوبة لا تفزعها ولا تنفرها، ترضى بما تيسر وترحل . فيفترقان بينما يبقى رجع وداعتها وتنعمها بالحرية ملتصقان بشغاف مهجته ، ورنينها الأنيس يعزف في أعماق ذاته المقيدة.


ولكثرة ما اعتادت الحمامة مشهد نصار صارت تقترب منه أكثر بحذر فطري في البداية، ثم استأنست واطمأنت وأضحت تتغندر بإلفة فيما بعد. سماها سميرة، يناديها باسمها ويمد يده بقطعة خبز فتقترب منه ، تنقرها وتزدردها ثم تكمل صاعدة على يده فكتفه فرأسه ثم تنزل لتقف على بعد خطوات تتأمله ثم تكرج بشكل دائري وتعود إلى ما بين يديه. كان يمسك بها برفق ويتحسس ريشها الناصع فتعتريه لذة الحلم والعوم بأفق حر يموج باللازوردي والأزرق. يلاطفها فتنظر نحوه. يخالها تكلمه وتصغي إليه، يشكو لها، وحين يحيرها هذره ، أو هذا ما كان يحدس كانت تخفق بجناحيها وتطير دون إذن السجان، يغبطها نصار حريتها ويتشفى بغطرسة السجان وسلطته القاصرة عن مخلوق صغير ضعيف. ثم يقف قرب نافذة الزنزانة يتابعها بلهفة في انسيابها في زرقة السماء متنعمة بدفء الشمس الساطعة دون منة من أحد أو خشية اتهامها بالخيانة.


بعد إفلاح المسترالصغير في استرجاع جزء من منطقة تل النوى وتراجع جند القدير عنها، تنادت أمم الأرض تناشد المستر الإنسحاب منها ولكن غطرسته فرضت شروطاً تعجيزية لانسحابه، والحق يقال بأن السبب ليس غطرسته فحسب بل شعوره بجرح كبريائه المنتفخة نتيجة مفاجأته ببطولات جند القدير واستشراسهم في مقاتلته وتمريغ أنفه بتراب تل النوى لأول مرة. طلب المستر أن يحل محل قواته المنسحبة عناصر ليست من الأرض، وهكذا أطلقت أمم الأرض استغاثة ردت عليها كواكب من المجموعة الشمسية بأنها سترسل بعناصرها للحلول مكان جحافل المستر الصغير. وجاء رد مـتأخر من مجرة الأندروميدا لبعدها السحيق عن الأرض بتلبية الطلب أيضاً ، ويعتذرون عن احتمال تأخرهم في الحضور لأنهم يجهزون سفينة فضائية تطير بثلاثة أضعاف سرعة الضوء. سخر أحد المهندسين المنتدبين من قبل الشيخ عبد العاطي من ذلك الكلام واستهجنه كونه يعرف استحالة طيران أي كتلة بسرعة الضوء فما بالك بثلاثة أضعاف تلك السرعة.


بعد وصول عناصر من كواكب المجموعة الشمسية بأيام قليلة هبطت سفينة فضية براقة غريبة الشكل وترجل منها عناصرها. حاول المهندس الإقتراب من قائد السفينة ليستفسره كيف استطاع الطيران بثلاثة أضعاف سرعة الضوء فشع من عيني الضابط الأندروميدي ضوء أزرق قص الإسفلت أمام قدمي المهندس فارتعب الأخير وتراجع . ثم عاد وتقدم بضع خطوات نحو الضابط الأندروميدي يهذر باستغرابه لتلك السرعة الخيالية وبأن النظرية النسبية و نظرية الجاذبية لا تقران بعلمية تلك السرعة. بدا بأن الضابط لم يفهمه فأدار مفتاح جهاز مثبت في بذلته الفضائية وبرمجه على اللغة العربية وطلب من المهندس تكرار ما قاله فكرر المهندس ، حينها شرح الضابط للمهندس قائلاً بأنهم تقدموا في علومهم في الإندروميدا لأنهم لا يختلفون على ما في كوكب الأرض أو غيره، بينما أهل الأرض يتقاتلون على ما في السماء قبل أن يحلوا مشاكلهم الأرضية.

لم ترد على سؤالي . قال المهندس بإلحاح.
رد الضابط : نظرياتكم وعلومكم قديمة ومتخلفة، ما اكتشفه اينشتاين ونيوتن وغيرهما نـُدَرِّسُه ُ نحن في الصفوف الإبتدائية عندنا... للعلم فقط وليس لتطبيقه.
باستهزاء رد المهندس : اسم الله عليكن !
شعت أضواء عديدة من الميكرو كومبيوتر المثبت في بذلة الضابط الأندروميدي وهو يبحث عن معنى كلمة "اسم الله عليكن" وحين عجز عن فهمها طلب من المهندس إعادة ما قاله فضحك المهندس بانتشاء لإفحامه من يطير بثلاثة أضعاف سرعة الضوء ويعجز عن فهم عبارة يعرفها رعاة بلاده، وسأله كي يفحمه مرة أخرى فيما إذا كان لديهم شيوخ في الأندروميدا فقال الضابط بأنهم قد وضعوهم في المتاحف منذ عصور، ولكنهم يتمنون لو كان لديهم رجالاً كالمستر جبران خليل جبران.


************

على وقع حفيف أشجار الملول والسنديان المعمر المحيط بالسجن، وفي هدأة رواقٍ صباحي نقي، أشرقت شمس سميرة نصار. بعدها حضر السجان. تسمر بجذعه الجميزي قرب باب الزنزانة متفرعناً متغطرساً ثقيلاَ كنصف مجنزرة مطفأة المحرك. كان يحدج سجينه بغضب ويكز على أسنانه ثم قال له بأن حضرة الشيخ قـَبـِلَ التماسَ أقارب نصار للعفو عنه وإطلاق سراحه شرط عدم قيامه بأي نشاط يعكرمزاج الشيخ. بقي السجان يخبط راحته بسوطه لترهيب نصار وحذره من الإخلال بما تعهد به أقاربه. غاب نصف المجنزرة وبقيت صورة كرشه المنتفخ المحاط بحزامه الجلدي العريض تخشخش مفاتيحه حين يمشي كجرس على مؤخرة بغل. سار السجان عدة خطوات ثم عاد : ممنوع استقبال الحمام، كما طلب من سجينه أن يقول للحمامة بلغتها بأن الحمام مدرج على قائمة الممنوعات وبأنه سيذبحها في المرة القادمة .


تساءل نصار ؟ بلغتها ؟ ثم خـَمـَّنَ بأن السجان كان يسترق السمع من وراء الحائط حين كان نصار يناغي الحمامة فظن نصف المجنزرة بأنها تفهم على نصار كل ما يقوله لها.


لم تزره سميرته ذلك الصباح كعادتها، افتقدها نصار. اتجه نحو النافذة عـَـلـَّـهُ يلمحها قادمة نحوه ليودعها قبل مغادرته السجن. في ذلك الجو الخانق سمع وقع أقدام "نصف المجنزرة" التي لا يمكن أن يخطئها تقترب فعاد بسرعة إلى فراشه، أطل على نصار طلة عزرائيلية ثم تبعه قريب لنصار وبشره بخبر إطلاق سراحه لأن العائلة تشفعت له لدى الشيخ شرط أن يتعهد نصار بعدم استئناف "عبثه" مع المستر الصغير. فتح نصف المجنزرة باب الزنزانة لنصار ثم خبط براحته على بطنه المنتفخ ليقول لنصار بأن الحمامة صارت في زنزانة بطنه.


في طريقهما إلى البيت سأله قريبه فيما إذا كان سيعود إلى سلك التعليم بعد أن عـَدّلَ الشيخ مناهج التعليم. فـَكـَّرَ نصار للحظات ثم قال لقريبه بأنه لن يُدَرِّسَ ما يتناقض مع قناعاته، وبأنه يفضل تربية الحمام وبيعه بدلاً من التعليم. التفت القريب نحو نصار بإشفاق وأطال تحديقه به ثم قال له بأن الشيخ قد أصدر أمراً بتهجين كل أسراب الحمام كي يتوقف عن الهديل. لم يعلق نصار، ولكنه صار يردد بينه وبين نفسه بحرقة ما يعتقده بأن القيمة الحقيقية للحمامة ليست بلحمها بل بهديلها. وقرر أن يرحل وزوجته وأولاده إلى حيث يهدل الحمام .

القدر/ ليلى حجازى



مشيت طويلاً بحثا ًعنه و عندما وجدت بيته ،طرقت بابه بخجل فتح الباب حملني على راحته، رفعني عالياً حتى ظننت للحظة أني صرت في عالم آخر ؛إلى أن قابل وجهي وجهه الذي علته ابتسامة نادرة،لم أدرك معناهالكنه أدرك تماماً مصدر ابتسامتي الساذجةو قبل أن أنطق اعطاني صندوقاً صغيراً،ما إن فتحته حتى ابتلعني صرت داخل الصندوق حاولت فهم مايجري،فكرت كثيراً،،،مللت التفكير العقيم ناديته لم يسمعنى !سألته لم يلتفت، لم يجب احترت في أمري، تعبت من مضغ البكاء، أخيراً بكيت بكيت كثيراً...عندها نظر إلي نظرة حنان،عاد إلي بهابصيص ألامل سألته بصوت مخنوق مالحكاية ؟ !لم تسمعنى....بينما سمعته يقول ،ابتسامتك الساذجة تبحث عنك عندها فقط ، فهمت معنى ابتسامته النادرة أدركت أنه القدر


المسألة الثقافية والجمعيات بالمغرب/ سعيد غصان


عقد نادي القلم المغربي بفضاء الشاوية – الدار البيضاء يوم الأحد 29 غشت 2010 ندوة في شكل حلقة نقاشية ، حول موضوع "المسألة الثقافية بالمغرب والعمل الجمعوية " والتي ترأس أشغالها شريشي لمعاشي ( رئيس النادي ) حيث أشار في البداية إلى أهمية مطارحة المسألة الثقافية بالمغرب نظرا لما يعرفه الواقع الثقافي محليا وعربيا من اختلالات وفراغ في العديد من الأسئلة الإستراتيجية ؛واعتبر أن إحدى المداخل لفهم هذه الأسئلة هو علاقتها ووضعيتها داخل العمل الجمعوي الذي هو لبنة لاحمة وضامنة للتطور الثقافي والفني والفكري .

وختم تقديمه لهذا اللقاء بطرح مجموعة من التساؤلات عن حقيقة الحضور الثقافي في أجندة العمل الجمعوي .
أول متدخل ، كان هو ذ/عبد الحق نجاح حول أنواع الجمعيات المغربية التي تأسست في ظل قانون الحريات العامة ، فتحدث عن الجمعيات الرياضية التي شغلت حيزا مهما من الفضاء الجمعوي قبل أن تظهر الجمعيات الفنية والثقافية الملتزمة ، والتي جعلت الجهات الرسمية تنتبه إلى الدينامية التي تخلقها هذه الجمعيات في التأطير وشحذ الوعي ، فعملت على خلق ودعم جمعيات كان من أهدافها تمييع الحياة الفنية والثقافية بميزانيتها الضخمة !!.

ثم انتقل عبد الحق ناجح إلى التوسع الذي عرفه الفضاء الجمعوي بظهور جمعيات ذات بعد اجتماعي مهني - محلي (الحرف ،الأحياء، التوعية الطبية ،حقوق الطفل ،المرأة..)بتفاوت ملحوظ في تقييم مردوديتها .وختم ورقته بالتطرق إلى ظهور جمعيات جديدة تتلقى الأموال بسخاء من الداخل والخارج - فيما يتم حجبه عن جمعيات أخرى- بالإضافة إلى الهبات دون أن تكون لأعمالها المردودية الحقيقية والمرجوة .

الورقة الثانية ساهم بها د/ يوسف الياشكوري حول أنواع الأنشطة الثقافية التي تعتمدها الجمعيات بالمغرب ، ملاحظا ،بعد العودة إلى الإحصائيات، إن نسبة حضور البعد الاجتماعي والقانوني يطغى على كل الأنشطة ، في حين أن الأنشطة الثقافية – والتي توقف عندها د/ الياشكوري طويلا- تبدو عشوائية وانتقائية وخجولة ، وكثيرا ما تكون متوسطة وضعيفة المردودية من خلال مشاركات لا ترقى إلى مطارحة القضايا الأدبية والثقافية الضرورية .ونوه بالعمل الثقافي لعدد من الجمعيات رغم قلتها والتي تشتغل بدور الشباب أو المركبات الثقافية أو داخل أسوار الجامعة المغربية .وختم د/يوسف مداخلته بدق ناقوس الخطر بخصوص المسألة الثقافية في برامج الجمعيات .

وحول سؤال : ما جدوى الأنشطة الثقافية؟ تطرق د/ شمس الدين بلقايد إلى الموضوع من زاوية البحث في ما يسمى اليوم وقد أصبح ظاهرة لافتة للانتباه : المهرجانات ذات الميزانية الباذخة بالملايير والتي تصرف على أنشطة تتسم بالميوعة وتعمل ضد القيم الثقافية . والغريب،يقول د/ شمس الدين ، أن هذه الجمعيات لا تخضع للمراقبة أو المحاسبة ، ولا تمتلك تصورا ثقافيا أو مجتمعيا بالمرة.

واعتبر في النهاية أن الكثير من الدعم المقدم لهذه الجمعيات لا يندرج بدوره ضمن تصور مدروس مسبقا ولكنه يتخذ شكل الإرشاء ...وهو السؤال الذي فتح باب النقاش وقد امتد إلى وقت متأخر من ليلة الأحد الاثنين .

رحيل الشاعر مارون كرم


ماجدة الرومي تغني من كلمات مارون كرم
يقظان التقي

مارون كرم خارج الحياة في الاغنية التي كتبها والاغنيات التي عاشها بتدفق غنائي شغوف بالاصوات الكبيرة وتشاكيلها وتحولاتها. رحل أمس مارون كرم عن عمر يناهز 78 عاماً بعد اقامة في منزله في الزلقا بعد اجراء عملية جراحية دقيقة له. واحداً من رموز زمن ذهبي للاغنية اللبنانية في الخمسينات والستينات هو وتوفيق بركات وميشال طعمه في جيل حنون وعاطفي بعد جيل الاوائل اسعد السبعلي وعبد الجليل وهبي وبحدود اخرى ميشال طراد ومصطفى محمود.
هو الشاعر الشغوف، الدلوع، أحب لبنان حباً جميلاً، وبقي شغوفاً بلبنان الاول حيث شب في جزين، ولم يغادر الريف اللبناني كثيراً.
السهل، البسيط، بلا التباس ولا غموض ولا تعقيدات صاحب عبارة في مؤلفاته شاعرية في وضوح الجميل والسهل من "كروم الجمال" وتلك التي كتب مطالعها الأولى في الاذاعة اللبنانية منذ العام 1956 مترئساً برامجها التمثيلية والمنوعات.
رحل فارس الأغنية اللبنانية وقد أعطى الأخير، أجمل قصائده، شاعر الحب والعاطفة والحياة والارض والانسان من فيض نبع المحبة الذي كان يعصره.
يكفيه انه عايش الكبار وفي طليعتهم: وديع الصافي، صباح، نصري شمس الدين، نجاح سلام، سعاد محمد، سميرة توفيق، ملحم بركات، ايلي شويري، جوزف عازار، سمير يزبك، عصام رجي، ماجدة الرومي وآخرين.
غناه الكبير وديع الصافي في اجمل قصائده "لبنان دنية حب" و"اندق باب البيت" و"ايدي على خدي" فكان "عرزال" الاغنية ونظم واحدة من أجمل ما غنته ماجدة الرومي "يا نبع المحبة" وغيرها وغيرها من لوحات شعرية رائعة شكلت ذائقة الاغنية خلال العقود الفائتة عبر معاني غزيرة كان لبنان في قلبه، وبحيوية لم تفارقه حاول حتى الأمس القريب انتاج اغان جديدة للكبير وديع الصافي وناقش الزميلة نوال ليشع عبود في "صوت لبنان" في برنامجها السابق طويلاً وفاجأني بتلك الحيوية من دون يأس ولا احباط وفياً لما كتبه ولذائقته ولمساره الذي خطه منفتحاً على الجميع وبتعبه وعناده ودأبه وعرق جيبنه وتعب قلبه.
له 17 كتاباً: "مروان وسلوى" "كروم الجمال" "رسائل غرام" "رياح الحب" "ورد وشوك" "شوق وحنين" "كرم ياسمين" "بيادر الحنين" "على ورق الريح" "خوابي الحنان" "غناني ومشاوير" "مروج الاغاني" "عشر سنين حب" "سلوى" "شلال الفرح" "سلة ورد وقلوب" و"آخر مرة غاب مارون كرم لم يسعفه شغفه وغنجه الغنائي ولكن بقي في شعره تذكارات جميلة نحتاجها دوماً اغنية تعاني اليوم فراغاً كبيراً في كتابه قصيدة جديدة.
يصلى عليه عند الحادية عشرة صباح غد الاثنين 30 آب الجاري في كنيسة مار الياس انطلياس ثم ينقل الى بلدته بحنين حيث يقام له المأتم عند الرابعة بعد الظهر.
تقبل التعازي غداً الاحد بين العاشرة صباحاً والسابعة مساء في صالون كنيسة مارالياس انطلياس والاثنين بين العاشرة والحادية عشرة صباحاً والثلاثاء والاربعاء في صالون دير المخلص بحنين بين العاشرة صباحاً والسابعة مساء وكذلك بين العاشرة صباحاً والسابعة مساء يومي الجمعة والسبت 3 و4 أيلول في صالون كنيسة مار الياس انطلياس
المستقبل

الأماكن/ فريال الحموري



قد يرتحل الأنسان عن أو يفقد لآخر أحبه, أبا أو أخا أو ابنا أو زوجا ,بفراق , أو بموت, أو بضياع للخطوات, ولكن

تبقى هي الأماكن لا تبرح مكانها , ثابتة اقامتها, ضاربة في الأرض جذورها ومهما تعاقبت عليها تقلبات الأيام, ومهماتغيرت الظروف, والسكان, تبقى هي ما تحمل من الأنساان أغلى ذكرياته.

يرتاح الأنسان بين جنباتها, يشتاق لمن رحلوا وما رحلوا, يئن القلب اذ يفتقد لوجودهم, وتتوق الروح لمعانقة أرواحهم, أولئك الأحياء أو الميتيين.

وكل هذه الخواطر تأتي لواحدنا اذا ما هبط فوق أرض جمعته والغائبين في ذات فسحة من الزمان , فكم هي مهمة هذه الأماكن وكم هي تأخذنا اليها , نشعر بالفرح يغمرنا اذ نحيا بين أحضان الذكريات.

وتستمر الحياة, وتبقى هذه الاماكن هي مهبط أحلام سعادة عشناها , أو اغتصبها القدر من بين أيدينا عنوة.

الأماكن تبقى هي الأماكن , وان تغيرت ملامحها وتعاقبت عليها الأيام, ويبقى الحنين يشدنا وبقوة اليها لكي نعود ,نتحسس الأماكن التي جلس عليها الآخرون, وتغنى في ذات الأغنيات.نبحث عن وجوههم الحبيبة, بين صخب ضجيج الحياة أو سكونها في تلك الأماكن فنذرف الدمع اذا تذكرنا من غاب عنا وأخذ معه الألق.

وحتى في هذا النت العجيب وجدت الأماكن فكم من بروفايل نفتح ان افتقدنا لصاحبه , بارادته او مكرها لا قدر الله المهم يعيدنا التذكر اليه فنهرع لنبحث بين صفحاته ما يوحي انه حي يرزق أو انه لا زال معنا صديقا وقد نصدم اذا ما شعرنا انه مقفل ,او محتجب, او متجاهل للأصدقاء نشعر بالأسى والحزن وان كنا لا نعرفه أساسا..... لكنها الأماكن تلك التي تجمع الأصدقاء وتعيدهم لنا من خلالها.

نعم

هي الأماكن, وطوبى لها من اماكن, يجتمع الناس بها ويتفرقون ولكن تبقى هي الثابتة والمنتظرة لمن كانوا بها وأخذتهم الحياة عنها, لكنها لم تنسى أن تترك بهم ألقها ,ورونقها وأجمل الذكريات

الفصول الأربعة/ نيفين ضياء الدين

1- قتل البراءه

تركت حجرتها تركت الاسوار و الحواجز الشائكه تركت الحوائط الأربعة المجوفه لزنزانة السجن التي تسرق انفاس طفولتها.تركت علبة الكبريت وزواياها الاربع التى
تكاد تطبق انفاسها "كطى السجل للكتب"(سورة الأنبياء) تركت الحجره خاوية العروش, جحر الفئران ذى التصدعات الأربعة ,عتاد بلا عمد, سقفها يتعانق مع ارضها من شدة التلاصق بينهما, وكأن السقف "قاب قوسين او ادنى"(سورة النجم الاية 8-9) من الارض.ترى في اى حجره تعيش؟هل تعيش حبيسه داخل قفص للدواجن و الطيور؟ام داخل اسوار خلية نحل مكدسه بالاجساد البشريه المتراصه كصفوف جيوش النمل؟ اين تعيش تلك الطفله البريئه؟انها تعيش في قفص كعصفور كسير الجناح مسلوب الحريه , مسلوب الحياه و الاراده.انها تعيش داخل "غيابات الجب"(سورة يوسف الايه10) في رحم كهف مظلم تنفتح زنزانته في ساعات النهار كى تبدأ رحلة اكتساب الرزق و القوت وتغلق اسواره عند حلول الليل وهجوم الظلام.


اين تعيش هذه الدميه المسكينة؟ من اين اتت تترنح في خطى ضعيفه امام عيونى؟انى اراها كل يوم في مشهد متكرر لا ينساه قلبى...تخرج في ثوبها الابيض هائمه كالملاك كريشة عصفور كسير.اراها كموج البحر ولكنها تسبح عكس التيار تخرج من زقاقها الضيق الدائرى المتحور وكأنه بيت للثعابين, تخرج مع خيوط الفجر الاولي. ارى اشعة الشمس الذهبيه تلمس سلاسل شعرها الاصفر تحتضنها وتضمها في صدرها في حنان و كأنها امها.ارى ضحكتها الكسيره تضئ المكان بنور ابيض كحبات اللؤلؤ المنثور رغم ثيابها الرثه ورغم الغبره التي تكسو ثوبها ووجهها. من الذي اغتال براءة عسل وجهها الطفولى؟ اراها تمشي في ضعف...تحاول ان تتسلق السور لتختصر المسافه مسافة العبور من الزقاق الي الشارع.اراها تهبط و تصعد تعلو و تنخفض تقع و تقف في اباء وعزه وشموخ علي اقدامها الصغيره.اراها تحمل علي رأسها المقطف ملئ بالخضروات الخضراء اللون كلون قلبها الملائكى الطاهر.اراها تمسح حبات العرق المتناثره علي جبهتها كقطرات المطر,تتسند علي السور في خطى واثقه وعذيمه جياشه رغم العثرات و الحجاره التي تعترض طريقها.


اراها تحمل المقطف, تحمله "وهنا علي وهن"(سورة لقمان الايه14) المقطف صديقها, المقطف دميتها تتحكم فيه ويتحكم في مصيرها, المقطف كيانها و مكنون ذاتها.الي اين تذهب تلك الفراشة الهائمة؟الي السوق بدلآ من الحديقه ,تسير بين الاذبال بدلآ من الورود,كيف تختنق براعمها اليانعه بأشواك حاضرها وهموم واقعها؟كيف ترفرف هذه الحمامه البيضاء بجناحها الكسير في سماء النيران,نيران واقعها الملئ بالحرمان؟كيف نخنق رحيق طفولتها؟كيف نقتل عبير برائتها؟اراها تدنو من قلبى في خطى حزينه,اري خيالها في عقلى يرسم قوس قزحا ليس من الوان الطيف ولكن من الوان الغيوم الوان عبيرها الكسير,ارى قامتها القصيره هيكلآ ينهار في مخيلتى, يرنو نحو طوق النجاه ليستعيد قوامه ثم اراها تمد يدها لاخيها كي يساعدها في الهبوط من علي تلال السور.اراها تنحدر كقطرة ندى علي وريقات الورد ثم لا تلبث ان تستقيم قامتها كي تكمل رحلتها في خطى واثقه نحو نهاية الزقاق,تصبح صفحة وجهها شبحا لا في مخيلتى ولكن في جوف الطريق ,تلتهمها رحلتها, تصبح زكراها دخانا ابيضا لا في مخيلتى التي هي دارها ولكن في طي النسيان


2- مكنون ذاتها

تعود رؤياها في بؤرة بصرى, تتلأ لأ كراقصة باليه في سماء احلامى, تلعب كحوريه علي قيثارة ضفائر شعرى,تحاكينى واحاكيها,تسألنى احيانا فأجيبها,تستعجب من اهتمامى بها,تترآى كسمكه تسبح في ظلمات المحيط الهادى,كغيمه خضراء توقظنى من خرافات نومى...تعس في الظلام تصرخ باكيه في محاكاه بريئه مع أحمد شوقي:الست انت القائل" واذا رحمت فأنت أم او أب هذان في الدنيا هما الرحماء "(من قصيدة ولد الهدي) ؟ اخبرنى يا امير الشعراء اين ذهب لبن امى؟اين ضاع حنان ابى؟يتنحى شوقي ,يمتنع عن الاجابه,يتركها في ظلمات الحيره,فتراقبنى واراقبها,تندمج في مداعبة افكارى , تسألنى من هي؟فأقول لها دميه...لا بل هرما شامخا بلا قواعد...لا بل قوقعه بها مخاط هلامى محاط بالاشواك...ثم اقول لا انما انت درة مستتره في فم حوت ذي النون علية السلام...اقول لها ليس يهم من تكونين فأنت محراب قديسه مريميه تحمل مقطافا ام مهدا للمسيح عيسي عليه السلام...تنام في لحد الزحام ام تسير داخل قبو داخل مقبرة فرعونيه كمليكة محاطة بعبيدها...هل انت ملكة النحل محاطه بعبيدك من الدبابير؟ام انك دودة القز تنسج خيوطا من حرير تلفها حول نفسها تنسج شرنقة وفاتها تخنق انفاسها بخيوط حريرها...من انت يا طفلتي؟ يا قطرة الندى فوق صخور الهاويه المحاطه بزبانية جهنم...هل انت حورية البحر تقطنين في ممالك المحيطات ام انك جنية تستعر لهبا ونارا غائبه عن العيون؟ هل انت حبة القمح الخضراء عند القطاف ؟هل انت شوكه قسمت ظهرى؟ ام انك حرير غطى جسدى؟انك حبات رمانيه حمراء تتتخفى في الوان من فنون السحر...انك شهاب اخطأ طريقه في ظلمات الليل,فهبط علي ارض بلاهواء ... انت فقاعه حريرية الملمس...ملح البحر المترسب علي الصخور...انت المرمر المدفون في قيعان الجبال ... انت درة مكنونه ...انت شمعة بلا فتيل في دائرة الازمان.

في مجموعتها القصصية الأولى "حياتنا الصغيرة" فدى جريس تعاين واقع الجليليّ في قراه المحتلة


صدرت حديثاً عن دار فضاءات للنشر والتوزيع المجموعة القصصية "حياتنا الصغيرة" للكاتبة الفلسطينية فدى جريس في 154 صفحة من القطع المتوسط.

تضم المجموعة ثلاثة عشرة قصة هي: طوشة وقايمة، وبعدين مع عيشتنا، شبكة المعلومات، اللعبة، كيد النساء، الحلقة المفرغة، ترقية، البصلة وقشرتها، طرف ثالث، الطريق، مشروع مضمون، هي بشر أيضاً، على الانترنت.

يتميز العمل بقدرته على الغوص في التفاصيل اليومية للفلسطيني في قرى الجليل، متناولة جملة أفعاله العادية وهمومه وطقوس المعتادة، لتنفذ من خلال ذلك إلى جوانية الجليليّ وانشغالاته الوجودية وعلاقاته في محيطه ومع إخوته في الجوار العربي.

ويعتبر الباحث والكاتب د. خليل نخلة أن فدى جريس تمكنت في قصصها القصيرة من التغلغل في الحياة اليومية في قرى الجليل، وعكستها بامتياز في نص صريح، غير متعال، ومعبر عن النبض الفعلي لما يعيشه الناس.

ويضيف أن "هذه القصص هي "الثقافة الصغيرة" التي تميز الحياة اليومية، وإن "حياتنا الصغيرة" هي "ثقافتنا الصغيرة" التي تعبر أكثر عما نشعر به ونتأثر به، إنه نص بسيط ولكنه يعبر عن ثقافة جليلية محلية ثرية، بالرغم من سيطرة الاحتلال والقمع!".

"تذكرت أمي وأبي وحياتي مع قراءة كل سطر"، يشير الكاتب المقيم في رام الله، مستدركا "مع أن فدى جريس من قرية فسوطة، عندما قرأت قصصها القصيرة شعرت بأنها تحكي قصصا من قرية الرامة (قريتي). إنها تعبير للحياة اليومية في الجليل".

ويختم نخلة "لم أتمكن من ترك أبي رمزي وأم رمزي وأم فارس وفوزي وعفاف وناديا وإنعام وكريم وسهام وعادل وسارة وسلمى وأسامة وصبحي وكميليا وجميل وزهير، لقد استحوذ النص علي ولم أتخلص منه حتى قراءة السطر الأخير في هذا الكتاب!".

مدير دار فضاءات
جهاد أبو حشيش
دار فضاءات للنشر والتوزيع
عمّان – الأردن
شارع السلط - مقابل مبنى سينما زهران
تلفاكس: 0096264650885
جوال: 00962777911431

مقياس تدريج الجامعات، مقياس للتطور العلمي، الثقافي والاجتماعي للدول/ نبيل عودة

نشرت جامعة شانغهاي للاتصالات، ومقرها الصين، تقريرها السنوي حول تدريج الجامعات من حيث مكانتها العلمية والبحثية وانجازاتها.
مقياس شانغهاي للجامعات أضحى مقياساً ليس لتطور الجامعات فقط، انما لتطوير المجتمعات البشرية، للرقي الحضاري، ولحرية الابداع والتفكير والبحث العلمي في دول العالم المختلفة.
التقرير الأخير لمقياس شانغهاي صدر في 2010/8/14 حيث يدرج أبرز 500 جامعة في العالم، الأولى وهي الأبرز على الاطلاق ورقم 500 هي الأدنى على الاطلاق، والجامعات التي لا يشملها المقياس، لا يوجد ما يؤهلها لدخوله، ونفتقد عملياً للخواص الأساسية التي تشكل العمود الفقري للمؤسسات الجامعية، بصفنها مؤسسات أكاديمية بحثية وليست مجرد مدارس فوق الثانوية، خريجوها يفتقدون للتجربة البحثية وللفكر الأكاديمي الابداعي، وشهاداتهم تشكل اوراقا شكلية لا اعتبار لها في المعاهد العلمية والبحثية الدولية. كالعادة غابت الجامعات العربية عن مقياس شانغهاي، وكان من نصيب العرب جامعتان سعوديتان في مؤخرة التدريج، والمستهجن ان الصحافة السعودية نشرت الخبر بفرح كبير متجاهلة أن الجامعات المدرجات في قاع سلم أفضل 500 جامعة، هي مكانة لا تفصلها كثيراً عن مئات الجامعات العربية الأخرى وربما ما وضعها في هذه المكانة "المتقدمة" عن الجامعات العربية لا يعني التميز، بل قد تكون الميزانيات التي تخصص، والتي تتجاوز قدرات الجامعات الأخرى،والسعودية لا تنقصها الموارد للجامعات .
في قائمة أفضل عشر جامعات كانت 7 جامعات أمريكية، وبينها الجامعة التي احتلت المكان الأول، جامعة هارفارد الأمريكية ، وفي أفضل مائة جامعة في العالم نجد 54 جامعة أمريكية..
هذا الأمر يطرح العديد من الأسئلة المصيرية. لماذا تتخلف الجامعات العربية عن سائر مؤسسات التعليم الأكاديمي؟
في المائة والخمسين الأوائل نجد 3 جامعات اسرائيلية.
نحن لا نتحدث عن مونديال لكرة القدم، الحديث هنا يتناول أكثر المواضيع تأثيراً على تشكيل العقل العربي، والوعي العربي، والرقي العربي، والقوة العلمية العربية، والقوة الاقتصادية الانتاجية والابداعية وليس ريع النفط، الوارد بدون جهد عقلي عربي .
الحديث هنا عن مستوى تطور المجتمع ومؤسساته، ومستوى الخدمات التي تقدم للمواطن، وهل المجتمعات العربية في خدمة الانسان ، أم الإنسان حثالة بلا قيمة؟ بلا كيان؟
والأهم، في اطار التحدي الذي يواجهه العالم العربي في الشرق الأوسط ، وعلى رأس ذلك التحدي الأمني والعسكري، الذي لا يمكن معادلته مع التحديات بدون تطوير العلوم والأبحاث العلمية والتكنولوجية، ورفع مستوى الحياة للمواطن العربي، وليس مجرد حشد أجسام وتعداد الملايين.. هناك غياب عربي .
ما أريد أن أنوه له أن مقياس الجامعات هو مقياس لرقي الجامعات، ولحرية التفكير والابداع الاجتماعي والانساني ، ولا أعني بالابداع الناتج الثقافي والأدبي والفني انما الابداع في العلوم والتكنولوجيا، الابداع في انتاج الخيرات المادية للمجتمع.الابداع في رفع مستوى الحياة ومستوى الخدمات الاجتماعية والصحية للمواطن .الابداع في صيانة حقوق الانسان، وحقه في حياة آمنة حرة.
قد يعلق البعض على مقالي بأني أقوم بدعاية للامبريالية الأمريكية، أو للصهيونية، ولكن لا يمكن تجاهل أن جامعة هارفارد الأمريكية التي احتلت النرتبة الأولى، حاز 54 من خريجيها على جوائز نوبل في مختلف الحقول العلمية؟ وهي حقول تضمن التطور والفائدة لكل انسان على وجه الأرض، بما في ذلك العرب ايضاً، جامعة هارفارد تستثمر 26 مليار دولار في التعليم والأبحاث التي تشمل مناطق شاسعة في العالم، وهي بؤرة اشعاع ثقافي وعلمي لكل شعوب العالم.
بينما نلاحظ أن الكثير من الجامعات العربية هي مجرد بؤر تجارية بدون قيمة علمية أو تنويرية.
كذلك نجد أن الدول المتقدمة تزيد دائماً التمويل للبحث العلمي في الجامعات ،هذا التمويل يعود بفائدة على المجتمع قيمتها المادية أضعاف ما استثمر في الأبحاث.
ما هو الواقع العربي؟
المقياس هو نسبة الانفاق على البحث العلمي من الناتج الاقتصادي الوطني، في الوطن العربي هناك زيادة في نسبة الانفاق على الأبحاث، ولكنها ضئيلة جداً.
ارتفعت نسبة الانفاق على البحث العلمي قياساً الى الناتج المحلي، من 0.31% عام 1970 الى 0.67% عام 1990.
ما هي المقاييس في الدول المتقدمة؟
نسبة الانفاق في فرنسا والسويد تبلغ 2.7% و 2.9% على التوالي من الناتج القومي . عام 1994 كانت نسبة الانفاق على البحث العلمي في مصر 0.4%، في الأردن 0.33%، في المغرب 0.2% ، في سوريا ولبنان وتونس والسعودية 0.1% من اجمال الناتج القومي.
وبلغة الأرقام الأبسط، كل الدول العربية خصصت للأبحاث العلمية عام 2004 ما يعادل 1.7 مليار دولار فقط أي 0.3% من ناتجها القومي .تعالوا نقارن مع اسرائيل ، بصفتها التحدي الحضاري والأمني للعالم العربي .
الانفاق على البحث العلمي ( ما عدا العسكري الذي يعتبر سوبر علمي) عام 1999 انفقت اسرائيل 9.8 مليارات شيكل أي ما يوازي 2.6% من حجم الناتج الوطني. عام2004 وصل الانفاق الى 4.7% من الناتج القومي الاجمالي. ونجد اسرائيل تسبق دولاً متقدمة وغنية مثل فرنسا والسويد مثلاً، وتبلغ معدلات البحوث داخل الجامعات الاسرائيلية من أعلى النسب في العالم.
وكما قلت هذا عدا تطوير البحوث العلمية والتكنولوجية التي تتعلق بالجيش.
اذن هل بالصدفة حصول باحثين من اسرائيل على جوائز نوبل كل سنة تقريباً؟
هل بالصدفة أن الجامعات الاسرائيلية في الأماكن المتقدمة من التدريج حين تغيب كل الجامعات العربية اطلاقاً؟!
هل بالصدفة أن اسرائيل تقف في الصف الأول من حيث عدد الأبحاث العلمية التي تنشر في العالم؟!
اسرائيل تصرف 2500 دولار على تعليم الفرد مقابل 340 دولار في الدول العربية، اسرائيل تنفق 7% من ناتجها القومي على التعليم مقابل 5% في أمريكا و 4% في اليابان.
ولم تنشر معلومات عن النسبة في العالم العربي وأتوقع أن تكون منخفضة بشكل مريع.
في اسرائيل 1395 عالماً وباحثاً لكل مليون مواطن وفي العالم العربي 100 عالم وباحث لكل مليون مواطن.
معلومة مؤلمة أخيرة، اسرائيل تطبع 1000 كتاب لكل مليون اسرائيلي وفي العالم العربي 3 كتب فقط.

Almsaa.net
nabiloudeh@gmail.com

شربل بعيني الملك الأبيض: كتاب جديد للأديب التونسي كمال العيادي


صدر في سيدني أستراليا كتاب جديد للأديب التونسي كمال العيادي بعنوان: شربل بعيني الملك الأبيض، وهو كناية عن تعليقات رائعة كتبها العيادي تحت مقالات الشاعر اللبناني شربل بعيني المنشورة في موقع (دروب) الالكتروني عام 2006، لتخرج اليوم إلى النور ضمن كتاب أنيق مؤلف من 112 صفحة من الحجم الوسط، مبشّرة بمدرسة جديدة في أدب التعليقات.
وها نحن ننشر مقدمة الكتاب، وكلمة الغلاف الخارجي:

مقدّمة
بقلم د. علي بزّي
رئيس مجلس الجالية اللبنانية في أستراليا

علّمونا في مدارس أيام زمان عن أدب الرحلات، وأدب الرسائل وما شابه، ولم يدر بخلدهم أننا سنصل إلى يوم نعلّم به أطفالنا عن أدب التعليقات.
أجل، أدب التعليقات.. وخير دليل على ذلك هذا الكتاب الغارق حتى نقطه وحركاته بالنثر البديع، والشعر الرفيع.
وها أنا أطلعكم على حبيبات قليلة جمعتها عن بيدر (العيّادي) المتخم بخيراته، علّني أعطيكم ولو لمحة بسيطة عن أدب قد يبدأ ساعة صدور هذا الكتاب، ومن يدري فقد يغيّر شكل التعليقات التي نقرأها، ونشمئز منها، ونشفق على أصحابها لتفاهة معظمها، لدرجة أن العديد من أصحاب المواقع يسارعون الى التخلص منها كما نتخلّص من نفاياتنا كي لا تزكم الانفاس أو تنشر الجراثيم. أولئك الذين عناهم العيادي حين أبدع:
كثيراً ما أطرق أبواب نصّك العديدة،
لأستريح من نزق الريح،
وفساد السرد المليء بالغبار،
وبما هو صالح وطالح،
وكنت دائماً مطمئناً إلى أنني واجد
في حدائقك من الأرض
ما يكفي لأرى السماء صافيّة.
فهو، إذن، لا يرى السماء صافية إلا بالسرد الصالح الخالي من الغبار. كيف لا، وهو الذي أبى أن ينزف قلمه، أينما كتب وحيثما كتب، إلا الدرر، فأضحى الرائد في عالم أدب التعليقات:
أنا المكوّر كاللوز الفج
خاتم رسائل حبّه..
...
آيتي الليل والقمر ورجع الأنين..
...
أنا الذي يفكّ القيد ويرفع حرج النساء.
أنا خشب الصندل المعطّر بريح السفن القديمة.
...
هذا الربيع ليس له علامة..
ربما كذبت كل الفراشات
وربّما كذب الخطّاف ثانية..
...
وحدهم الشعراء لا يموتون
...
أنا أحييه متعمّداً ألاّ يرى من وجهي إلا نصفه المبتسم.
بربكم، هل هذا كلام تعليقات؟!
اسمعوه إذن حين يمدح:
نبلك يغرقني في لجة من الغبطة والزهو.
حقّ لمثلي أن يتطاول بمثلك.
أو حين يعضد:
غابة حزنك مثمرة أشجارها،
وتغري كل مساء بالتوغل فيها من جديد.
أشدّ بكل حبّ وفهم وقوّة على يديك،
راعياً جديداً،
يقشّر بثُور الزمن بصوت نايه،
ويحدّث العشب عن نزق الأشجار التي تحلم بالرحيل..
وقد تفعل.
أما إذا أراد أن يعايد فيترك (للزوّار حرية التجول بين الفوانيس، والتلاقي عند مداخل أبواب المحبة السبع).. إلى أن يلقي قنبلته الوردية:
سنة شربلية بكل ما في الإسم من معنى يفيض ويضوع منك عليه.
أمام هدايا كمال العيادي يصمت جميع أمراء الكلام وملوكه:
إسمع، هذا ما تبقّى، خذه: سور القيروان الشرقي!
وأمام شكره يرتجفون أيضاً، إذ أنه لن يرضى بأقل من هذه العبارة الملكة:
شكراً أيها الملك الأبيض.
بعد هذا، أصبحت على يقين من أن حاتم الطائي تونسي المنشأ.
أصدقاؤه خط أحمر، والويل ثم الويل لمن يتطاولون عليهم، فلسوف يضرب الجبان منهم كي يخرّ أمامه الصنديد:
القردة قردة،
والجرابيع جرابيع،
والأسود أسود،
كل يعوج على طبعه.
فكمال الأديب ليس كباقي الأدباء، إنه (الجوّال بين أودية الكلمة المعتّقة) لا يطمع من (سقط الدنيا بغير بعض قلب مما تحمله أنت).
أف، كم أنت محظوظ يا شربل بعيني بصحبة كمال العيادي، فلقد بدأت أغبطك عليها، فمن غيره يحلّق بقلب الشاعر كي يطرد (الجعلان من سياق اللغة، ومن مزارع المساجد والكنائس).
من غيره أقسم أن لا يزيح قيد أنملة قبل أن يحقق هذا الهدف، لأن اللغة (أرض كل شاعر لا يخون).
عظمة كمال العيادي ليست برونق لغته، ولا بسلاسة أسلوبه، بل بتواضعه الجمّ، رغم مقدرته الأدبية، ومن غيره يتجاسر على قول ما قال لشربل:
عجبك أنني أخرج من كل معركة منتصراً، فسببه أنني أتعلّم منك، ومن الكبار أمثالك من الكتّاب.
قليلون جداً هم الكتّاب الذين يعترفون بالتلمذة الدائمة، فلقد أصبحوا، أو هكذا تخيلوا، عباقرة زمانهم منذ الخرطشة الأولى، كي لا أقول: الشخبطة.. شخبط شخابيط، وأتّهم بسرقة أغنية نانسي عجرم.
لله درّك يا ابن تونس، فلو تابعت الاستعانة بكلماتك لما كتبت كلمة واحدة من عندي، إذ أنها تسحرني، وتشدني الى الاستعانة بها دون إدراك مني، وها أنا أهديه ما أهدانا:
إنّك ملاّح بين قلّة،
يعيد فتنة العبارة،
وأنوثة البحر،
لبيت الشعر الصافي.. شعر الينابيع.
لو شئت لكتبت كتاباً في شرح هذه التعليقات، ولكنني سأكتفي بهذا القدر كي لا أؤخركم عن الاستمتاع بها، كونها البداية لأدب إلكترونيّ جديد، يقدر أن (يستحيل النور والضوء معاً).
كمال العيادي.. شربل بعيني.. ألف شكر لكما.
**
كلمة الغلاف الخارجي التي أهداها شربل بعيني لصديقه كمال العيادي: 
ما أصعب أن تكتب عن أديب كتب عنك وأبدع، فلسوف تقف أمامه كالتلميذ أمام معلمه، له الكلمة والطاعة، وما أجمل الطاعة حين يكون الكلام معلماً.
أنا أعرف تماماً أن العيادي كتب هذه التعليقات بسرعة الضوء، لأنها مضيئة كالشمس. كتبها وهو يرشف قهوته الصباحية، أو يتأهب للنوم.. كتبها وهو يسرع إلى قضاء حاجة، أو وهو يدخّن النرجيلة، ولكني ما زلت أجهل كيف تمكن وهو على هذه الحال من ابتكار عبارات أدبية وصور شعرية أقل ما يقال فيها إنها رائعة.
هنا يكمن صدق الكلام، فلو لم يعجب كمال بما قرأ لا يمكن أن يكتب ما كتب، وبالتالي لا يمكن أن أعجب أنا أو أنتم بما كتب. فالأدب عكس المرآة لا يريك نفسك فحسب، بل يسلّط عليك المجهر ليراك الآخرون.
وها هو العيادي تحت المجهر، فاحكموا عليه: هل أبدع؟.. هل كان السبّاق في ابتكار أدب التعليقات؟ هل أعطى درساً قاسياً لكل من علّق على مقال بتفاهة تخجل منها الكلمة؟ وأخيراً، هل سيغيّر هذا الكتاب سير التعليقات المستقبليّة في عالم الإنترنت؟
أجل.. هذا ما سيحدث، وإلى أن يحدث، سأردد على مسامعكم ما رددت في خلوتي: شكراً يا كمال.. شكراً أيّها التونسي الأخضر، من وحي أغنية فريد الأطرش: تونس أيا خضرا.. قد نلتقي، وقد لا نلتقي، قد نتعانق وقد لا نتعانق، ما هم، المهم أننا لن نرحل عن هذه الفانية كباقي الناس، بل سنبقى معاً، وسنعيش معاً إلى أبد الآبدين ضمن جنّة هذا الكتاب.. الملك.
**
ألف مبروك للعيادي وللبعيني بهذا المولود الأدبي الجديد الفريد من نوعه في عالم الأدب.

ربّة القصر/ د. عدنان الظاهر



( أنا والهاجس ووجهها المخفيّ . الهاجس هو أنا الآخر أحياناً والشيطان أحياناً أُخرَ ) .

يُسائلني هاجسي : ما سبب نعتك لهذه الفتاة بربّة القصر وأي قصر وأيّة ربّة فالأرباب والربّاتُ كثارٌ ؟ لم أجبهُ ، لا استنكافاً ولا تكبّراً ولا عناداً إنمّا جهلاً بالجواب ! لا أعرفُ الجواب . لاذ لحسن حظّي بالصمت وتظاهر بالإنصراف عنّي وعدم اكتراثه بموقفي . إنه إبليس . شيطان . شيطانٌ رجيم . تظاهر بالإنصراف عني لكنه كان طوال الوقت يُراقبني قريباً ـ بعيداً عنّي . عينٌ عليَّ والأخرى على وجهيها ، الحاضر والآخر الغائب . في التصوير الأول منهما مرتديةً كافة ألوان الطاووس الشاهنشاهي وريشه وخُيَلائهِ وفي الأخر فضّلت لأول مرةٍ اللون الرمادي . سيّان ، كلُّ الأطياف اللونية تناسبُ لونَ بَشَرتها وزرقة لازورد وتركواز إستدارة قَمَريْ عينيها . ليته يتركني وباقي شؤوني ويُلهي نفسه مستغرقاً سائحاً هائماً في غموض عوالم السيّدة ودواخل مشاعرها الباطنية . ليته ليته ! إلتقطَ الشيطانُ الإبليسُ منطوق الجملة الأخيرة فسألني : أوَ تحسبُ أنَّ هذه السيّدة صاحبة القناعين إنسانة متصوّفة ؟ لا أدري ، أجبته . إسألها و [ إسالْ روحك ] . ضحك اللعينُ وقال إنما هذه واحدة من أغاني أم كلثوم . أجلْ ، وإنها تهوى سماع أغاني أم كلثوم . أطرقَ يسألُ كَمَنْ يمتحنُ نفسَهُ مُردِّداً : هل عاشقةُ صوت أم كلثوم صوفيّةُ الهوى والمنحى؟ أشفقتُ عليه فخفّفتُ بعضَ العِبءِ عن كاهليه قائلاً إنها ليست صوفية حسب مفهوم التصوّف المطلق المعروف ، فلا الحلاّج مثالها ولا مُحيي الدين إبنُ العربيِّ ولا النُفَّري. قال لكنَّ هذا الثالوثَ حُجّةُ وكعبةُ الكثير من الشعراء كالبياتي وأدونيس وغيرهما . إنها ليست كهؤلاءْ شاعرة يا شيطانُ ، قلتُ له . إنها امرأةٌ تهوى الأدبَ حسبُ ، وفي حياتها رهبنةٌ أو شيءٌ كالرهبنة . لا تخرجُ عن الأعراف والأصول مكتفية بما لديها وما يأتيها من رزق حلال مشروع . تنحنح الشيطانُ وابتسمَ وهذا دَيدنُهُ إذا سخر من شيءٍ أو لا يصدّقه أو لا يتطابق مع عقائده ومبادئه وطرق تفكيره وفهمه للحياة . شجّعته أنْ يُفصحَ وأنْ يقولَ . ركّز عينيه في عينيَّ ثمَّ قال : أجلْ ، أتفق معك على أغلب ما قلتَ سوى أني لا أراها راهبةً أو متواضعةً أو قانعة مثل باقي مَنْ تعرفُ وأعرفُ من فتيات أديبات أو شاعرات أو روائيات . سألته مستنكراً إدّعاءَهُ ما دليله على ما أفاد به ؟ قال انظرْ كيف تتلفع وما ترتدي من فاخر الملابس وما تختار من زخارف وألوان وأصباغ وكثرة ما تلتقطُ من صور تبدو فيها كأنها نسخة طبق الأصل من بعضها : صورة أمامية لوجهها لا غير . لا من صورة جانبية أو نصف جانبية أو بوجهٍ مُلتفتٍ إلى هنا أو إلى هناك . كأنها طابع إنكليزي لا يحمل إلاّ صورة ملكتهم التي لا تعرفها أماراتُ الشيخوخة. إمتعظتُ في الحقيقة من مداخلة الإبليس الشيطان . حسدها أو نَقِمَ منها أنها تُكثر من إلتقاط صُور وجهها الجميل الجامد المنحوت من الرخام الإيطالي [ لا تعرفُ كيف تبتسمُ إلاّ إذا انتحبت ! ] وإنها على ذوق رفيع في اختيار ملابسها وألوانها . كان بالطبع يُراقبني فأضاف مُتسرِّعاً : لا تنسَ كَثرةَ ما تتلفّعُ به وتتدثر و تتزمّلُ حتى لا يعرفُ رائيها أهي في فصل الصيف أو الشتاء . ولماذا تحسدها يا شيطانُ وعهدي بك تُحبُّ الجميلات وتتعبدُ للجمال ؟ قال بل أعبد الجمال الطبيعي البسيط متّبعاً قول أبي الطيّب المتنبي :

حُسنُ الحَضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ

وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوبِ



إحتجّتْ [[ مَنْ تحسبُ نفسَها الموناليزا أو تحاولُ أنْ تكونها مُعلّقةً على أحد جدران مُتحف اللوفر الباريسي ]] شديداً وقالت رويدكَ يا هذا ! قال المتنبي هذا الكلام قبل أكثر من أحد عَشَرَ قرناً من الزمان . فلو قُدّرَ له أنْ يُعمَّرَ مثلما عُمّر نوحُ الفُلكِ المشحونِ لرأى ما رأى ولقال شعراً مُغايراً لما قال في بيته السابق . إنه إبنُ عصره ومجتمعات ذلك العصر وتقاليدها ومفاهيمها المغايرة لما نحن اليومَ فيه . الزمان يتحرك والدنيا تدور ولا من ثابت فيها أو ثبات ، هل فهمتَ يا إبليس الأباليس ؟ لم يعلّق إبليس . طلب الإذن لقضاء حاجة وهذا ديدنه كلّما رام التهرّب أو الإنفلات من موقف يرى فيه إحراجاً له . وجّهتْ ( ألمو ) ناليزا كلامَها لي تحثّني أنْ أبيّنَ رأيي وأحدد موقفي . وجدتُ في الحقيقة نفسي مُحرّجاً لا أدري كيفَ سأوفّقُ بينها والشيطانَ والشيطانُ في نهاية الأمرِ محسوبٌ عليَّ شئتُ أمْ لمْ أشأْ ؟ إذا قلتُ الحقيقة كما أراها وكما تلوحُ لي سيغضبُ أحد الطرفين أو كلاهما فبمن سأستجيرُ ومنذا الذي سيُجيرُ ؟ هل ألوذ بالصمتِ والصامتُ شيطانٌ أخرسُ جبانٌ أو أعرِبُ عمّا في نفسي وما في رأسي من قناعات وأتحملُ النتائج والعواقب شأن الرجال الأشاوس الذين عرفتُ ولم أزلْ أعرفُ ؟ وسوس لي شيطاني أنْ يا فلانُ خذْ مَثلاً منّي واطلبْ منها الإذنَ واذهبْ إلى دورة المياه وابقَ هناك ما شاءَ لك البقاءُ وأنا سـأتكفّلُ بالمهمّة وأُغطّي فترة غيابك بما يُطربها ويُسلّيها وسأقرأُ لها شعراً في الحبِّ وسأتغزّلُ بها متلبسّاً أقوال وهيئات مشاهير العشّاق مجانينهم وعقلائهم . نفّذتُ الفكرة فقد طابت لي وانقذتني من موقف حَرجٍ جداً . إختفيتُ ولكنْ ليس بعيداً عن مكان جلستنا إذْ كنتُ أسمع جيّداً حديثَ السيّدة والشيطان من غير أنْ أُشاركَ فيه . شرع يُنشدُ دون مقدِّمات بعض أشعار التشبيب والنسيب وما ألطفه حين يُغرّد مُنشداً :

زوّدينا من حسنِ وَجهكِ ما دا

مَ فحسنُ الوجوهِ حالٌ تحولُ

وصِلينا نَصٍلكِ في هذه الدُن

يا فإنَّ المُقامَ فيها قليلُ

أصغت المو ( ناليزا ) بكلِّ جوارحها لما كان الشيطان يقرأُ عليها من شعر أبي الطيّب المتنبي العراقي الكوفي ثمَّ الكندي اليماني . سألته ، وقد أعجبها ، لِمنْ هذا الشعر وفيمن قاله ؟ أجاب عن الشق الأول واعتذر عن الباقي من سؤالها . لا أدري فيمن قاله هذا الشاعر الذي كثيراً ما كان يقولُ ولا يفعلُ . سألته هل تُجيد الغناء ؟ قال إني لستُ مُطرباً لكنّي أهوى الإستماع للغناء الجيّد لحناً وأداءً والفاظاً وقلّما تجتمع هذه الأركان في أغنية واحدة ولمطربٍ واحد . قالت هيّا شنّفْ أسماعنا وسأجازيك الجزاء الأوفى . قال في نفسهِ الشيطانُ ( أشكُّ في وعدها ! لم تكنْ مبسوطة اليد في حياتها أبداً ! ماذا تفعلُ بما يأتيها من موارد شتّى من كل صقعٍ وحَدبٍ وصوب ؟ ) . ركّز عينيه ، وهذه عادته ، في أعماق عقيق سماء زرقة عينيها البونابارتيّة وقال : سأغنّي لك ولو أني في شكٍّ يشبهُ اليقين من أنك سوف لا تنفذّين ما وعدتِ . قالت محتجّةً برفق كأنها كانت تتكلم بعينيها : أنا لستُ تلك التي قال فيها عمر إبن أبي ربيعة [ ليتَ هنداً أنجزتنا ما تَعِدْ ] . قال في سرّهِ مرةً أُخرى : أنت مثلها إذا لم تكوني أشدَّ بُخلاً منها ! فكّر ، مع ذلك في طلبها ورقَّ لحالها وهي الأنيقة الجميلة وجهاً وروحاً فبخلُ الناس وشحّتهم لا يُعكّران صفو جمال وجوههم ولا يشوّهُ أرواحَهم . حضرتُ وقد زالت أزمتي والفضلُ لصاحبي الذي لا يُفارقني نهاراً وليلاً فأقحمتُ نفسي في صُلب الموضوع ومن غير استئذان واقترحتُ صرف النظر عن فكرة الغناء . قلتُ للسيّدة ـ هاوية إقتناءِ لوحات النساء الجميلات الزيتية ـ إنَّ هذا الشيطان ما كان جادّاً فيما ادّعى ، إنه لا يُحسنُ الغناء وإنْ أحسنَ إنشادَ الشعر ، فليس كلُّ مَنْ كان خطيباً كان مُغنيّاً. لم تكترثْ بالنتيجة ، لم يصدمها قولي الذي أردتُ به أساساً إنقاذ ماء وجه الشيطان الخالي أصلاً من ماء الحياءِ وماء الحياة . قالت ما دام صاحبك وحاملُ أسرارك الشخصية ومستودع أفكارك لا يُجيدُ العزفَ والغناء فلا بأسَ من أنْ نسمع صوتك غناءً أو شعراً ولا سيّما شعر الغزل . لا أُجيدُ الغزل والتغزّل يا سيّدة فاعذريني . أطلبي ذلك من الشاعر رامبو . قالت تكذب ! قرأتُ غزلاً لك منشوراً في بعض المواقع وإنْ كان قليلاً أو نادراً فهيّا قلْ شيئاً منه ولا تترك هذه المناسبة جافّةً من غير معنى . أحرجتني بكثافة وحركة أصباغ شفتيها وسماءِ زُرقة عينيها . حقّاً أحرَجتني وأنا بطبيعتي خجولٌ كتومٌ فيما يخصُّ موضوعات الحب والغرام وهي شؤونٌ خاصّة يُخفيها الناسُ فكيف بالغزل وهو كلامٌ لا يمكنُ إخفاءَهُ ؟ صَعَدتْ من أعلى صدري والترائب زَفرةٌ حرّى وتسمّرتُ لا أستطيعُ إتيانَ أية حركةٍ لا موضعية ولا إنتقالية ولا حلزونية ولا حتى دورانية . إلتقطتْ الحِلزونة البحريّة الكثيرة الألوان والأصباغ حراجة موقفي وما أنا فيه فتكرّمتْ بالقول : لا بأسَ عليكَ ، أمهلك حتى صباح الغد فهيئْ نفسَكَ وأشعارَغزلك وتعالَ أَسمِعني فأنا في شوق عارم لسماع إطرائك لي مدحاً لمواهبي أو غزلاً بسحر ما أختارُ من أطياف لونية مُغرية أو لجمالي السرّي المخفي ، وجهي الليليِّ الثاني ، لا ذاك الذي تَراهُ فيما تنشرُ وسائلُ الإعلامِ من صور مُنتقاة تُلتَقَطُ لي في أستوديو. قبلتُ عَرضَها شاكراً وقلتُ سأفكّرُ جديّاً بالأمر . قبل أنْ أنهض لتوديع الضيفة لكزني اللعين بمرفق ساعده وقال إذا لم تُسمعها شيئاً من أشعار غزلك فأقرأ لها بحضوري أبياتاً من قصيدة ّ " ربّةُ القصرِ " التي سبق وأنْ قلتها في مناسبةٍ أخرى في زمنٍ ما وقتَ فورات الصِبى والشباب . مقترح جيّد . أنشدتُ :

يا ربّةَ القصرِ هل في أمرنا عَجَبٌ

إنْ كانَ في ساحِنا لم يرتفعْ عَلَمُ



عودي إلى أرضنا العطشى مُطاوَعةً

عودي ، ففي نبعنا الفضيِّ نحتلِمُ



دارتْ على محوري المكسورِ في صَخَبٍ

شتّى الرياحِ وفي تَصخابِها صممُ



مَنْ علّمَ المكتوي ناراً مُهادنةً

سلْ ربّةَ القصرِ يا مَن " غشّها وَرَمُ "



يا ربَّةَ القصرِ أزماني مُشاكسةٌ

كالخيلِ تركضُ في بحرٍ وتصطدِمُ



سألتْ لمن هذا الشعر ثم أردفتْ : فيهِ غزلٌ لا يُمكنُ إنكارَهُ وتدّعي أنك لم تقلْ غَزَلاً ! لا غزلَ فيه يا سيّدة ويا ربّة العصرِ والقصرِ والجَمَرات المتقّدة وغير الميقّدة ويا قيصرة . فيه لوعة قديمة وفيه تشكٍّ ومرارة في الفم واللسان والذكرى. تنهدّتْ ثم قالت : ليتك تقولُ فيَّ مثله ، ليتك !

تصبحون على خير . وأنتِ من أهله .

تأبيناً للمرحوم الدكتور غازي عبدالرحمان القصيبي/ د.ابراهيم عباس نــَتـــّو


غازي القـُصيبي و البحرين!

لَمَت بالمرحوم الدكتور غازي عبدالرحمان القصيبي وعكة سرطانية معوية بُعيد حلول عيد ميلاده السبعين الميلادي. (ولد في الاحساء، المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، في يوم السبت، 2 من مارس 1940م؛ الموافق 22 من المحرم 1359هـ؛ ثم نشأ و ترعرع في البحرين.)

كان د.غازي قد اتمّ دراسته الى نهايات المرحلة الثانوية في مدارس البحرين..ثم سافر الى مصر للمرحلة الجامعية الأولى، و كان معه عدد من ابناء البحرين، كان منهم: الشاعر/ عبدالرحمان رفيع، و رجل الأعمال/ محمد كانو، و القاضي/ محمد صالح الشيخ.

أشيرَ الى هؤلاء الأربعة ببعض بنان عند صدور اول رواية للدكتور غازي، شقة الحرية، بأنهم ربما كانوا المقصودين برفاق "فؤاد"، الشخصية الأساسية في الرواية. لكني سمعتُ كلاً من الأربعة و هو لا يقرّ بذلك؛ أما د.غازي نفسه، فكان يشير الى كون الكتاب "رواية"، و أن شخصياتها الأساسية الأربعة قد تنطبق على أي من رفاق الدراسة في القاهرة حينئذ، أو كل من رفاق الدراسة الأربعة اولئك.. (الذين بالفعل تشاركوا معه في سكناهم في شقة في الدُّقي في حي العَـَتـَبة خلال دراستهم الجامعية في القاهرة). لكنني لاحظتُ ان كلاً من الأربعة لم يؤكد ..و لم يدحض.

لقد لاحظت في البحرين ان كانت هناك محبة غادقة للدكتور غازي و حظوة في مختلف طبقات و فئات البحرينيين و البحرينيات. كما كان قد عـُدّ ضمن الشعراء "البحرينيين" في معظم المواقف، و خاصة في كتاب أعده د.هاشم العلوي، بعنوان: شعراء البحرين المعاصرون، فضم الكِتابُ 24 شاعراً "بحرينيا"، جاء د.غازي في اوائلهم.. بُعيدََ الشاعر إبراهيم العـِريِّض و من كان في سِنه.

كما لاحظتُ حظوة خاصة و محبة عند امير البحرين و لدى عموم شيوخها.. مثلما بين ادبائها و اعيانها و عموم مواطنيها. ذات مرة، رأيت المرحوم الشيخ عيسى بن سلمان (والد الشيخ حمد، ملك البحرين الحالي)..و هو يعود د.غازي اثناء وعكة المت به في 1985م، و قام شخصياً بزيارته في مستشفى البحرين الدولي.. قرب مسكن معاليه حينها في منطقه المقشاع،على طريق البُديّع. كما كان ملاحظاً ملاقاة الشيخ عيسى له ببشاشة و حفاوة، أكثر من البشاشة المعهودة منه اصلاً للجميع,



و كان مما لاحظتُ، عبر السنين، اهتمام د.غازي الدائب الدائم بالبحرين و شئونها و متطلبات التنمية فيها بعامة و بصفة متواصلة. فكان هناك الكثير مما شاهدته و استنبطته من وثيق صلاة د.غازي و حميم متابعته للتنمية و البناء في البحرين حتى و هو بعيد عنها في مختلف المناصب التي تقلدها..في الرياض او خارجها.



و كان شريكه المباشر في تنسيق و تنفيذ المشاريع البحرينية المرحوم المهندس يوسف احمد الشيراوي-الوزير السابق للتنمية و الصناعة في البحرين. فلقد كان الأخير دائب التواصل مع الدولة السعودية بواسطة د.غازي و علاقاته الشخصية معه..أو بحكم عضوية كل منهما في مجلس وزراء بلده..أو مع تشابه التخصص الإداري بينهما احياناً ايضاً، مثلما حين كان القصيبي وزيرا للصناعة و للكهرباء حينما كان الشيراوي وزيراً للصناعة و التننمية.



و لكن اوجه التعاون و المشاركة السعودية في مشاريع البحرين لم تقتصر على باب او ناحية معينة. بل احسستُ و كأنّ المملكة كانت تنظر الى البحرين، وفيما وراء دور د.غازي، و كأنها قطعة من جسدها و تضعها قريبة الى قلبها. فمن بين مختلف المنشئات الكبيرة العامة فيها..و فيما وراء مشروع الجسر الذي كلـّف -وقتها- ملياراً و نيَف من الدولارات مـَوّلتها المملكة. و كانت شركة "البلاد" السعودية المقاول الرئيس للمشروع..(الذي نفذته شركة بالاست- نيدام الهولندية.)



و لقد فهمت أثناء اقامتي في البحرين (لتي بدأت بإعارتي من جامعة البترول الى عضوية هيئة التدريس في جامعة البحرين، ثم مَدّدتها -أنا- فأقمتُ بعد ذلك لمدة عقدين وسنتين وشهرين ويومين!!)؛ أقول لاحظتُ أن مشروع الجسر كانت له جذور قديمة، منذ أيام الملك فيصل، حينما قدِمَ سمو الشيخ خليفة بن سلمان -رئيس وزراء البحرين- للقاء جلالته في 1969م.



و كان ولا زال هناك عدد من مشاريع التنمية والبناء التي ساهمت و تساهم فيها المملكة في البحرين، فكان من ذلك انشاء الاستاد الوطني (توأم استاد مكةالمكرمة الرياضي)، و المركز الطبي بمشفى السليمانية الملاصق لكلية الطب في منطقة المنامة، و غيرهما. و ذلك إضافة الى تسيير رواتب عدد كبير من الممرضين والممرضات المتعاقدين في المشفيات، وعدد كبير من المدرسين و المدرسات المتعاقدين في وزارة التربية والتعليم، كانت معاشاتهم تصرف من مكتب الملحق الثقافي في السفارة السعودية، قبل و أثناء و بعد فترة خدمة د.غازي سفيراُ في البحرين. فلم استغرب مطلقاُ أن قام الملك عبدالله منذ شهور قليلة خلت بتقديم حوالي المليار لبناء مجمع طبي و نحوه في مملكة البحرين.



و الذي فهمته ايضاً خلال اقامتي في البحرين و من خلال قراءاتي، ان السعودية قامت و تقوم بهذه المساهمات..ليس فقط من باب حسن الجوار، أو لتواشج اواصر الصلات الممتازة و المتميزة بين البلدين، و لا فقط حماية للبحرين من الضغوط الخارجية..و لصون استقلالها (منذ استفتاء الامم المتحدة لشعب البحرين حيال رأيهم إما الانضمام الى ايران كما كانت الأخيرة تطالب..او الاستقلال؛ و قد صَوّت شعب البحرين في 1965م لصالح الاستقلال)؛ و لا فقط لعضوية البحرين في مجلس التعاون الذي انشئ في 1981م؛..

بل أيضاً لسبب آخر سابق هو دور للبحرين في تأسيس الدولة السعودية الثالثة و انشاء المملكة العربية السعودية اثناء قدوم المرحوم الملك عبدالعزيز بن سعود إلى شيخ البحرين قبيل مطلع القرن العشرين و حصوله على دعمَيه الأدبي و المادي..في سيرورة محاولاته لاسترجاع الرياض من ابن الرشيد.



من جملة نقاط القوى المميزة للدكتور غازي أنه جاء من بيت ثراء و أيدي بيضاء؛ فلم يكن حتى يـُـظن به اي مظنة مادية وراء اي من المناصب و المراكز الحساسة التي تقلدها؛ بل خدم وطنه كإداري مسؤول لا يحتاج هو الى الوظيفة يل هي تحتاجه؛ و لا يحتاج الى المردود المالي لمركزه الإداري..بل المركز يحتاجه و يدر مردوداً مادياً بسببه.



و هو ابن التاجر الذي كان من كبار اثرياء عصره. فلقد كان والده، عبدالرحمان القصيبي، و هو الأحسائي المنشأ ..اول رئيس للغرفة التجارية في البحرين. و لم يتردد في مؤازرة و دعم المملكة في فترة من فتراتها التأسيسية أو العصيبة.



و لقد تمت تسمية والده من قبل المملكة، في خمسينات القرن العشرين، بمسمى "وزير دولة"، و بلقب "معالي". و كانت تلك التسمية و ذلك اللقب، فيما أعلم، فقط له و لثلاثة آخرين من المواطنين الذي اسهموا مثله في خدمة و دعم الدولة/ الوطن. (و كان من الأربعة: "معالي" حسن عباس شربتلي، و "معالي" عبدالله بن عدوان..(و للأسف، لا اذكر الآن الشخصية الوطنية الرابعة). كان تشريف أولئك الأربعة، بتلك الصفة، هو الأول من نوعه، و فيما أعلم.. الأخير.



من مواقف نبل المرحوم د.غازي، الحادثة الشهيرة التى وقعت في اواسط سبعينات القرن الماضي/العشرين. كانت حدثاً فريداً، حينما عرضت شركة كورية في قطاع الكهرباء مبلغاً من المال جاوز الثلاثة ملايين (و كان مبلغًاً ضخماً وقتها) رشوة للمرحوم معالي المهندس محمود خليل طيبة، المسؤول وقتها عن المؤسسة العامة للكهرباء..ذات التبعية لوزارة الصناعة و الكهرباء و وزيرها د.غازي؛ فما كان من المهندس/طيبة، وهو صاحب زهد عميق، الأ أن اخبر د.غازي فوراً. و ما كان من الأخير إلاّ و شجع المهندس طيبة على "قبول" المبلغ! و على ترتيب موعد و لقاء مع الكوريين في مكتب المهندس لتلقي المبلغ. و حينما اتى مندوبو الشركة حاملين شنطة سامسونايت فيها المبلغ نقداً، و مع بدء "الاجتماع"، اكتشفوا ما كان مُعداً لهم: ثلة من افراد الجهات الأمنية؛ و وقعوا في المصيدة!



*********



فهل من الكثير او من المبالغة حينما قمتُ بعنونة قصيدة من قصائدي في د.غازي .. بعنوان: من مثلِ غازي..هاتِ يا أيامي! (القصيدة مشمولة في هذا المقال.)



لقد سعدتُ بمعرفة المرحوم د.غازي منذ 1973م في الرياض حين كان اطفال كلٍ منا في مدارس الرياض الأهلية. ثم دام تواصلنا، على الأقل اسبوعياً، بما في ذلك في ديوانيته في السفارة السعودية في البحرين بعيد تعيينه سفيراً هناك (بعد ربيع ساخن في الرياض في 1984م.)



حدث ان شرعتُ في نظم الأبيات مع بدايات فترة د.غازي ..في دولة البحرين. فطفقت آتي بين ثلاثاء وآخر..من فترة لأخرى..ببعض الأبيات..في قصائد غير مطولة..كانت تتفاعل مع الأحداث..مثل استشهاد "عروس الجنوب" (سناء يوسف محيدلي)، كردٍ على غزو لبنان؛ ثم مناسبات اجتماعية في الديوانية؛ و بعض الأقوال الغزلية؛ او ما كان في ابواب النصيحة؛ ثم عن حدث العصر المتمثل في غزو الكويت (الذي انبرى له د.غازي إعلامياً بالكاع و الذراع)؛ و كذلك عدد من القصائد في مختلف الموضوعات..كان فيها للرومانسية نصيب.



و لقد شجعني وقتها د.غازي..حتى انه، لكرم لطفه، كان يطلب "الإعادة" (و لو انه كان يريد استيعاب البيت المعين ..ليساهم في "تجبيره"!) بل بلغ فضلُه ان طلب من وقت لآخر قراءة قصيدة كنت قد كتبتها في وقت سابق، و كان-ما ألطفه- يقول "أنا راوية الدكتور نتو"! و تجمَّعت عَبر السنين عشرات من القصائد..كنت أدوّنها و أحملها في دفتر صغير..دأبنا على تسميته بـ"الدويوين"، تصغير الديوان. ثم واصل د.غازي تلطفه بي.. بعد ان انتقل الى السفارة في لندن ..فكتب عني مقالاً في المجلة العربية.. و نوَّه بأبياتي التي صدرت في البحرين في شكل ديوان! ..ثم تمادى مؤخراً في تلطفه بي، فنشر المرحوم عني جزءاً في كتابه الأخير.



استمرت ديوانية د.غازي طيلة فترة عمله سفيراً في دولة البحرين لسبع سنوات سمان..قبل انتقاله سفيراً في لندن لمدة اكثر من عقد من الزمان؛ و كانت الفترتان جزءاً من سيرورة حياته الزاخرة في كلٍ من مجاليْ الدبلوماسية و الادارة ..خدمة لوطنه في الداخل و الخارج.



"ديوانيته" كانت ليلة أسبوعية ابتدعها د.غازي منذ تعيينه سفيراً، مساء كل ثلاثاء في مبنى السفارة السعودية في دولة البحرين، ثم شابهه عددٌ من سفرائنا في عدد من السفارات في الخارج. و كان يحرص على الحضور بانتظام، و على استضافة عدد من الزوار السعوديين المشاركين في عدد من المؤتمرات و الندوات المنعقدة هناك، اضافة الى استضافة عدد من أدباء البحرين ذاتها.



كانت جلسات الديوانية في مبنى السفارة.. و قام د.غازي بتسمية الطابق الذي كانت الديوانية تعقد فيه بمسمى النادي، فكان من المرتادين منسوبو السفارة، سواء منهم العاملون في مبنى السفارة بالذات أم من الملحقيات التابعة لها: العسكرية، و الدينية، و الثقافية. و كان د.غازي يشجع على روح التسلية و الحبور مع تناول القهوة و الشاهي كل ثلاثاء في المساء..و كل ليلة خلال رمضان. و مع تقديم العشاء كلما يستضاف ضيف.



كان المرحوم قد قام بتثبيت فكرة "النادي" في مبتى السفارة (ليجتمع فيه منسوبو المملكة المقيمون في البحرين مساءاً في (الديوانية) في مخططات المبنى الجديد (الحالي) للسفارة، الواقعة بين السفارة الكويتية و مؤسسة النقد البحرينية، في الحي الدبلوماسي، على شارع الملك فيصل. و كان مقر "النادي"..في الدور الأول/ الأرضي، فصار المبنى الجديد يشمل بهو السفارة نهاراً، ثم يصبح في المساء ملتقى اسبوعياً..و كذلك في الأعياد و المناسبات..لمرتادي النادي من السعوديين المقيمين.. و للقادمين للسلام و التسامر من اهالي البحرين من ادباء و تجار و نحوهم.

و سرعان ما غادر د.غازي البحرين سفيراً للسعودية في لندن. ثم عُيــِّن الأستاذ عبدالله عبدالعزيز السديري سفيراً جديدا. و تم تنفيذ و تدشين المبنى كما رسم د.غازي له ..فاحتوت طوابقه المتعددة عدداً من الملحقيات المتجمعة، الى جانب مكاتب السفير.



كان مما يمارَس من تسالي في الديوانية هما لعبة الكيرم و البلوت. و ذات رمضان، أقيم حتى "دوري" للعبة البلوت..بل و تم تقديم كأس للفريق الفائز! كان د.غازي لا يعرف لعبة البلوت..لكنه كان يجيد لعبة الكيرم. و كان في النادي/ الديوانية أيضاً طقم لعبة الشطرنج و كان د.غازي يجيد هذه ايضاً؛ الا أنه لاعبني مرة..و صادف أن فــُزتُ، فكانت جولة تلك اللعبة الجولة اليتيمة و الوحيدة التي جرت في الديوانية. و ليت نتيجة لِعبنا لم تكنِ!!



******



ممن اذكر الآن ممن احتفي بهم د.غازي في الديوانية بمبنى السفارة: الفنان/ رئيس الجمعية السعودية للفنون التشكيلية عبدالحليم رضوي؛ الفنان التشكيلي محمد السـِّليم؛ الأديب/مؤسس صحيفة الجزيرة عبدالله بن خميس؛ الأديب//رئيس صحيفة "البلادالسعودية" محمد حسين زيدان؛ د.رضا عبيد، رئيس جامعة الملك عبدالعزيز سابقاً؛ الشاعر البحريني عبدالرحمان رفيع؛ و غيرهم.



و ممن أحتفى بهم د.غازي كان شاعرُ البحرين الكبيرُ ابراهيم عبدالحسين العِريّض، حينما منحته الدولة السعودية وسام الملك عبدالعزيز؛ و تم ذلك الاحتفاء في منزل د.غازي في منطقة الجسرة في حفل عشاء ضم عدداَ من المسؤولين و الأعيان. كما أذكر العشاء الخاص انه اقامه د.غازي في داره لمعالي عبدالوهاب عبدالواسع ..وزير الحج و الأوقاف وقتها.



كما احتفي السفبر د.غازي بقدوم الأمير خالدالفيصل في 1985م، ايام كان الأميرُ مسؤولا عن منطقة عسير، في أمسية شعرية عامرة في المنامة قدّمها سموُه، و شاركه فيها د.غازي بقصائد من بعض دواوينه.



و في حفل استقبال جلالة الملك فهد في دولة البحرين لافتتاح تشغيل "جسرالمحبة" في عصر يوم الأربعاء، 26من نوفمبر1986م، الموافق 23 من ربيع الأول 1407هـ، ألقى د.غازي قصيدته المشهورة، ذات المطلع:--



"ضربٌ من العشقِ، لا دربٌ من الحجرِ # هذا الذي نقلَ الواحاتِ للجـُزرِ"



(واحات الاحساء و القطيف من جهة، و من الجهة الأخرى جزائر ارخبيل البحرين الثلاث والثلاثون). لقد عقد الافتتاح في حفل خاص في صِيوان اقيم على جزيرة أم الصُـبـّان، و هي الجزيرة الواقعة في منتصف الجسر ذي الطول الإجمالي 22كيلاً بين البلدين. و هي التي تحوي حالياً مركزي الجوازات و الجمارك و كذلك مصلى و مطعماً على كل جانب من الحدود(!!) إلا انه تقرر منذ سنوات قريبة إقرار العبور ببطاقات الهوية الشخصية بين طرفي الجسر، و هذا مما يفرح!)



في هذا الحفل، قام سمو أمير ادولة البحرين أنئذ/ الشيخ عيسى بن سلمان الخليفة بإلقاء كلمة..أعلن فيها إعادة تسمية الجسر بإسم جسر الملك فهد. (و كان جلالته قد قرر رفع نسبة البحرين من انتاج النفط بقرب جزيرة أم سعفة في منطقة خليج البحرين و خليج القطيف..من 50 ألف برميل يومياً الى 100 ألف.)



كما ان "جسر المحبة"/جسرالبحرين/جسرالملك فهد كان قد شمل.. مع وقت اتمامه -و بعده- إنشاء و رصف عدد من طرقات البحرين العامة و الكباري و الشوارع ..ليس فقط ما كان منها على الامتداد الموصل لانتهاء الجسر في ميناء سلمان في شرق البحرين؛ فلقد كانت فـُـرضات هذا الميناء تمثل "نهاية" طريق الجسر؛ و كان الدافع المباشر الذي ذُُكر قبيل بدء مشروع الجسر هو تخفيف الضغوط على ميناء الدمام..ايام تزاحمت و تقاطرت البواخر عليه و كذلك على ميناء جدة..و سعياً لحل مشكلة تأخر تفريغ البضائع لعدة شهور إبان الطفرة النفطية الأولى في كل من المينائين. غير ان صيغة هذا التعليق -فيما أعلم- لم يتم تداولها منذئذ!



كما أقام امير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان حفل عشاء ضخم في قصره في منطفة "الرفاع" احتفاءا بمقدم الملك فهد..و دَعى اليه عدداً من كبار البحرينيين و المواطنين السعوديين المقيمين في البحرين.. بمن فيهم اساتذة الجامعات..رأيتُ منهم د.محمد محمود سفر، الذي كان رئيس جامعة الخليج حينئذ.



ثم أقام د.غازي ضحى الغد في حديقة منزله في منطقة "المقشع"/ المقشاع حفل استقبال للملك فهد و ذلك لتلقي سلام المواطنين السعوديين المقيمين في دولة البحرين. و لقد لاحظتُ ساعتها تواجد الشيخ عيسى الى يمين الملك فهد..ثم علمتُ ان الشيخ كان قد قرّر أن يكون هو "المرافق" (على وزن "الوزير المرافق") للملك فهد طيلة زيارته و خلال كل جولاته في دولة البحرين..و ذلك إمعاناً في الحفاوة و الاحترام لجلالته.



********

في احدى الجلسات الدورية لديوانية السفارة، حدث ان كان الدكتور غازي مسافراً، فقلتُ فيه الأبيات التالية:-\


مِن مثلِ غازي، هاتِ يا أيامي!

مِن مِثلِ غازي، هاتِ يا أيامي

من صِنفه، علماً على الأعلامِ

في كـل تنمـية تجـِدْه "جـُبيلـَنا"

يحدو الصناعةَ.."ينبعَ" الاحلامِ(1)

و كذا "الإضاءة" بلْوَرتْ ارجاءَنا

انــوارُهـا تـعـلـو مــع الايــام

و"المَشفياتُ" بناؤُها و دواؤُها

صَـرحٌ معـلىّ .. بــَلسمُ الآلامِ(2)

النثر دارِسُه، و الشعر فارسُهُ

سِـيانَ في الانـثار و الإنـظـامِ

قد صالَ في لغة البديع يراعُـه

و لدَى الفرنجِ ..لسانُ باكنهامِ(3)

نجمُ السياسة، عالماً و مـعـلـماً

في الجامعات عَميدُها المتسامي(4)

هو في الوزارة و السفارة لؤلؤٌ

في صدر منبرِه العلي (الدِّبلامي)(5)

الجسر واكبـَه، بـَدءاً بـنشئـته

للافـتتاح .. و كان في الاحلام

أنظر و عدِّدْ في مناكب ارضنا

تـحـصى مناقبُــه بلا ايـهـام

هذي المبرةُ للطفولة انشئت

تسعى لصونِ الجسم و الأفهامِ(6)

هو الوفاءُ، و في الخليج شواهدٌ

مـحفـوفـةُ بالبـِر و الإسـهـامِ

و هو الوفيُّ لكلِ ضيفٍ وافدٍ

و هو القـُصيبي.. مـَفخرُ الآنامِ!

------------------

1. عضو الهيئة الملكية للجبيل و ينبع، التي عملت على انشاء عدة مشروعات صناعية في تلكما المدينتين، الأولى في شرق المملكة العربية السعودية و الأخرى في غربها؛

2. وزارة الصناعة و الكهرباء؛

3. المَشفيات= "المستشفيات". اصبح معاليه وزيراً للصحة، و كانت آخر وزارة تولاها قبل نقله الى البحرين سفيراً.

لغة البـَديع: اقصد هنا اللغة العربية.

لغة "باكنهام": اللغة الانگليزية، إشارة هنا الى القصر البريطاني المعروف، باكنگهام.

4. استعمالي للفظة "دبلامي" هو تحوير تجديدي مني، و المقصود "دبلوماسي"؛

5. شغل د.غازي منصب عميد السلك الدِِّبلامي/ الدبلوماسي في دولة البحرين.

6. كانت من جملة اعمال الخير التي قام بها د.غازي–في فترة عمله في الرياض قبل مغادرتها سفيراُ في البحرين..انشاؤهٌ مبرة ترعى الأطفال المعاقين ..و كانت الأولى من نوعها، و كان لي شرف ان أكون وقتها عضواً مساهماً فيها. (بعد مغادرة د.غازي الى البحرين، تلاه في رئاسة مجلس إدارتها الأمير سلطان ين سلمان ..رائد الفضاء السعودي.. الرئيس الحالي للهيئة العامة للسياحة والآثار.)

 
المناصب التي تولاها د.غازي:-

* أستاذ مساعد في كلية التجارة بجامعة الملك سعود في الرياض 1965م /1385هـ
* كما كان، في فترات: مستشاراً قانونياً في مكاتب استشارية؛ و في وزارة الدفاع والطيران ..(لعلها شملت استشارات قانونية خلال بعض المشاكل من اليمن)؛ و وزارة المالية؛، و كذلك معهد الإدارة العامة.
* عميد كلية التجارة (كلية العلوم الإدارية) بجامعة الملك سعود 1971/ 1391هـ
* مديرعام المؤسسة العامة للسكك الحديدية 1973/ 1393هـ

(و كان يقدم برنامجاً على التلفاز السعودي بعد ظهر الجمعة، تعليقاً على احداث الأسبوع.)
* وزير الصناعة والكهرباء 1976/ 1396هـ
* عضو، الهيئة الملكية للجبيل و ينبع، (برئاسة الأمير/الملك فهد)؛ 1976م/ 1406هـ

* وزير الصحة 1982/ 1402هـ
* سفير السعودية لدى البحرين 1984/ 1404 هـ
* سفير السعودية لدى بريطانيا 1992/ 1412هـ
* وزير المياه والكهرباء 2003/ 1423هـ
* وزير العمل 2005/ 1425هـ حتى وفاته: الأحد 15-8- 2010

5 من رمضان 1431هـ

***************

و بعد،

تمت مؤخراً معالجة د.غازي في مرضته الأخيرة في امريكا، و قضى فترة نقاهة في ولاية أريزونا.. ثم في منزله في منطقة الجسرة في غرب مملكة البحرين؛ و بعد معاودة معالجته في مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض ..توفي المرحوم في ناصفة اغسطس 2010م/ في الخامس من رمضان 1431هـ،



حضر الصلاة عليه نائب امير الرياض الأمير سطام مع جمع من المصلين، بإمامة سماحة مفتي البلاد، في مسجد الإمام تركي بن فيصل..في الرياض.



*************

وداعاً.. يا غازي!

*************


فــوق الطبيعــة/ فوزي ناصر

جاء القط وجلس إلى قدمي تحت طاولة المطعم، واخذ يلامسهما بفروتة الناعمة وكأنه يريد أن يذكرني بوجوده، طالباً ألا أنساه ببعض الفتات، تناولت بعضاً من قطع اللحم التي أمامي وأعطيته ليأكل، رأيت منه وسمعت حركات وأصوات شكر، تذكرت طفولتنا الشقية حين كنا لا نرى قطاً إلا وضربناه بالعصي والحجارة، ولا أنسى أن احد القطط هاجمني كالنمر بعد أن حشرته في ركن من أركان البيت. تذكرت أيضا ذلك القانون الذي تعلمناه في المدرسة ومفاده أن لكل فعل ردّ فعل مساوياٍ له في القوة ومعاكسا له في الاتجاه. القانون الذي ينطبق على الطبيعة بكاملها، لا ينطبق على قطاعات واسعة من مجتمعنا، لأننا ربّما فوق الطبيعة أو ما وراء الطبيعة.
جاءتني كل هذه الهواجس بعد حادثة لي مع أحد الجيران الذي لم اقابله من قبل لان مدخلينا متعاكسان، لم نتبادل التحية يوماً، لا يعرف اسمي ولا أعرف اسمه، تقدمت منه بطلب رفع أذى يلحق بي جراء أمر يقوم به، وكنت معه في غاية اللطف، لم أدع كلمة طيبة في قاموس اللغة إلا واستعملتها، وكان جوابه الأوّل كلمة واحدة: أنا حُرّ، وما كان مني غير التراجع دون أن ابدي عدم رضاي عن جوابه، قلت كلمة واحدة فقط : "شكراً"، وأدرت ظهري، فوجئت بقنبلة من الصراخ والشتائم تنطلق ورائي، التفت (من باب الوقاية) فإذ به يهدد رافعاً حجراً كبيراً يهمّ بإلقائه تجاهي، كان ردّي الانسحاب بصمت وهدوء يلفّ غضباّ.
توقعت أن يناديني معتذراً أو أن يتدخل أحد أصدقائه الذين ملأتهم النشوة، إذ قام مضيفهم بما يجب، لكن تلاشى الصوت والزعيق رويداً رويداً.
أخذت مخيلتي تجول في أحداث مجتمعنا التي أوصلت إلى قتل ثم قتل معاكس ثم ردّ اعتبار ثم صلحه عشائرية بعد أن سال دم كثير، كل هذا ربّما سببه نظرة غضب أو ملاحظة عابرة أو خلاف على موقف سيارة أو أولوية المرور أو أي سبب لا يُعقل أن يوصل إلى سفك دم، قلت في نفسي إن الأمر قد ينطبق عليّ فاني أرى الأسوأ، ربّما يسقط حجره على رأسي فأموت، وربّما يكسر يدي أو رجلي.
لم استطع تحليل هذه ألظاهرة فوق الطبيعية التي يحسّ أحد طرفيها أنه من القوة بما يحمله من مال أو عضلات أو ما لا يحمله من عقل أو ضمير، بحيث لا يحتمل ملاحظة أو نظرة من أحد، وتكون النتيجة ما لا يجب أن تكون.
نذكر جميعاً ذلك المقطع السّاخر للفنان القدير دريد لحّام عندما اتهم فقيراً مسكيناً بأنه داس فوق خياله، وعندما بيّن له (الفقير) أنه لم يفعل، قال له بأنه لو كان في موقع أخر لكان خياله في المكان الذي مَرّ ذلك المسكين ، وأعطاه نصيبه من الضرب!
أليس جديراً بنا أن نتعلم كيف نعدّ للعشرة؟
لماذا تنطبق قوانين الطبيعة على الكون بجماده وناسه وأحيائه ونباته ولا تنطبق على مجتمعنا المأزوم؟!

fawzy@bezeqint.net